الفصل 10
“لَقَد ظَنَنْتُها غابةً كَبيرةً حَقاً، لَكِنْ تَبَيَّنَ أنَّها حَديقةُ المَلْحَقِ فَقَط.”
“يُمْكِنُ اعْتِبارُها غابةً بالفعل.”
ضَحِكَتْ تيريسيا وقالت:
“بِمَا أنَّكَ كُنْتَ صَغيراً، فَمِنَ الطَّبيعيِّ أنَّكَ ظَنَنْتَها غابةً حَقيقية.”
“نَعَم، أظُنُّ ذلك. لَمْ نَبْتَعِدْ كَثيراً حتَّى عَثَرَ عَلَيْنا السيدُ هاينز وأَنْقَذَنا. كُنْتُ أنا بِخَيْر، لَكِنْ سَمِعْتُ أنَّكِ مَرِضْتِ كَثيراً بَعْدَها.”
لَمْ يَقُلْ إيثان إنَّ تِلْكَ الحادِثةَ كانتِ السَّببَ في طَرْدِه إلى المَلْحَق.
بَدَتْ تيريسيا وكأنَّها لا تَمملكُ ذِكرى عَنْ ذَلِك.
“هَلْ حَدَثَ مِثْلُ هذا الأمر؟”
حَمَلَ صَوْتُها نَبْرَةَ مَنْ يَسْتَرْجِعُ ذِكرياتٍ غالية، مِمَّا جَعَلَ ابْتسامةً خَفيفةً تَرْتَسِمُ على شَفَتَي إيثان.
شَعَرَتْ تيريسيا بِدِفْءٍ في قَلْبِها لِأوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ زَمَن.
سارَ الاثنانِ مُجَدَّداً في صَمْت.
تَدَفَّقَ جَوٌّ مِنَ اللُّطْفِ والهَواءِ الدَّافِئِ بَيْنَهُما.
وعلى غَيْرِ العادة، سادَ شُعورٌ بِالرَّاحَةِ في هَذِه اللحظة.
وفَجْأة، تَذكَّرَ إيثان شَيْئاً وقالَ لِتيريسيا:
“آه، يا أُخْتي. لَدَيَّ سُؤالٌ أُريدُ…”
“…”
“أُخْتي؟”
“آه…”
ناداها إيثان حِينَ تَوَقَّفَتْ فَجْأة، لَكِنَّها لَمْ تُجِبْ.
“هذا المَكان…”
كانَ وَجْهُ تيريسيا شاحِباً.
ودُونَ وَعْي، وَجَدَا نَفْسَيْهِما أَمامَ مَدْخَلِ “الرِّواقِ الأَبْيَض”.
الرِّواقُ الذي يُسْتَخْدَمُ في المُناسَباتِ الكُبرى لِعائِلةِ الدوق، مِثْلِ حَفَلاتِ الزَّفافِ أو الجَنازات.
“أُخْتي.”
التَفَتَ إيثان نَحوَ تيريسيا التي تَجَمَّدَتْ مَكانَها، فاصْطَدَمَ بِمَلامِحِ وَجْهِها وانْدَهَش.
كانتْ تَنْظُرُ إلى داخِلِ الرِّواقِ بِوَجْهٍ شاحِبٍ كالمَوْت، بَدَتْ مُخْتَلِفةً تَماماً عن عادَتِها.
لم يَكُنْ إيثان مَوْجوداً في نَظَراتِ تيريسيا.
ولم تَشْعُرْ حتَّى بالطقسِ الصَّافي والنَّسيمِ الخَفِيف.
ما كانَتْ تراهُ عَيناها لم يَكُنْ هذه اللحظة.
بل “الرِّواقُ الأَبْيَض” في تِلْكَ الليلةِ العاصِفة.
حَيْثُ تُرَفْرِفُ الأَعْلامُ، وتَتراقَصُ أَضْواءُ الشُّموعِ في مَمَرٍّ طَويلٍ يَمْتَدُّ بلا نِهاية.
“أُخْتي، لَوْنُ وَجْهِكِ لَيْسَ جَيِّداً.”
“أنا بِخَيْـ…”
لَمْ تَسْتَطِعْ إكْمالَ الكَلِمَة.
لم تَكُنْ بِخَيْر.
شَعَرَتْ بِضِيقٍ في صَدْرِها.
وأَحَسَّتْ وكأنَّ الدِّماءَ تَنْسَحِبُ من رَأْسِها.
نبض، نبض
بَدَأَتْ دَقَّاتُ قَلْبِها تَقْرَعُ في رَأْسِها.
“أُخْتي؟”
‘يَجِبُ أنْ أَهْرُب. لا يَجِبُ أنْ أَكونَ هُنا ذَلِكَ الرَّجُلُ سَيَأتي’.
“أُخْتي!”
سَمِعَتْ صَوْتَ إيثان، لَكِنَّها لَمْ تَقْدِرْ على الرَّد.
كانتْ تَتراجَعُ لِلْخَلْفِ وهي تَنْظُرُ لِلرِّواقِ بِوَجْهٍ يَمْلَؤُهُ الرُّعْب.
“أُخْتي، مَاذا بِكِ!”
أَمْسَكَ إيثان بِيَدِها فارتجفَ من الصَّدْمَة.
كانتْ يَدُها بارِدَةً كالثَّلْجِ وتَرْتَجِفُ بِشِدَّة.
وبِمُجَرَّدِ أنْ لَمَسَ يَدَها، شَدَّتْ هي عَلَيْها بِقُوَّةٍ حتَّى ابْيَضَّتْ مَفاصِلُ أصابِعِها.
“إيـ.. إيثان، لا. هُـ.. هُنا…”
لم تَسْتَطِعْ تيريسيا التَّنَفُّس.
حاوَلَتِ التَّحَرُّكَ لَكِنَّ قَدَمَيْها لَمْ تُطاوِعاها.
لم تَقْدِرْ على الحَرَاك.
بَدَأَ جَسَدُها يَرْتَعِد.
‘لا يَجِبُ أنْ نَكونَ هُنا’.
الدِّماءُ تَنْزِفُ من صَدْرِها نَحوَ الأَرْض.
وبَدَأَتِ الدِّماءُ الحَمْراءُ تَنْتَشِرُ تَحْتَ قَدَمَيْها مِثْلَ السَّجَّاد.
“أُخْتي!”
‘أَكْرَهُ هذا الرِّواقَ الضَّيِّقَ والطَّوِيل. هُنا، أنا…’
“تيريسيا!”
‘…لأنَّني مُتُّ’.
انهارَتْ قُواها، وفَقَدَتْ تيريسيا وَعْيَها.
جاءَ اللَّيْل ومَلأَ الظَّلامُ العَالَم.
كانَ إيثان يَنْظُرُ إلى تيريسيا المُسْتَلْقِيَةِ على السَّريرِ دُونَ حَرَاك.
رُغْمَ أنَّ بَشَرَتَها البَيْضاءَ بَدَتْ أكثرَ شُحوباً تَحْتَ ضَوْءِ المِصْباح، إلا أنَّ لَوْنَها قد تَحَسَّنَ قَليلاً عَمَّا كانَ عليه عِنْدَ سُقوطِها.
‘لا، لَيْسَ هُنا، أنا أَكْرَه هذا’.
كانَ ذَلِكَ رُعْباً حَقيقياً مِنَ المَوْت.
يُمْكِنُ لِأيِّ شَخْصٍ أنْ يَخافَ مِنَ المَوْت؛ فَهذا أَمْرٌ طَبيعيٌّ لِأيِّ كائِنٍ حَيّ.
لَكِنَّ الرُّعْبَ الذي أَظْهَرَتْهُ تيريسيا قَبْلَ لَحَظاتٍ من فُقْدانِ الوَعْيِ لَمْ يَكُنْ مِنْ هذا النَّوْع.
لَقَدْ كانتْ تَهابُ المَوْتَ وكأنَّها شَخْصٌ قَدْ خاضَ التَّجْرِبَةَ بالفعل، وكأنَّها واجَهَتْ مَوْتاً شَنِيعاً مِنْ قَبْل.
‘لِماذا؟’
لم يَسْتَطِعْ فَهْمَ الأَمْر.
رُغْمَ انْقِطاعِ العَلاقةِ بَيْنَهُما، إلا أنَّه كانَ يَسْمَعُ أَخْبارَها بَيْنَ الحِينِ والآخَر.
ولَمْ تَرِدْ قَطُّ قِصَّةٌ عن تَعَرُّضِها لِإصابةٍ مُمِيتة.
هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ لا يَعْلَمُه؟
“مِمَّا تَخافِينَ يا أُخْتي؟”
انْخَفَضَ صَوْتُ إيثان.
أَمْسَكَ بِيَدِ تيريسيا بِهُدوء.
يَدٌ صَغيرةٌ ورقيقة.
رُغْمَ أنَّها أكْبَرُ سِنَّاً، إلا أنَّ يَدَ إيثان كانتْ أكْبَرَ مِنْ يَدِها.
في الطُّفولة، كانتْ تَحْتَضِنُه بِقُوَّةٍ بِهذهِ اليَدِ الصَّغيرة.
كانتْ تَضُمُّه بِدِفْءٍ في الوَقْتِ الذي لَمْ يَكُنْ فيه أَحَدٌ يَهْتَمُّ بِه.
والآن، تَقومُ بِأُمورٍ كَثيرةٍ مِنْ أَجْلِه بِهذهِ اليَدِ الصَّغيرةِ وجَسَدِها الرَّقيق.
أَحْضَرَتْ لَه مُعَلِّماً، وساعدَتْه على العَوْدةِ لِلْمَبْنى الرَّئيسِيّ.
وعَرَضَتْ عَلَيْه التَّحالُفَ لِيَتَمَكَّنَ مِن وِراثةِ مَنْزِلِ هيسبيلد بِشَكْلٍ كامِل.
وفي خِضَمِّ ذَلِك، قِيلَ إنَّها تَلَقَّتْ صَفْعةً مِنَ السَّيِّدةِ بورين.
°مَنْزِلُ هيسبيلد مِلْكُكَ أنت°
“نَعَم. إنَّه مِلْكي يا أُخْتاه.”
°يَجِبُ أنْ تَحْمِيَه بِقُوَّتِك°.
“سأحْميهِ بِقُوَّتي.”
لَكِنْ لِأنَّني لا أَمملكُ القُوَّةَ الآن، تَبْذُلِينَ أَنْتِ كُلَّ هذا الجُهْدِ وتُعانِينَ.
“بِسَبَبِي…”
أَنْتِ…
وَضَعَ إيثان يَدَ تيريسيا بِرِفْقٍ على جَبينِه.
كانتْ دافِئَة.
عادَ الدِّفْءُ لِلْيَدِ التي كانتْ بارِدَةً مُنذُ قَليل.
بَعْدَ أنْ فَقَدَها مَرَّة، ظَنَّ أنَّها لَنْ تَعُودَ مِلْكَاً لَه أَبَداً، لَكِن…
“بِمَا أنَّكِ عُدْتِ، فَلَنْ أَتْرُكَكِ تَرحَلِين. لَنْ أَسْمَحَ لِأَحَدٍ بِسَلْبِكِ مِنِّي مُجَدَّداً.”
فَأَنْتِ وهيسيلبد، كِلاكُما مِلْكِي.
“تيريسيا.”
نادى إيثان باسْمِها بِصَوْتٍ خَفيض.
وكأنَّها تُريدُ الرَّدَّ عَلَيْه، تَحَرَّكَتْ يَدُ تيريسيا قَليلاً.
نَهَضَ إيثان فَجْأةً عِنْدَ تِلْكَ الحَرَكَةِ الصَّغيرة.
“أُخْتي؟”
“آه…”
“هَلِ اسْتَعَدْتِ وَعْيَكِ؟”
“إيثان؟”
“نَعَم، إنَّه أنا.”
عادَ البَريقُ لِعَيْنَيها وهي تَنْظُرُ نَحْوَه.
خَرَجَتْ أَنْفاسُها المَحْبوسةُ بِهُدوء.
ساعَدَها إيثان على الجُلوس.
“هَلْ أُحْضِرُ لَكِ الماء؟”
“…نَعَم.”
انْتَظَرَ إيثان حتَّى شَرِبَتِ الماءَ كُلَّه، ثمَّ أَخَذَ الكوبَ ووَضَعَهُ على الطَّاوِلة.
“هَلْ نِمْتُ لِوَقْتٍ طَوِيل؟”
“لا، لَمْ يَمُرَّ يَوْمٌ كامِل.”
“لا بُدَّ أنَّكَ قَلِقْت.”
“…”
“أنا بِخَيْرٍ فلا تَقْلَق.”
نَظَرَتْ تيريسيا إلى إيثان الذي كانَ يَخْفِضُ نَظَرَهُ دُونَ رَد، فابْتَسَمَتْ بِضَعْف.
“أُخْتي.”
“نَعَم؟”
“لَدَيَّ أَمْرٌ أُخْبِرُكِ بِه.”
تَوَجَّهَتْ نَظَراتُ إيثان نَحْوَ تيريسيا بِبُطْء.
شَعْرٌ أَسْوَد، وعَيْنانِ ذَهَبِيَّتان.
الوَريثُ الشَّرعيُّ الوَحيدُ الذي يَحْمِلُ جَميعَ مَلامِحِ عائِلةِ هيسبيلد.
“إيثان؟”
“لَقَدْ قَرَّرْتُ الالْتِحاقَ بِالأكاديميَّةِ الإمبراطوريَّة.”
نَظَرَتْ تيريسيا إلى إيثان بِعَيْنَيْنِ مُنْدَهِشَتَيْن.
الْتَقَتْ نَظَراتُها بِنَظَراتِهِ الثَّابِتَة.
‘تيريسيا. أَنْتِ تَدْفَعِينَني لِلأمام’.
‘أَنْتِ فَقَط’.
“سأُغادِرُ في الأُسْبوعِ القادِم.”
‘أَنْتِ مَنْ تَجْعَلِينَنِي أَتَحَرَّك’.
كانَتْ عَيْناهُ الذَّهَبِيَّتانِ تَلْمَعانِ تَحْتَ ضَوْءِ المِصْباح.
❁❁❁
بَعْدَ أُسْبوع، في فَجْرٍ يَمْلَؤُهُ الضَّباب، غادَرَ إيثان القَصْرَ رِفْقَةَ “أدلر” فَقَط، دُونَ إخْبارِ أَحَد.
كانَتْ تيريسيا تُراقِبُ رَحيلَهُ مِنَ النَّافِذة.
لا تَعْلَمُ إنْ كانَ ذَلِكَ صُدْفةً أم مَقْصوداً، لَكِنَّ إيثان انْطَلَقَ مِنْ مَكانٍ يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ مِن نافِذَتِها.
“لَوْ أَنَّهُ سَمَحَ لِي بِتَوْدِيعِهِ قَبْلَ رَحيلِه.”
تَمَنَّتْ لَوْ تَمَكَّنَتْ مِن إلْقاءِ التَّحيَّةِ عَلَيْه.
لَوْ عَلِمَتْ أنَّها سَتَراهُ هكذا مُخْتَبِئَة، لَكَانَتْ نَزَلَتْ بِكُلِّ جُرْأةٍ لِتَوْدِيعِهِ حتَّى لَوْ رَفَض.
كانَتْ تَعْلَمُ أنَّهُ سَيَرحَلُ يَوْماً ما، وكانَ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَل، لَكِنَّ رُؤْيَتَهُ وهو يُغادِرُ جَعَلَتْ قَلْبَها يَنْقَبِض.
كم سَنَةً سَتَمُرُّ قَبْلَ أنْ تَراهُ مُجَدَّداً؟
خَمْسُ سَنوات؟ سَبْعُ سَنوات؟
‘دائِماً ما أَكُونُ في انْتِظارِكَ فَقَط’.
‘سَيَكونُ بِخَيْر. هذهِ المَرَّةَ سَيَكونُ بِخَيْر. سَيَعودُ سالِماً’.
‘لأنَّني سأجْعَلُ الأمرَ كذلِك’.
“اذْهَبْ وعُدْ بِصِحَّةٍ جَيِّدة يا إيثان.”
تَمْتَمَتْ تيريسيا وهي تُسْنِدُ رَأْسَها على النَّافِذة.
شَعَرَتْ أنَّ الوَقْتَ سَيَمُرُّ بِبُطْءٍ شَدِيد.
“لَقَدْ مَرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ مُنذُ آخِرِ لِقاء.”
بَعْدَ عَوْدَتِهِ إلى مَنْزِلِ الدوقِ بَعْدَ أَرْبَعِ سَنوات، وتَقْديمِ تَقْرِيرِهِ لِلدوق، تَوَجَّهَ “أدلر رايسفيلد” مَعَ “روبن هاينز” إلى مَسْكَنِ تيريسيا.
“لَقَدْ مَرَّ زَمَنٌ طَوِيلٌ أَيُّها السَّيِّدان. هَلْ كُنْتُما بِخَيْر؟”
“نَعَم يا آنِسَتي. لَقَدْ أَصْبَحْتِ الآنَ امْرَأةً بالِغةً تَماماً.”
“نَعَم، لَقَدْ مَرَّ الوَقْتُ سَريعاً. والآن…”
تَوَجَّهَتْ نَظَراتُ تيريسيا نَحْوَ أدلر.
“هَلْ يَجِبُ أنْ أُنادِيَكَ بِالسَّيِّدِ أدلر؟”
ضَحِكَ أدلر لِكَلامِها.
قَبْلَ فَتْرَةٍ قَليلة، وَصَلَتْ رِسالَةٌ لِلدوقِ هيسبيلد.
إيثان، الذي لَمْ يَتواصَلْ مَعَ والِدِهِ قَطُّ طَوالَ فَترةِ وُجودِهِ في الأكاديميَّة، طَلَبَ مِنَ الدوقِ مَنْحَ أدلر لَقَبَ “فارِس” قَبْلَ عَوْدَتِه.
كانَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ أدلر مُغادَرَةَ الأكاديميَّةِ لِيُصْبِحَ مُساعِدَ إيثان.
‘حَسناً. بِمَا أنَّهُ سَيُصْبِحُ مُساعِدَه، يَجِبُ أنْ يَمملكُ لَقَبَاً’.
وافَقَ الدوقُ على طَلَبِ ابْنِهِ بِرَحابةِ صَدْر.
وزِيارةُ أدلر لِلْقَصْرِ الآن كانتْ لِأَجْلِ مَنْحِهِ لَقَبَ الفُرُوسِيَّة.
“حَسناً، هكذا سارَتِ الأُمور. أنا الذي لا أُجِيدُ اسْتِخدامَ السَّيْفِ بشكل جيد وأَصْبَحْتُ فارِساً.”
“دَوْرُ الفارسِ لَيْسَ اسْتِخدامَ السَّيْفِ فَقَط.”
أَجابَتْ تيريسيا بابتسامةٍ رَقيقة.
نَظَرَ أدلر إلَيْها بِإعجابٍ لِتِلْكَ الابتسامةِ المِثاليَّة.
بِدُونِ أنْ يُلاحِظ، أَصْبَحَتْ تيريسيا سَيِّدَةً كامِلَةً مِنْ عائِلةِ هيسبيلد.
ولَمْ يَعُدْ هُناكَ أيُّ أَثَرٍ لِعَدَمِ النُّضْجِ الذي كانَتْ تَمملكُهُ في صِغَرِها.
بَعْدَ أنْ جَلَسَ الثَّلاثة، وُضِعَتِ الحَلَوياتُ والشَّايُ على الطَّاوِلة.
رَفَعَتْ تيريسيا إبْريقَ الشَّايِ وصَبَّتْهُ في الأَكْوابِ أَمامَ أدلر وروبن، ثمَّ مَلأَتْ كُوبَها.
“لَقَدْ مَرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ مُنذُ آخِرِ مَرَّةٍ قَدَّمْتُ فيها الشَّايَ لَكُما.”
“هذا صَحِيح. لَقَدْ كانَ طَعْمُ أوَّلِ شَايٍ قَدَّمَتْهُ الآنسةُ قَوِيَّاً جِدّاً.”
تَذَكَّرَ أدلر لِقاءَهُ الأوَّلَ بِها وضَحِك.
لَقَدِ اسْتَهانَ بِها في البِدايةِ لَكِنَّهُ تَلَقَّى ضَرَباتٍ مُتتالِيَةً مِنَ الأخَوَيْن.
“أنا لا أُقَدِّمُ الشَّايَ لِأيِّ شَخْص.”
ابْتَسَمَتْ تيريسيا وهي تَتَذَكَّرُ ذَلِكَ الوَقْت.
مَرَّتِ الفُصولُ الأَرْبَعَةُ أَرْبَعَ مَرَّات.
ولَقَدْ مَرَّتْ أَرْبَعُ سَنواتٍ تَقْريباً مُنذُ غادَرَ إيثان القَصْر.
رُغْمَ أنَّها قَدْ تَبْدو سَنواتٍ عاديَّة، إلا أنَّ تيريسيا لَمْ تَقْضِها بِسُهولَة.
فالفَجْوَةُ بَيْنَها وبَيْنَ والِدَتِها بَدَأَتْ تَتَّسِعُ أكثرَ فأكثر.
“كَيْفَ حالُ إيثان؟”
سأَلَتْ تيريسيا عَنِ الأَمْرِ الذي يَشْغَلُ بالَها.
في حَيَاتِها السَّابِقَةِ لَمْ تَكُنْ هكذا، لَكِنَّها في هذهِ الحَيَاةِ باتَتْ تَفْتَقِدُ الشَّخْصَ الغائِبَ بِشِدَّة.
“لَقَدْ تَقَرَّرَ تَخَرُّجُهُ المُبَكِّر. وبِحُلولِ الشَّهْرِ القادِم، عِنْدَ إقامَةِ حَفْلِ بُلوغِكِ، سَيَتَمَكَّنُ مِنَ العَوْدةِ لِلْمَنْزِل.”
“أَحَقاً؟”
“يُقالُ إنَّ تَمامَ التَّخَرُّجِ في أَرْبَعِ سَنواتٍ بَدلاً مِنْ سَبْعٍ هو أَمْرٌ يَحْدُثُ لِأوَّلِ مَرَّةٍ في تاريخِ الأكاديميَّةِ الإمبراطوريَّة.”
أَجابَ هاينز الذي كانَ بِجانِبِ أدلر بِضَحْكَةٍ كَبيرة.
“لَمْ يَتَفَوَّقْ في الجانِبِ الأكاديميِّ فَقَط، بَلْ أَنْهى كُلَّ شَيْءٍ بِإتْقان، بِمَا في ذَلِكَ فُنونُ السَّيْفِ والاسْتراتيجيَّاتُ العَسْكريَّة. لَقَدْ كُنْتُ أَشْعُرُ بالذُّهولِ وأنا أُراقِبُه.”
ضَحِكَ أدلر أيضاً، وبَدَا الفَخْرُ واضِحاً عليهِ كَمُعَلِّم.
“والآن، سَيَعُودُ تَماماً إلى مَنْزِلِ الدوق.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"