كما هو معلوم، كيرتيس شان بيرك لا يستطيع ركوب السفن.
وذلك بسبب دوار البحر الشديد الذي يعاني منه.
وبالتمعّن، فإنّ هذا الأمر يشكّل جزءًا كبيرًا من الأسباب التي تمنعه من التجنّس في غلينترلاند.
لكن إن أرادوا العثور على مقرّ بارثولوميو، فلا بدّ من ركوب السفن.
قد يظنّ من لا يعرف، أنّ ساحل برادو في نهاية المطاف يقع ضمن أراضي مملكة إيفانيس، فلماذا لا يتمّ الوصول إليه برًّا؟
غير أنّ أيّ شخصٍ من إيفانيس يعلم أنّ ساحل برادو مكان يصعب الوصول إليه حتى من الداخل.
فمهما كان مكانًا مقدّسًا، لو كان ساحل برادو سهل الاستصلاح، ومناسبًا لبناء الموانئ، لكان قد شُيّد فيه ميناء منذ زمن بعيد.
إيفانيس لا تملك بحرًا سوى ساحل برادو. ولأجل التجارة البحرية، لم يكن عدد من حاولوا استصلاح تلك المنطقة قليلًا.
لكن السبب في الفشل كان واضحًا. فالصخور البارزة هناك كثيرة، ما يجعل الوصول إليها من الداخل صعبًا. وإذا ما قيس حجم كلّ واحدة منها، فهي تكاد تعادل جبلًا صغيرًا.
وفوق ذلك، فعند النظر إلى الخريطة، نجد أنّ تلك الصخور تحيط بالخليج بإحكامٍ شديد.
“ليس غريبًا إذًا أن تنتشر حكاية أنّ تنينًا يرقد هناك.”
“صحيح. يقول الناس إنّ هذه التضاريس صُنعت لحماية التنين.”
وهذا يعني أنّه حتى لو كان ما يستقرّ في الداخل ليس تنينًا، فلن يكون ذلك أمرًا مستغربًا.
أسندت كلوي ذقنها إلى ظهر يدها، ونظرت إلى كيرتيس. وعند رؤية نظرتها المتفحّصة، عقد كيرتيس حاجبيه قليلًا.
“دوار البحر أمر لا حيلة لي فيه. ليس قرارًا اتّخذته.”
“أنا لم أقل شيئًا.”
“أليست هذه نظرة لوم صريحة؟”
“ما زلتُ لم أقل شيئًا.”
قالت ذلك، ثم أخرجت لسانها بوقاحة.
لكن استفزازها لم يدم طويلًا. تذكّرت كلوي بعض أصدقائها في البحرية الذين كانوا يعانون من دوار البحر.
“ليست هناك طرق معدومة لتحسين دوار البحر… هل جرّبت شيئًا من قبل؟”
“حين كنت صغيرًا، أرسلني أخي وحدي على متن قارب، وأطلقني في البحيرة أمام هذا القصر. هو غالبًا لا يذكر ذلك أصلًا.”
“…يا له من شخصٍ سيّئ الطباع على نحوٍ متنوّع…”
“لم أكن خاليًا من دوار البحر أصلًا من حيث البنية،
لكن إن جُرّبتَ أن تُترك وحيدًا في وسط بحيرة، بلا مجاديف، لأكثر من نصف يوم، فمن الصعب أن تحبّ السفن بعدها.”
في الواقع، لم يكن الملك وحده من ترك ندوبًا في نفسيّته. لكن كيرتيس لم يُضِف شيئًا، واكتفى بابتسامةٍ عميقة.
لم يكن هناك داعٍ لأن يسرد تلك الأمور أمامها واحدًا تلو الآخر. ولم يكن يريد ذلك أصلًا.
فقد كشف بالفعل الكثير من نقاط ضعفه أمام كلوي لي دافيد بيرك.
‘لن يتغيّر شيء إن قلتُ المزيد، ولكن…’
المثير للدهشة أنّ هذا الشعور كان أقرب إلى رغبة في التظاهر بأنّه رجلٌ قوي أمام المرأة التي يحبّها، أكثر من كونه قلقًا نابعًا من كونه هدفًا لمحاولة اغتيال. كما أنّ نفوره من الشفقة التي قد تعود إليه منها لعب دورًا في ذلك.
“لديّ شيء أودّ سؤالك عنه.”
“تفضّلي.”
“إذًا… هل دوار البحر لديك سببه جلالة الملك أيضًا؟”
كان بإمكانه أن يومئ برأسه. لكن كيرتيس، للأسباب نفسها، لم يفعل.
“لا. دوار البحر كان في الأصل مسألة بنية.”
“آه، حسنًا.”
“لكن أخي زاد الأمر سوءًا.”
ومع ذلك، لم يكن كيرتيس نفسه واعيًا تمامًا بالأمر،
ولهذا كان يتساءل أحيانًا عن السبب.
المؤسف أنّ وضعه لا يسمح له بأن يمنح نفسه رفاهية التفكير في هذه الأسباب.
غيّر كيرتيس الموضوع سريعًا.
“بالنسبة للآنسة آيريس. هل أنتِ متأكّدة؟”
“…ربما. لستُ متيقّنة.”
قالت كلوي ذلك بصوتٍ خافت، وهي تعبث بأصابعها.
أسباب تغيّر موقف إيزابيلا لا غلينترلاند كانت متعدّدة.
لكن النصيب الأكبر منها، على ما يبدو، كان لآيريس. ظنّت كلوي في البداية أنّ الأمر متعلّق بطفلها، لكن لم يكن كذلك.
-‘لأنّ لون بشرتها يُشبه لون بشرة زوجي…’
بالطبع، لم يكن تشابه لون البشرة وحده سببًا كافيًا لتغيّر موقفها.
“لو كان المرء يستطيع أن يحبّ شخصًا لمجرّد تشابه لون البشرة، لَكان سموّك قد لُقّب بالإنسانيّ في إيفانيس.”
“أشعر أنّكِ تشتمينني الآن.”
“مبروك، الإجابة صحيحة. ولا توجد جائزة.”
“…..”
تركت كلوي كيرتيس بوجهٍ متجهّم، وغاصت في أفكارها.
-‘في البداية كنتُ سعيدة فقط. لكن أثناء إزاحتي لشعر الآنسة آيريس، رأيتُ خلف أذنها من غير قصد.’
خلف الأذن اليسرى لآيريس، توجد بقعة كبيرة. بقعة باهتة، قد تبدو كهلال، أو كفطر. لكن إيزابيلا أكّدت أنّها ليست بقعة.
-‘لدى آينديفلا وشمٌ مشابه. إنّه وشم يرمز إلى رابطة خاصّة بتلك المنطقة.’
-‘.…’
-‘يبدو أنّكِ لم تكوني تعلمين.’
لا.
في الحقيقة، كانت كلوي تعرف منذ زمن بعيد أنّ ما خلف أذن آيريس ليس مجرّد بقعة. منذ أن أحضرها والداها أصلًا.
لكن كلوي تعمّدت الصمت أمام إيزابيلا. واصلت إيزابيلا كلامها بوجهٍ شاحب.
-‘قيل إنّ الآنسة آيريس في العاشرة من عمرها. لذلك ظننتُ أنّ بينها، وبين آينديفلا، والدوقة الكبرى، تجارب شخصيّة متشابهة.’
بكلمة واحدة، اعتقدت أنّ آيريس أيضًا ضحيّة من ضحايا بارثولوميو.
ولهذا، ربّما خمّنت أنّ لدى الدوقة الكبرى دافعًا للرغبة في الانتقام من بارثولوميو، فغيّرت موقفها لتتوسّل إلى كلوي.
لكن كيرتيس قطع كلام إيزابيلا فورًا.
-‘آسف، لكن ألم تسمعي بنفسكِ سبب نفي الكونتيسة لورا لو غوتيا؟ الآنسة آيريس هي الأخت الشقيقة لزوجتي.’
-‘لكن…!’
-‘سيكون مزعجًا إن جرى تداول مثل هذه الأحاديث في الخارج بلا تفكير.’
كان كيرتيس جنديًا، ويعلم جيّدًا أنّ أخطر ما يكون هو رفقة قائمة على تعاطفٍ ساذج.
لذا، وبالنيابة عن كلوي المتردّدة، قال لإيزابيلا بحزم:
-‘إن كان تعاوننا سيقوم على المصالح المتبادلة فلا بأس،
لكنّي لا أرغب بأن تُحوَّل الشائعات إلى حقائق، ولا بأن يُطلب من الدوقة الكبرى تعاطفٌ مبنيّ على ذلك.’
-‘…المصالح؟’
عندها، هدأ بريق عيني إيزابيلا.
-‘فهمت.’
لم يكن بالإمكان إطالة اللقاء السرّي. فخارج الغرفة، كان خادم الملك قد شعر بشيءٍ مريب وبدأ يطرق الباب.
خرج الثلاثة مرفوعي الرؤوس، وتبادلوا أحاديث فارغة كأنّ شيئًا لم يكن، ثم افترقوا. وهكذا وصلوا إلى هذه اللحظة.
فرك كيرتيس ذقنه بوجهٍ غير مرتاح.
“قولي كلّ ما تعرفينه.”
“آيريس على الأرجح من نفس المنطقة التي ينحدر منها السيّد بلاكوود.”
“الدليل؟”
“والداي.”
أحضر والدا كلوي آيريس قبل ثماني سنوات.
وبتعبيرٍ أدقّ، لا بدّ من الحديث قليلًا عن والدي كلوي.
كان والدها يدرس التيّارات البحرية، وأمّها تدرس الطبقات الجيولوجية للسواحل.
كلاهما باحثان في شؤون البحر، ولهذا لم يمكثا طويلًا في إيفانيس. وليس من المبالغة القول إنّهما قضيا معظم حياتهما في الخارج.
“مع ذلك، نجحا في إنجاب الأطفال وتربيتهم.”
“إن صحّ التعبير… أنجبا فقط.”
تلونت عينا كيرتيس بالدهشة. هزّت كلوي كتفيها.
“حتى بلغتُ السابعة، كنتُ أتجوّل معهما في الخارج. إلى أن وُلدت ليا.”
كان إيريك أصغر من كلوي بخمس سنوات. ومع طفلين فقط، كان بإمكان والديهما التنقّل للدراسة، يحملان أحدهما، ويتركان الآخر يمشي.
لكن بعد ولادة ليا، لم يعد ذلك ممكنًا.
“وبالمصادفة، كنتُ قد بلغت سنّ المدرسة، فأُوكلت رعايتنا نحن الثلاثة إلى جدّتنا من جهة الأم.”
كانت جدّة كلوي تسكن في العاصمة، وهكذا انتقلت كلوي طبيعيًا إلى إيفانيس.
لكن بيت الجدّة كان صغيرًا. ولكي يتمكّن الأب من ترك الأطفال عندها، اشترى المنزل الحالي بضمان معاشه التقاعدي. ونشأ الأطفال جميعًا هناك، حتى بعد وفاة الجدّة.
“عندما بلغتُ الثامنة عشرة، جاء والدَيّ وهما يحملان آيريس. قالا إنّ حريقًا كبيرًا اندلع في قرية بالمنطقة التي كانا يدرسانها، وأنهما أنقذا طفلة، لكنهما لم يعثرا على والديها، فانتهى بهما الأمر إلى رعايتها لسنوات.”
قيل إنّ آيريس في العاشرة من عمرها، لكن لا يُعرف إن كانت أكبر أو أصغر من ذلك قليلًا. على الأرجح، الفارق ليس كبيرًا.
على أيّ حال، قرّر الاثنان تبنّيها.
عند هذا الحدّ، فتح كيرتيس فمه بتعبيرٍ معقّد.
“أعتذر عن هذا الكلام، كلوي.”
كانت تعرف ما سيقوله. ابتسمت بخفّةٍ وسبقته.
“أنا أيضًا أظنّ دائمًا أنّ والديّ فيهما شيءٌ من النقص.”
“…لم أكن أنوي قول ذلك إلى هذا الحد.”
“لكنّك كنتَ تقصد شيئًا قريبًا من هذا، أليس كذلك؟”
هزّت كلوي كتفيها.
طبعها المتعاطف، في الحقيقة، ورثته عن والديها. ولهذا لم تكن ترغب في لومهما كثيرًا.
لكن، لو فكّرا قليلًا بثلاثة أطفال على الأقل.
ومع ذلك، لو كانا من هذا النوع من الناس، لما عملا أصلًا في أبحاثٍ بحرية داخل إيفانيس.
بل لعلّهما لم يكونا ليلتقيا وينجبا كلوي من الأساس.
ولهذا التحقت كلوي بالبحرية في الثامنة عشرة. كان على إخوتها مصاريفٌ لا حصر لها، ولم يكن لديها طموحٌ كبير في الدراسة.
لكن هذا، بالطبع، ليس المهمّ الآن.
“ومن أين أحضروا الآنسة آيريس؟ ألم يكن من الأفضل إيداعها عند أناس من منطقتها؟”
“المشكلة أنّه لم يبقَ أحدٌ هناك.”
“وأين تلك المنطقة؟”
“كيرشهير.”
تأوّه كيرتيس. كانت كلوي تعرف جيّدًا سبب ذلك، فلم تسأله.
التعليقات لهذا الفصل " 123"