“حسنًا، أيتها الدوقة الكبرى… أقصد شقيقةَ الدوقة الكبرى. أليس من الجيّد أن نُحسن معاملةَ والديكِ؟”
ابتسم بارثولوميو. كان وجهه مرحًا، وفيه مسحةُ عبث. لولا كونه قرصانًا، ولو اعتنى بمظهره قليلًا، لكان من السهل أن يُخطَأ فيُظنّ أحد نبلاء مكانٍ ما، لما في ملامحه من وسامة. ضيّقت كلوي عينيها.
“إذًا علينا نحن أيضًا أن نُحسن معاملتكم؟”
“هاهاها. أترغبين في معاملةٍ حسنة؟”
“ليس هذا هو السبب.”
“حتى لو كان هناك سبب، فلا يجب عليّ أن أشرحه لكِ.”
ظلّ بارثولوميو يبتسم ابتسامةً عريضة، من دون أن يعطي جوابًا واضحًا. ثم استدار واقترب مجددًا من جهة أغات.
كانت أغات منحنيةً قليلًا، وقد بدا أن الوقوف مقيّدةً طوال هذا الوقت أنهكها، لكنها شدّت ظهرها فجأة واستقامت. بدت متوتّرة.
“على أيّ حال، بما أنّ شخصيةً بمقام الدوقة الكبرى قد وقعت في أيدينا، فكّرتُ أن نخوض مفاوضاتٍ حقيقيّة. وبالطبع، هناك من سأرسله.”
هل ينوي حقًّا إرسال قرصان؟ حاولت كلوي أن تُحرّك جسدها لتفكّ الحبل المقيّد ليديها، لكن الأمر لم يكن سهلًا. طبيعيّ. صاحت في بارثولوميو الذي أدار لها ظهره:
“أطلق سراحي. سأذهب وأتوسّل إليهم أن يُبقوا أختي حيّة!”
كان ردّ فعل أغات أسرع من ردّ بارثولوميو. اتّسعت عيناها دهشةً، ثم تحوّل نظرها إلى حدّةٍ مثلثيّة وهي تحدّق في كلوي.
‘لا تكونين جادّة… لن تتركيني وتهربين، أليس كذلك؟’
كان من الطبيعي أن تشعر أغات بذلك. فلو خرجت كلوي وحدها وتركت أغات هنا، فإن أكثر الرهائن قيمةً سيختفي عمليًّا.
لكن كلوي لم تكن تفكّر في النجاة وحدها. قبل كل شيء، كان والدَاها لا يزالان هنا. من تظنّ نفسها؟
“هممم. هذا ليس ضمن خياراتي أصلًا.”
قالها بارثولوميو وهو يلتفت إليهما، ثم هزّ كتفيه.
“سأتولّى أمر التفاوض بنفسي.”
“…جلالةُ الملك سيفاوضك؟”
“من يدري؟ حين تكون الدوقة الكبرى نفسها في قبضتنا، فمن المرجّح أن يفعل.”
هل سيفعل؟ كانت كلوي شديدة الشكّ. فالملك، على الأرجح، إن سمع أنّها وقعت رهينةً بيد القراصنة، فلن يفاوض، بل سيصفّق فرحًا.
أليس كذلك؟ أكثرُ من سيسرّ بموت الدوقة الكبرى هو الملك نفسه.
ثم….
ما إن خطر ببالها كيرتيس حتى اسودّ وجهها. كان قد تحدّث معها قبل رحيلها عن احتمال الاختطاف.
لكنّه لم يكن ليتخيّل وضعًا كهذا. أليست كلوي قد دخلت فم الأسد بقدميها؟
لو علم بالأمر….
‘هل تضع رأسكِ على كتفيكِ للزينة؟’
ربما سيقول شيئًا كهذا. أو سيوبّخها قائلًا: ‘هل تفكّرين أصلًا؟’
أيّ دوقةٍ كبرى في هذا العالم تصبح رهينةً للقراصنة طوعًا؟
“يبدو أنّك لا تعرف أحوال إيفانيس جيدًا.”
كان هذا صوت أغات.
“جلالةُ الملك، على الأرجح، سيفرح إن سمع أنّ الدوقة… لا، إن سمع أنّ هذا الجسد رهينة. لن يرضى بأيّ تفاوض. ما يريده جلالته هو موتي.”
“آها.”
“إذًا أطلق سراحي!”
كانت أغات تتكلّم بهدوءٍ في البداية، لكن عينيها كانتا ممتلئتين باليأس وهي تصرخ طالبةً الإفراج.
يبدو أنّها صدّقت فعلًا أنّ كلوي ستتركها. لكن بارثولوميو لم يتحرّك قيد أنملة.
“أعلم أنّ العلاقة بين ملككم والدوق سيّئة. لكن ذلك لا يهمّني، أليس كذلك؟”
“..…”
“أو لم تفكّري بهذا الخيار؟”
ابتسم بارثولوميو ابتسامةً واسعة وهو ينظر إليهما.
“أن أقول للملك: سأقتل الدوقة الكبرى التي هي شوكةٌ في خاصرته، مقابل أن يعطيني ما أريد.”
تبادلت أغات وكلوي النظرات دون وعيّ. كانتا كلتاهما شاحبتين.
نظر بارثولوميو إليهما، وقد ارتسم على وجهه رضا واضح.
“تعجبني هذه التعابير.”
ثم قال: “هيا بنا، يا رفاق.” وهمّ بمغادرة المخزن ومعه القراصنة.
تأخّرت كلوي قليلًا، وصاحت: “انتظر—” محاولةً أن تقول شيئًا، لكن بارثولوميو لم يصغِ، واكتفى بالكلام:
“سيكون الأمر صعبًا وأنتم مقيّدون، لكن استريحوا جيدًا. من الغد سيكون متعبًا.”
متعبًا؟ ماذا تقصد؟ صاحت مجددًا: “انتظر! توقّف هناك!” لكن بلا جدوى.
أُغلق باب المخزن بعنف.
وقفت كلوي مذهولة.
***
في الوقت نفسه، في عاصمة إيفانيس، قلعة إيفانيس الملكيّة.
كان مشهد الغروب المتهادي يلوّن أروقة قصر وليّ العهد القريبة، وهناك كان يُعرض مشهدٌ غريب.
“فريدريك!”
“آه! لا تلحق بي، يا عمّي!”
كان دوق بيرك يلاحق وليّ عهد إيفانيس ركضًا.
بدأت هذه المطاردة منذ بعد الظهر. كان الدوق يعمل، ثم نهض فجأة كمن سُحر، وتوجّه بخطواتٍ سريعة إلى قصر وليّ العهد، وأخذ يلحّ عليه بأمرٍ ما دون توقّف.
“فريدريك! لا احتاح أحدًا سواك!”
“لا تقل كلامًا يُساء فهمه! لي زوجةٌ واحدٌ فقط، هي وليّة العهد!”
دعك من تباهي الزوجين بعلاقتهما. كان المشهد كفيلًا بإثارة فضول أيّ ناظر.
ذلك الدوق المتكبّر، الذي لم يطلب يومًا شيئًا من أحد، لماذا يلاحق وليّ العهد بهذا الإلحاح؟
ولماذا كان وليّ العهد يتجنّبه وكأنه ضاق ذرعًا به؟
كما كان المنظر ممتعًا لخادمات القصر.
“أرجوك، فريدريك.”
وسامة دوق بيرك وهو يلحّ، ووليّ العهد فريدريك المحاصر وهو يقول:
“هاه… كفّ عن هذا.”
كلّ ذلك كان يثير شتّى التأويلات.
لكن.
“ما هذا؟ ألا ترين أننا نتحدّث الآن؟”
…بسبب طبع دوق بيرك الحادّ، الذي طرد الخادمات من المكان، انتهت المتعة سريعًا.
تنفّس فريدريك بعمق. كان الممرّ ضيّقًا داخل القصر، مناسبًا تمامًا للتنصّت، فظنّ أنّ خروجه إلى خارج قصر وليّ العهد سيجعل الدوق يكفّ عنه.
لكنّه كان مخطئًا.
بدا أن الدوق عازمٌ اليوم على الوصول إلى النهاية.
في النهاية، أمسك فريدريك بدوق بيرك، الذي كان يزمجر في وجه الخادمات، وأعاده إلى قصر وليّ العهد. ثم أمر بألّا يُسمح لأحد بالدخول، وجلس قبالته.
“يا عمّي.”
رفع الدوق، الذي كان نادرًا ما يبدو مضطربًا، رأسه عند النداء. أقسم فريدريك أنّه لم يرَه على هذه الحال من قبل.
جالسًا على الأريكة، لا يهدأ له ساق، يشبك أصابعه ثم يقبض على يديه. عيناه شاردتان، تنهّداته كثيرة. عيناه البنفسجيّتان ترتجفان بلا توقّف، وشَعره أشعث.
مشهدٌ لا يُرى عادةً على الدوق الأنيق المرتّب.
وكان سبب هذا الاضطراب هو الدوقة الكبرى.
‘…اللعنة.’
تنفّس فريدريك بعمق وتابع:
“أعرتُكَ إمبيريوم ثمينًا، فتفعل بي هذا؟”
جاءه ردّ متبرّم:
“وماذا فعلتُ؟”
“قلتَ إنك لن تزعجني، ثم ها أنت تُزعجني إلى أقصى حدّ!”
وكانت خلاصةُ الأمر كالتالي.
غادرت الدوقة الكبرى في رحلةٍ خارجيّة قبل شهرين. قالت إنها ستذهب لزيارة والديها في الخارج. جاء الدوق، بوقاحةٍ تامّة، إلى وليّ العهد وطلب منه:
-‘أعِرني الإمبيريوم خاصتك.’
قفز وليّ العهد من مكانه.
فالإمبيريوم من أندر الأحجار السحريّة، لا يُصنع إلا من أحجارٍ ذات نقاءٍ عالٍ ومن الجذر نفسه. كان كنزًا حتى في إيفانيس الغنيّة، ولا يُمنح إلا للدبلوماسيّين، والملك، ووليّ العهد. وإعارته للغير مخالفةٌ للأصول.
-‘هذا من باب الأصول فقط. إن أعرتني إيّاه فلن تُعزل من ولاية العهد، أليس كذلك؟’
كاد فريدريك يختنق. ولمّا سأله لماذا تحتاجه الدوقة الكبرى في رحلةٍ ترفيهيّة، جاءه الجواب:
-‘قد أشتاق إليها؟’
…هكذا قال.
في ذلك الوقت، سخر فريدريك في نفسه. بدا له أنّ الدوق يخفي أمرًا ما ولا يجد عذرًا مناسبًا.
ما زال يتذكّر كيف قال له: ‘لا أعرف ما الذي تنويه، لكن إيّاك أن تُحدث مشكلة.’ ثم سلّمه صندوقًا فيه زوجٌ من الإمبيريوم.
…لكن.
-‘فريدريك. أظنّ أنّ شيئًا ما قد حدث للدوقة الكبرى.’
جاءه الدوق قبل قليل بوجهٍ متوتّر إلى أقصى حدّ.
نظر فريدريك إليه بعينين ضيّقتين.
لا يمكن أن يكون هذا من قبيل: ظنٌّ بسيط أدّى إلى كارثة؟
التعليقات لهذا الفصل " 140"