ما الذي يمكن أن يكون لدى كلوي لي دايفيد بيرك من شأنٍ في مستودعٍ بقريةٍ ساحلية، وهي التي خرجت لملاقاة والديها؟ لا شيء، سوى أنّها تعرّضت للاختطاف والاحتجاز.
مربوطةً بالحبال في مكانٍ لا صلة لها به، وفمها مُكمّم، أطلقت كلوي صرخةً مكتومة: كرااااخ!
“أُمممم!”
لكن بلا جدوى. لم يكن هناك من ينقذها.
غير أنّ هناك من يشاركها المصير.
“هعاااه! آه! آه آه!”
شخصٌ آخر، مُكمّم الفم كذلك، يصرخ بنبرةٍ أعلى قليلًا من كلوي. كانت آغاث.
قريةٌ ساحلية نائية. لماذا اختُطفت كلوي التي خرجت للبحث عن والديها؟ ولماذا كانت مع آغاث مونفيس تحديدًا؟ تسلسل الأحداث كان على النحو التالي.
أولًا، عادت كلوي إلى البحرية. وبالدقّة، كانت تابعةً للحرس الملكي البري، ومُرسلة إلى البحرية للتعاون الوظيفي.
والسبب بسيط. أكثر من نصف ضباط البحرية كانوا من الموالين للملك.
-‘لا يمكن معرفة أيّ نوع من العراقيل قد يضعها جلالة الملك.’
وعلى أيّ حال، ورغم أنّها كانت في مهمة إيفاد، فقد مُنحت منصبًا مؤقّتًا. تابعة للحرس الملكي البري، برتبة معاملة نقيب في الفرقة الأولى من وحدة إيفانيس التابعة لبحرية إيفانيس.
وباختصار، يمكن فهم الأمر على أنّها نالت صلاحيات نقيب في بحرية إيفانيس.
على أيّ حال، وبينما كانت كلوي، التي قفزت فجأةً من رتبة ضابط صف إلى معاملة نقيب، على وشك أن تنعم بشيءٍ من الحرية، وضع كيرتيس شان بيرك أمامها عائقًا غير متوقّع.
-‘آسف، لكن لا يمكنكِ الذهاب وحدكِ.’
-‘ماذا؟’
-‘يبدو أنّكِ نسيتِ موقعكِ الحالي. أفضّل أن تكوني واعيّةً به.’
-‘أيّ موقع؟’
-‘ألا تعلمين؟ إذا مات أخي وابن أخي فجأةً معًا، يمكنكِ أن تصبحي ملكة، أممم—.’
وهي تسدّ فم زوجها على الورق بيدها، أدركت كلوي متأخّرةً كم كانت تتحدّث في السابق بلا خوف.
على أيّ حال، وبحسب التخمين، كان مكان زوجي أمبرويز في ساحل الدولة المجاورة زيلتفيغ. دولةٌ تتشارك حدودًا ملتبسة مع كلٍّ من إيفانيس وغلينترلاند.
وأصرّ كيرتيس على أنّ كلوي لا يمكنها عبور الحدود وحدها تحت أيّ ظرف. كان ذلك سخيفًا. هل يُفترض بها أن تعلّق حرسًا كالعناقيد وتعلن: ‘أنا الدوقة الكبرى’ وهي تعبر الحدود؟
وبعد نقاشٍ محتدم، اتّفق الاثنان على أن ترافق كلوي حراسةٌ محدودة للغاية.
فكلوي أيضًا كانت تعلم أنّ الذهاب وحدها تمامًا ليس خيارًا. على أقلّ تقدير، لا بدّ من وجود شخصٍ واحد يتحرّك معها في حال وقوع خطر.
المشكلة أنّ عدد الأشخاص الذين يمكن الاستعانة بهم كان ضئيلًا جدًّا. فكما هو معلوم، قد يُعدّ هذا الأمر خيانةً بحقّ الملك.
أوّل من خطر ببالها كان نويل، لكن نويل كان من المقرّبين إلى كيرتيس شان بيرك، ووجهه معروف أكثر من اللازم.
وفي نهاية المطاف، وبعد تضييق الخيارات مرارًا، اختارت كلوي آغات لتكون حارستها.
-‘لِمَ ليس شقيقكِ الذي يدرس في الأكاديمية العسكرية؟
أليس من المتفوّقين؟’
ظنّت كلوي أنّ زوجها قد جُنّ. ماذا سيفعل بطالبٍ في الأكاديمية؟
طبعًا، كان لدى كيرتيس بعض العذر. لم يتبقَّ على تخرّج إريك سوى ثلاثة أشهر.
لكن بالنسبة لكلوي، ظلّ إريك أخًا يجب حمايته. لذلك هاجمت نقطة ضعف كيرتيس.
-‘في النهاية، كلّ هذا لأنّ سعادتك بلا أصدقاء!’
ولسوء حظّه، لم يكن لدى كيرتيس ما يردّ به. ثم شرعت كلوي، بمنطقٍ شديد الإقناع، في شرح سبب وجوب أن تتولّى آغات حمايتها.
-‘هي تعرف أمر عقدنا، ومع ذلك لديها سببٌ شخصي يمنعها من إفشائه.’
-‘وأيّ سبب؟ لا تقُلّي إنّه….’
سأل كيرتيس، ثم شهق لا إراديًّا. كان يستطيع تخمين ما تقصده بـ’السبب الشخصي’.
-‘أنتِ فعلًا شخصٌ سيّئ، أليس كذلك؟’
-‘معذرةً، لكن هذا ليس كلامًا يجب أسمعه من سعادتك.’
بمعنى آخر، هدف رحلة كلوي الخارجية هذه هو منع الملك من التدخّل في شؤون كيرتيس بعد الآن.
وإذا تحقّق الهدف، فمن الناحية النظرية، لا مشكلة حتّى لو طلّق كيرتيس زوجته.
وآغات تحبّ كيرتيس. لا أحد سيفرح بطلاقهما أكثر منها.
إنّه اختيارٌ ممتاز من هذه الزاوية. ومع ذلك، ظلّ كيرتيس معارضًا.
-‘لماذا؟’
-‘إنّها موظّفةٌ إدارية.’
وكان هذا صحيحًا.
آغات خضعت للتدريب الأساسي للحرس الملكي، لكن من الصعب اعتبارها حارسةً متمرّسة.
غير أنّ كلوي لم تكن تنوي استخدام آغات كحارسةٍ فعلية أصلًا.
-‘كحمامة بريدٍ، مثلًا.’
أي أنّها ستستخدمها كمرسولةٍ عند الحاجة. تظاهر كيرتيس بالذهول مجدّدًا.
لكنّه ضحك قليلًا. فرفعت كلوي كتفيها.
-‘قلتَ إنّي شخصٌ سيّئ، لكنّي لم أنسَ بعد ما تفوّهت به مونفيس آنذاك تجاهي.’
صحيح أنّ سنّ آغات الصغير كان سببًا للتسامح معها. وصحيح أنّ دفاعها عنها أمام الملك كان أمرًا يُحسب لها.
لكن آغات لم تفعل ذلك لأنّها تحبّ كلوي أو تشعر بالذنب. بل لأنّها متهوّرةً بطبعها.
وهذا وحده لا يكفي. لذلك قرّرت كلوي أن تستغلّ آغات مونفيس في هذه الفرصة.
-‘وعلى أيّ حال، نادِرًا ما يوجد في الحرس الملكي من يستطيع هزيمتي، رمايةً أو قتالًا قريبًا.’
وكان هذا صحيحًا أيضًا. ثم رفعت كلوي كتفيها مجدّدًا.
-‘وإن لم تعجبك آغات مونفيس، فهناك رجلٌ آخر بنفس الشروط تمامًا.’
قالت ذلك وهي تعلم أنّ كيرتيس لن يقبل أبدًا. ‘رجل بنفس الشروط تمامًا’، وهو إيزرا دوبوا.
لكن، على غير المتوقّع، أجاب كيرتيس:
-‘خذي معكِ أيضًا الضابط إيزرا دوبوا.’
-‘…سعادتك، أتحبّني إلى هذا الحدّ؟’
سألت كلوي بذهول. فماذا قال كيرتيس شان بيرك؟
-‘إن كان يُحبّكِ بقدر ما أحبّكِ، فسيراهن بحياته لحمايتكِ.’
-‘لن أنخدع، أيّها الشيطان! اخرج فورًا من جسد دوق بيرك!’
-‘……’
على أيّ حال، توجّهت كلوي إلى زيلتفيغ، حيث يقيم زوجا أمبرويز.
رحلة للاستفادة، للمرّة الأولى في حياتها، من والديها اللذين لم يكونا يومًا عونًا يُذكر. هكذا أطلقت كلوي على تلك الرحلة.
أوّل ما قصدته كان عنوان صندوق البريد الخاصّ بزوجي أمبرويز. مدينة ساحلية في زيلتفيغ.
وبمجرّد وصولها، بدأت بالتحرّي عن مكانهما.
كانت مدينةً صغيرة، ولم يكن العثور على زوجين أجنبيين من الباحثين أمرًا صعبًا.
كانا يقيمان منذ عامين في الطابق الثالث من بيت مبيتٍ واحد. بسبب أبحاثٍ تتعلّق بالتيّارات البحرية.
المشكلة أنّ زوجي أمبرويز لم يكونا في المنزل.
“زوجا أمبرويز؟ أليسا هنا؟”
سأل صاحب البيت بدهشة. قال إنّ الزوجين، حين ينغمسون في البحث، قد لا يخرجان من الطابق الثالث لثلاثة أو أربعة أيّام متتالية. لذلك، حتّى إن لم يرهما لعدّة أيّام، لم يكن يشكّ في الأمر.
“ألا تعرف منذ متى لم تروهما؟”
“لا أدري… آخر مرّة قدّمتُ لهما الطعام أمام الغرفة كانت منذ أكثر من شهرين….”
“ماذا؟ أتركتم النزلاء جياعًا؟”
احتجّت آغات بسرعة، فراح صاحب البيت يبرّر بإحراج:
“لا، ليس الأمر كذلك….”
قال إنّ امتناعهما عن الأكل والبقاء منغلقين كان أمرًا معتادًا. وأنّ بقاء الطعام أمام الغرفة دون أن يُمسّ لم يكن مستغربًا.
استأذنت كلوي صاحب البيت وفتحت باب الطابق الثالث. وبالطبع، لم يكن هناك أحد.
وفي الداخل، كانت الملاحظة التي كتبها صاحب البيت
<إن أردتما الطعام، انزلا وأخبِراني> ملقاةً على الأرض وحيدة.
“هذا مُرهِق.”
“ماذا؟ أليس هذا اختفاءً؟ يجب الإبلاغ فورًا!”
وعند سؤال آغات، حكّت كلوي مؤخرة عنقها وأجابت:
“المشكلة أنّه إذا أخذنا نمط تصرّفات والديّ بعين الاعتبار، فلا أستطيع الجزم إن كان هذا اختفاءً، أم مجرّد رحلة بحثٍ طويلة، أو ربّما هما يدخلان ويخرجان أصلًا وتجاهلا هذه الورقة فقط.”
بدت آغات مذهولةً من هذا الكلام. لكنّه كان صحيحًا.
كان زوجا أمبرويز سيّئين للغاية في الترتيب والتنظيف. ملاحظة يضعها صاحب البيت؟ يُعدّ اكتشافها إنجازًا بحدّ ذاته. وحتّى إن اكتشفاها، فكثيرًا ما يتركانها كما هي.
كما أنّ مغادرتهما المفاجئة دون إخبار أحد، ثم عودتهما لاحقًا، لم تكن أمرًا نادرًا.
بعد تفكير، قرّرت كلوي الانتظار بضعة أيّام.
لكن بعد الانتظار، تبيّن أنّ الأمر مختلف عن أنماطهما السابقة. لم يعودا إلى المنزل.
‘ماذا أفعل؟’
هل هو اختفاء، أم رحلة بحث؟ وبينما كانت كلوي حائرة، ظهر أمامها خيط.
“الزوجان الأجنبيّان؟ أظنّ أنّني أعرفهما.”
قال ذلك رجلٌ غريب اقترب منهما. وبالمناسبة، كان وسيمًا على نحوٍ لافت.
التعليقات لهذا الفصل " 135"