وسبب عدم كتابة ذلك صراحةً في البرقية، والاكتفاء بعبارة “الغرفة الثانية”، كان مفهومًا.
فمكتب البريد، لأسباب أمنية متعددة، يمرّ بعملية تدقيق معلوماتي من قبل القصر الملكي.
لذلك، لا بدّ أنها كتبتها بهذه الطريقة تحسّبًا لأي طارئ.
وكان كيرتيس يعرف تلك الغرفة أصلًا. فقد زارها من قبل. لكن هذه المرة، لفت نظره شيء مختلف.
كانت هناك خريطة بحرية معلّقة على الجدار داخل الغرفة، وكأنها أمرٌ عادي تمامًا.
لا بدّ أنها الخريطة البحرية التي رسمها سيمون أمبرويز لأغراض البحث. ووفقًا لما قالته كلوي، كانت خرائط سيمون أمبرويز البحرية معلّقة في أرجاء المنزل كافة. وبما أنه كان يعيد رسمها كل عام مع كل دراسةٍ جديدة، فمن المرجّح أن الخريطة الموجودة في غرفة كلوي كانت نسخةً قديمة.
في الأصل، تُعدّ الخرائط من أسرار الدولة، إذ يمكن أن تؤثر بشكل بالغ في مصير البلاد. فإن تسرّبت إلى دولة أخرى، فإن ذلك يضع البلاد في موقف شديد الخطورة في الحروب.
وبطبيعة الحال، تختلف دقّة الخرائط من دولة إلى أخرى. فخرائط الدولة نفسها تكون مفصّلة للغاية، بينما تُرسم خرائط الدول الأخرى بشكل تقريبي ومهمل، كأن يُشار إلى العاصمة هنا، والميناء هناك.
لكن الخرائط البحرية لعائلة أمبرويز كانت مختلفة. ربما لأن الزوجين أجريا أبحاثهما في دول متعدّدة، فقد كانت خرائط عدة دول مرسومة بدقّة مذهلة.
لو كانت خريطة عادية، لكان من غير المعقول تعليقها في أرجاء المنزل بهذه الطريقة. فمجرد أن تقع في أعين الآخرين، لكانت سبّبت متاعب جمّة بلا شك.
مجرد امتلاك خريطة كهذه أمرٌ يثير الدهشة، فكيف بتثبيتها عشوائيًا على الجدار؟ هذا أمرٌ غير معقولٍّ إطلاقًا.
لكن كيرتيس أدرك فورًا، ما إن وقعت عيناه عليها، سبب عدم تحوّل تلك الخرائط المعلّقة في أرجاء المنزل إلى مشكلة.
كانت شيئًا لا يستطيع تمييزه إلا من يعرف ماهيته.
فالخرائط عادةً ما تركز على تصوير اليابسة بدقة. لكن هذه كانت خريطة بحرية. تسجّل الأمواج الجارية في البحر، ومساراتها، إضافة إلى طرق إبحار السفن.
كانت معالم الجزر والسواحل مرسومة بخطوط منقّطة، بينما سُجّلت الطرق البحرية وحركة الأمواج بوضوح يفوق وضوح اليابسة بكثير.
ولذلك، فإن من يراها لأول مرة قد لا يعرف إن كانت مجرد خربشات، أم خريطة بحرية فعلًا.
وفوق ذلك، فإن الخرائط عادة ما تُرسم على ورقة كبيرة واحدة، لكن هذه الخريطة كانت مختلفة.
كانت مرسومة على عدة أوراق، ثم لُصقت معًا.
ربما لأن محتواها كان يتغيّر باستمرار تبعًا للأبحاث.
عند رؤية الخريطة، ضحك كيرتيس بلا إرادة من شدّة الذهول.
“يا إلهي، كلوي.”
عند ضحكته تلك، سألت ليا، التي كانت تقف إلى جانبه متحفّظة، بحذر:
“هل هناك مشكلة ما؟ من الصعب فهمها، أليس كذلك؟ أنا آسفة… هذا… أنا وأخي لا نفهمها جيدًا أيضًا… فهي من رسم أبي.”
لم تكن ليا تعرف سبب مجيء كيرتيس إلى هذا المنزل، لذا كان ردّها مفهومًا. لكن كيرتيس ازداد يقينًا من كلماتها.
كلوي، زوجته اللعينة، كانت متأكدةً من أن كيرتيس سيتعرّف على هذه الخريطة.
وبعبارة أخرى، لو كان عاجزًا إلى حدّ عدم التعرّف حتى على هذه الخريطة، لكانت كلوي، ووالداها معها، قد لقوا حتفهم دون أن يُعثر حتى على عظامهم في أي أزمة طارئة محتملة.
“لا، لا. ليست هناك مشكلة.”
أراد كيرتيس أن يخفي ابتسامته، لكنه لم يستطع.
فالأمر يعني أن كلوي وثقت به، أليس كذلك؟ كان من الصعب كبح زاوية فمه التي كانت ترتفع بلا توقّف.
صحيح أنه كان بطل حرب إيفانيس، وأن عددًا لا يُحصى من مواطني إيفانيس كانوا يثقون به. لكن لسببٍ ما، فإن ثقة كلوي، تلك التي لا تفوّت فرصة للسخرية منه كلما رأته، كانت…
لا، ليس هذا.
-‘أنا لا أثق بإنسانية سموّك، بل بلا إنسانيتك.’
-‘وأنت شخصٌ ذكي بما يكفي ليعرف أن تخريب خطة محكمة بدافع نزوة لحظية سيؤدي إلى دفن جثتك في غلينترلاند.’
تذكّر كيرتيس كلمات كلوي. كان الأمر مضحكًا. ففي ذلك الوقت، بدت كلماتها مزعجة إلى حدّ الغضب، لكن حين أعاد التفكير فيها الآن، أدرك أنها كانت تثق به بثبات منذ البداية.
ومع هذا الإدراك، تحسّن مزاج كيرتيس أكثر. بلا إنسانية؟ وما أهميّة هذا الهراء؟ كلوي تثق بي.
حتى السخرية تُعدّ نوعًا من الضحك، فلِمَ لا تكون التهكّمات شكلًا من أشكال الثقة أيضًا…
“…قالت أختي إن سموّ الدوق، عندما يبتسم، فهذا يعني أن هناك خطبًا ما… خطبًا كبيرًا جدًا….”
“….”
…هل تثق بي أكثر من اللازم؟
طلب كيرتيس من ليا أن تخرج من الغرفة قليلًا. فلو استمر في الابتسام وحده، لربما استدعت شقيقت زوجته الخائفة حرس العاصمة.
على أي حال.
نزع كيرتيس الخريطة البحرية من الجدار، وبسطها كاملة على الأرض. وحين جمع جميع الأجزاء المعلّقة في أرجاء الجدران في لوحة واحدة، كان المشهد مهيبًا.
“…لطالما تساءلت لماذا اختارت البحرية من بين كل الخيارات.”
نعم، كان كيرتيس يتساءل دائمًا عن سبب التحاق كلوي بالبحرية.
كانت كلوي تقول إنها دخلتها “من أجل الراتب المنتظم”، لكن… حسنًا. فالجيش البري أيضًا يدفع راتبًا منتظمًا. بل وأكثر من البحرية بكثير.
هل دخلت البحرية لأنها أقل انشغالًا؟ لتستغل وقت الفراغ في عمل آخر؟
كان كيرتيس يظن ذلك في البداية.
لكن مع بقائه إلى جانب كلوي، ازداد شكّه يومًا بعد يوم. وهذا طبيعي. فلو كانت قد عاشت بتراخٍ في البحرية، لما استطاعت التأقلم مع فرقة الحرس الملكي.
ومع ذلك، لم تكتفِ بدور مساعدته، بل امتلكت مهاراتٍ قتال لا تقل عن الضباط، وحتى دقة تصويب لم يطالها الصدأ.
وفوق ذلك، حتى لو أمكن اكتساب كل هذا بسرعة، فمن غير المعقول أن تحقّق، بين ليلة وضحاها، أفضل سجل في صالة تدريب الضباط البدنية.
لم يكن الأمر لسببٍ آخر. لقد التحقت بالبحرية لأنها أرادت “البحرية” نفسها.
“يبدو أنها ذهبت وفقًا لميولها الخاصة….”
جثا كيرتيس على إحدى ركبتيه، وحدّق في الخريطة البحرية الممدودة على الأرض.
حتى لو جُمع كبار ضباط بحرية إيفانيس هنا، لما استطاعوا قراءة هذه الخريطة بشكل صحيح. وليس لأنّها مجرد خريطة رسمها باحث على هواه.
فبحرية إيفانيس، التي لا تخرج إلى البحر إلا مرةً واحدة في السنة، لا يمكنها التعرّف على ساحل برادو اعتمادًا على الخط الساحلي وحده.
لكن كلوي فعلت ذلك.
بين كتابات سيمون العشوائية، كانت هناك كتاباتٌ بخط المراسلات الرسمي لجيش المملكة، يبدو أنها لكلوي.
“ساحل موسو!”
“سانت أونوريه”
“جزيرة الأصداف” وأشباه ذلك.
وتحتها، كُتبت عبارات صغيرة مثل:
“اصطدنا الكثير من الأصداف هنا”
“الذهاب للّعب مع آيريس بالتأكيد”
مما يوحي بأنها استخدمتها لتسجيل ذكريات طفولتها حين كانت ترافق والديها.
“لطيفةٌ فعلًا….”
لكن يمكن تأجيل الإعجاب الآن. مرّر كيرتيس أطراف أصابعه على الخريطة، باحثًا عن تلميح تركته له كلوي.
ثم…
“وجدتها.”
سوريين.
الجزيرة التي تتجه إليها كلوي الآن.
وكانت أيضًا جزيرة نائية تقع على الحدّ الحرج بين المياه المشتركة لتيريزماينيا وغلينترلاند. وعلى العموم، كانت تُعدّ تابعة لمنطقة زيلتبغ، ويُنظر إليها على أنها ضمن نطاق تيريزماينيا، لكن ذلك فقط لأن سوريين جزيرة بلا قيمة تُذكر.
إذًا، ما هو فانتوم؟
بالطبع، عثر كيرتيس عليه بسرعة. كان اسم جزيرة غير مأهولة تقع في الطريق من سوريين إلى ساحل برادو. جزيرة عادية جدًا، لكن…
“…احتمالٌ وارد.”
كان مكانًا لا مفرّ فيه من العزلة. صحيح أن فيه ماءً عذبًا، لكن حجمه الصغير لا يسمح لسفن كبيرة مثل الفرقاطات بالاقتراب، كما أن الوصول إليه بقارب صغير وحده لا يستحق عناء الرحلة.
من أي يابسة، يستغرق الوصول إليه بالقارب الصغير أكثر من أسبوع. ولهذا، لا يسكنه أحد.
وبالنظر إلى الخريطة، أدرك كيرتيس سبب اختيار كلوي لتلك الجزيرة تحديدًا.
فعند ربط سوريين بساحل برادو وفق التيارات البحرية، كانت تلك الجزيرة الموقع الوحيد الممكن للتزوّد بالإمدادات. وهذا ليس أمرًا يُفهم من مجرد النظر إلى الخريطة، بل لا يُدرك إلا بقراءة التيارات البحرية.
رتّب كيرتيس ما توصّل إليه بهدوء.
إذًا، دوقته التقت برجل قد يكون بارثولوميو. وسمعت اسم “سوريين”.
ومن الواضح أن كلوي ركّزت على سوريين، لكن لا أحد يعلم أي خطر قد يكون كامنًا هناك.
أما إشارتها إلى تيريزماينيا، فكانت تعني أنه، إن اضطر كيرتيس إلى إنقاذها بنفسه، فلا بدّ له من الحصول على تعاون تيريزماينيا.
إذًا، فانتوم تعني…
على الأقل، كان كيرتيس متيقّنًا من أمر واحد. إن كان هناك من يستطيع قراءة هذه الخريطة البحرية، فإن الوضع الحالي سيتحوّل إلى أزمةٍ دولية هائلة.
بل ستكون طوقًا مثاليًا لشدّ الخناق على ذلك الملك اللعين.
التعليقات لهذا الفصل " 143"