“بما أنني لستُ مَنْ صَنَعَه، فلا أعرفُ تماماً… لكن لا بدَّ أنَّ اللافندر والبابونج من ضِمنِ المكوِّنات.”
“لا، هناكَ شيءٌ آخَرُ غيرُ ذلك. أشعرُ برائحةٍ مختلفة.”
“ممم…”
فكرت سارا قليلاً ثمَّ قالت وكأنَّها تذكَّرت:
“آه! لَقَد أُضيفَت زهورُ ‘سيدامين’.”
“سيدامين؟”
كانت ‘سيدامين’ زهوراً تَنبتُ في ‘لاتران’ فقط.
وبالتحديدِ تَنبتُ في مَكانٍ ما في جبالِ ‘ميمبروكس’، وكانَ مَعروفاً عنها أنَّ تربيتَها صعبةٌ جداً على الناس.
“هل يُمكنُكِ زراعةُ السيدامين؟”
“جَدَّتي بارعةٌ جداً في تربيةِ النباتات. لهذا السببِ كانت عائلتُنا تَصنعُ البخورَ وتَمزجُهُ بنفسِها. بالتأكيدِ سَتوجدُ بَعضُ زهورِ السيدامين، وإن لم تكن كثيرة.”
“سارا!”
نزلت تيريسيا من السريرِ وأمسكت بيدِها فجأة، فبَدَا على وجهِ سارا الارتباك.
“يجبُ عليكِ مُساعدتي.”
“نعم؟”
ابتسمت تيريسيا لسارا المندهشة.
أشرقَ وجهُها وكأنَّها اكتشفت كنزاً قريباً منها.
بمجردِ حلولِ الصباح، استدعت تيريسيا ‘هاريس’ إلى مكتبِها.
“آنسة، أرجو ألا تُجهدي نَفسَكِ.”
قالَ هاريس بمجردِ رؤيةِ وجهِها.
“لن أُجهدَ نفسي فلا تَقلق. فبجانبي عيونٌ تُراقبُني على أيِّ حال.”
اتجهت نظراتُ هاريس نحو جانبِ تيريسيا عِندَ سَماعِ كلماتِها.
كانت سارا تقفُ هناكَ وهي ترتدي فُستاناً باللونِ الرماديِّ الداكن.
“ماذا حدثَ بشأنِ بذورِ الزهورِ والشتلاتِ التي طلبتُها سابقاً؟”
“لقد وَصَلت في موعدِها، وبما أنَّ الكثيرَ من الأمورِ قد حَدثت، فهي مَحفوظةٌ حالياً في مَشتلِ الحديقة. يمكنني تقديمُها لكِ فوراً إذا أردتِ.”
“هذا جيد.”
أزاحت تيريسيا بَعضَ الأوراقِ جانباً.
“وماذا عن مقاطعةِ ‘ألفين’ التي ورثتُها عن والدتي؟”
ففي عائلاتِ النُّبلاء، كانَ الكثيرونَ يَرونَ في العملِ بالتجارةِ أو المِهنِ التي تهدفُ لِجَمعِ المالِ عاراً.
لطالما شَعرت تيريسيا أنَّ هذا غريب.
كيفَ يَعلمونَ أنهم سيَعيشونَ إذا لم يَعلموا؟
‘المالُ لا يَنزلُ من السماء.’
الاختلافُ يكمنُ فقط في طريقةِ الكَسْبِ حَسَبَ المكانة، لكنَّ النشاطَ الاقتصاديَّ ضروري.
وفي الحقيقة، كانَ هناكَ الكثيرُ من عائلاتِ النُّبلاءِ التي انهارت بسببِ استحقارِ العملِ وتبديدِ الثروات.
ورُغمَ أنَّ الأمرَ لم يكن يظهرُ على السطح، إلا أنَّ معظمَ العائلاتِ النبيلةِ المؤثِّرةِ كانت تُديرُ أعمالاً وتُشكِّلُ قوافِلَ تجاريةً للحفاظِ على قُوَّتِها.
دوقيةُ هيسبيلت لم تكن استثناءً.
فقد كانت تُديرُ مَشاريعَ مُتنوِّعةً للحفاظِ على ثرواتِها ونفوذِها.
ولهذا السببِ كانَ إيثان مشغولاً، وكذلكَ الدوق.
“بما أنَّكِ الابنةُ الكبرى، فلا بدَّ أنَّ والِدَكِ قد دَرَّبَكِ على شؤونِ الورثة.”
“نعم.”
“بما أنني لا أستطيعُ الاعتمادَ على إيدلر أو رئيسِ الخدمِ للأبد، فأنا بحاجةٍ إلى شَخصٍ يكونُ يدي وقَدَمي.”
“……”
“لا يمكنُني تَوْظيفُ الكثيرِ من الناس، لذا سيكونُ من الأفضلِ أن يكونَ الشَّخصُ مُتعلِّماً ويَهتمُّ بِي في آنٍ واحد. ومن هذهِ الناحية، أنتِ مِثالية.”
“آنسة……”
تغيَّرت ملامحُ سارا بَعْدَ كلماتِ تيريسيا.
كانت ماندي تُحبُّ الاهتمامَ بسيِّدتِها وتزيينَها بصفتِها خادمةً ودودة.
لكنَّ سارا كانت مُختلفة.
لم تكن غيرَ راضيةٍ عن عَمَلِها كخادمةٍ للآنسة، لكن كانَ لَدَيها رغبةٌ في تَجرِبَةِ عَمَلٍ آخَر.
لقد فكرت سابقاً في مُساعدةِ والِدِها في أعمالِه، خاصَّةً وأنهُ دَرَّبَها في مَقاطعتِهِم الريفيةِ دونَ الاهتمامِ بنظراتِ الناس.
ظنَّت أنهُ حُلُمٌ صَعبُ التحقيق.
“ماندي ستعتني بـي على الصعيدِ الشخصي، وأنتِ ستعتنينَ بـي على الصعيدِ العملي، وبذلكَ سأرتاحُ كثيراً.”
“……”
“رُغمَ أنَّ المهامَ قد تتداخلُ في البداية، إلا أنني لا أخططُ للأكلِ واللعبِ فقط، وسيكونُ هناكَ الكثيرُ من الأعمالِ التي ستحتاجُ لمساعدتِك.”
أدَّت سارا التحيةَ بَعْدَ كلماتِ الآنسة.
“سأخدمُكِ بكلِّ إخلاص.”
“هل كنتِ تخدمينَني بإهمالٍ حتَّى الآن؟”
“آنسة.”
ضحكت تيريسيا عِندما بَدَا الحرجُ على وجهِ سارا من كلماتِ المِزاح.
“الأعمالُ ستزدادُ في المستقبل. بما أنني حصلتُ على أرضي الخاصة، فيجبُ أن أبدأَ مَشروعاً هناك.”
“مَشروع…؟”
“أجل، مَشروعٌ ستساعدينَني فيهِ كثيراً.”
ابتسمت تيريسيا بخُبث.
‘زهورُ السيدامين.’
هذهِ الزهورُ التي قيلَ إنهُ لا يُوجدُ فيها ما يُرمى، من الزهرةِ حتَّى الجُذور، عيبُها الوحيدُ هو صُعوبةُ زراعتِها.
إذا وَجَدت تلكَ الزهور، فقد تَتَمكَّنُ من احتكارِ تجارةِ العطور.
ورُبما تَتَمكَّنُ من صُنْعِ الشيءِ الذي تُريدُ صُنْعَهُ حقاً.
التعليقات لهذا الفصل " 26"