الفصل 115 :
“هل أنتَ بخير؟”
سألتْ خادمةٌ بدتْ عليها الدهشة قليلًا وهي تتوجّه نحوه.
أن يخرج الدوق الأكبر من غرفةِ الدوقة ثم ينهال ضربًا على جدار الممرّ مباشرةً… لا بدّ أن يُربك أيّ خادمٍ مهما بلغتْ خبرتُه.
وبما أنّها بدتْ غيرَ مألوفة، فلا بدّ أنّها إحدى الخادمات اللواتي أُرسلن من قبل وليّةِ العهد.
أدارَ كيرتيس رأسَه ولوّحَ بيده فقط.
كان ذلك يعني: انصرفي.
راقبت الخادمةُ الموقفَ بحذر، ثم انحنتْ بأدبٍ واختفت.
بقيَ الرجلُ واقفًا في الممرّ، يأخذُ أنفاسًا عميقةً لوقتٍ طويل، ثم رفعَ رأسَه وحدّق في السقف.
تنفّسَ بتنهيدةٍ خرجتْ من تلقاءِ نفسها.
-‘أنا ضابطةٌ مساعدة جذّابةٌ جدًّا، أليس كذلك؟’
لم تكن كلوي لتعلمَ ما الذي كان كيرتيس على وشكِ ارتكابِه حين قالَتْ ذلك بتباهٍ.
“اللعنة.”
تمتمَ كيرتيس بهدوء، ثم أدركَ أنّ الخدمَ الذين يمرّون في الممرّ يراقبونه، فبدأَ يسيرُ ببطء.
كان طرفُ أذنِه لا يزالُ محمرًّا.
“…أتفعلُ ذلك عن قصد؟”
حاول فرك وجهه الجافّ بيدَيه، لكنّ ذلك لم يُجدِ نفعًا يُذكر.
أخذَ نفسًا عميقًا مرّةً أخرى.
منذ أيّام، بدأَ كيرتيس شان بيرك يشعرُ بأعراضٍ غريبة.
كان نفسُه يضيقُ باستمرار، وترتفعُ حرارتُه، وتنقلبُ معدتُه عدّةَ مرّاتٍ في اليوم، ثم تهدأ، ثم تعود.
فكّرَ للحظةٍ في استدعاءِ طبيب، لكنّه تراجع.
فما إن يعلمَ الملكُ بأنّه استدعى طبيبًا، حتّى يكونَ ذلك أكثرَ ما يُسعده.
ثمّ إنّ الرجل كان يعلمُ جيّدًا أنّه ليس مريضًا.
‘…ليتني كنتُ مريضًا فعلًا.’
شدّ كيرتيس على أسنانِه.
صحيحٌ أنّ الأمر بدأَ منذ أيّام، لكنّه كان يعرفُ تمامًا منذ متى بدأ.
منذ ذلك الصباح.
منذ اليومِ الذي قضى فيه الليلَ مع الدوقةِ الكبرى… تلك التي اضطُرّت للنومِ في المكتب بسببِ التحقيق.
‘لا، لا، لم نقضِ الليل معًا.’
كادَ كيرتيس أن يقفزَ من مكانِه، ثم هزّ رأسَه بقوّة.
‘أيّ قضاءِ ليلٍ هذا؟ لو سمعَ أحدٌ بذلك لكانت مصيبة.’
لم يخطر ببالِه، ولو للحظة، أنّ لا أحدَ يمكنُه سماعُ أفكارِه.
كيرتيس، الذي اعتادَ النومَ الخفيف في ساحاتِ القتال، بل وحتّى في قصرِ الدوق بعد الهدنة، لم يكن ليتخيّل أن يحدثَ له شيءٌ كهذا.
-‘لا، لماذا يضعُ سموّك رأسَه على صدري…؟’
ما إن تذكّرَ صورةَ كلوي وهي تشدّ نفسَها بقوّةٍ بين ذراعَيها، حتى ارتطمَ رأسُه بالجدار مرّةً أخرى.
كلوي في ذلك الصباح، بعينيها المتّسعتين كأرنبٍ مذعور، وخدّيها محمرّين وهي تنظرُ إليه.
وكلوي المُتباهية.
على أيّ حال، فإنّ تلك الضابطة المساعدة اللعينة كانت تسيطرُ بالكامل على عقلِ كيرتيس شان بيرك هذه الأيّام.
‘هل يُعقَل أنّني… أُثارُ تجاه مساعدتي؟’
بحذر، وضعَ يده اليمنى على صدرِه الأيسر.
كان قلبُه يخفقُ بجنون.
لم تهدأ حرارةُ وجهِه ولا صدرِه.
لم يكن يشعرُ بهذا حتّى حين تعرّض لهجومٍ مباغتٍ من العدوّ.
شعرَ كيرتيس بإذلالٍ مفاجئ.
‘أنا… تجاهكِ؟’
كان رأسُه وصدرُه هذه الأيّام أشبهَ، مجازًا، بمشهدِ افتتاحٍ ليليٍّ لمتنزّهِ ألعابٍ جديدٍ عند أطرافِ العاصمة.
صاخب، مزدحم، تختلطُ فيه كلّ الأشياء، وضجيجُه لا يُحتمل.
لهذا السبب، أعلنَ كيرتيس انتهاءَ التحقيق أبكرَ بكثيرٍ ممّا كان يخطّط له أصلًا.
فلو عادَ ليُحبَسَ مع كلوي في المكتب مرّةً أخرى وهو على هذه الحال، فلن يعرفَ كيف سيتصرّف.
طبعًا، تجاهلَ تمامًا حقيقةَ أنّ أحدًا لم يُجبره يومًا على البقاءِ محبوسًا في المكتب.
طلبَ على عجلٍ من فريدريك خادمةً من منزل عائلة بياتريس، وفي الوقتِ نفسه وضعَ خطّةً لمعالجةِ الأمور التي كان قد حقّق فيها سرًّا.
وبالأخصّ، لم يكن ينوي تركَ لورا لو غوتيا وشأنَها، فقرّرَ التخلّصَ من أمرِها بأسرعِ ما يمكن.
ومع انشغالِه الدائم، استمرّ الجوُّ المتوتّر بينه وبين كلوي على حالِه.
لم يكن بينهما سوى التذمّر المتبادل.
وحين سألَ جوليا على استحياءٍ عن حالِ كلوي في غرفتها، جاءه الجواب:
-‘ماذا؟ كيف حالُ الدوقة ليلًا؟ لا شيء مميّز… آه، فقط أحيانًا يكون غطاءُ الوسادة مبتلًّا…’
-‘هل تبكي؟’
-‘لا، ليس كذلك…’
وحين رأته يُلحّ بالسؤال، ارتبكتْ جوليا، ثم ضحكتْ وكأنّها فهمتْ الأمر.
-‘يبدو أنّك قلقٌ عليها! يا إلهي. إنّها تنامُ بعمقٍ حتّى يسيلَ لعابُها.’
شعرَ بالضيق.
هو يقضي لياليه أرقًا، وهي تنامُ بطمأنينةٍ حتّى يسيلَ لعابُها؟
-‘ما رأيكِ أن نعدّلَ عقدَنا قليلًا؟’
ثمّ تتحدّث عن تعديلِ العقد!
كان الأمرُ مثيرًا للسخرية.
إلى درجةٍ جعلته يفكّر: لماذا لا يُعدّله إلى عقدٍ مدى الحياة ويُبقِيها مربوطةً بالقصر بوجهٍ عابسٍ إلى الأبد؟
وسطَ هذه الأيّامِ المربِكة أصلًا، كانت المشاكلُ تتفجّرُ تباعًا.
مثلَ ذلك الوغد إيزرا دوبوا.
كان نويل يضربُ صدرَه ندمًا، قائلًا إنّ توزيعَ نسخةٍ محفوظةٍ من العقد على كلوي كان خطأً فادحًا.
أما هو، فكان يكادُ يموتُ غيظًا من تظاهره بالهدوء.
ظنّ للحظةٍ أنّ إيزرا دوبوا، بعد أن علمَ بالحقيقة، قد اندفعَ ليسألَها عمّا جرى، لكنّ مظهرَها لم يكن يوحي بذلك أبدًا.
حتّى اليوم، كانت تمشي بثباتٍ نحو ساحةِ تدريبِ الحرس.
كلوي التي يعرفُها كيرتيس كانت جريئة، لكنّها لم تكن بارعةً في التظاهرِ بالهدوء.
لا بدّ أنّ الأمرَ كان واضحًا عليها كجروٍ يحتاجُ لقضاءِ حاجته.
وهو يفكّرُ بذلك، عادتْ إلى ذهنِه صورةُ كلوي وهي تتباهى أمامه بمهارتِها في الرماية.
-‘أنا ضابطةٌ مساعدة جذّابةٌ جدًّا، أليس كذلك؟’
اجتاحتْ صدرَه موجةٌ غامضة.
غضبَ دون سبب، وانزعج، فقرصَ خدَّها بلا وعيّ… وكان ذلك خطأه الأكبر.
فملمسُ خدِّها الناعم ظلّ عالقًا في أطرافِ أصابعِه.
كانت كلوي، في ذلك اليوم، قد وضعتْ مساحيقَ تجميلٍ أنيقةً لحضورِ حفلةِ شاي وليّةِ العهد، ولم تكن قد اغتسلتْ بعد.
ومن الطبيعيّ أنّ أطرافَ أصابعه التي قرصتْ خدَّها بقيَ عليها أثرُ مسحوقٍ خفيف، مع لِزوجةٍ خاصّة بمستحضراتِ التجميل.
في العادة، كان سيشعرُ بالاشمئزاز حتّى الإغماء ويهرعُ لغسلِ يديه.
لكنّه، لسببٍ ما، تظاهرَ باللامبالاة وأدخلَ يده في جيبِه.
ثم أخرجَها بعد قليل، مسحَ أصابعَه بقميصِه، وشعرَ بحكّةٍ خفيفة، فقبضَ يدَه بقوّة.
اللعنة.
نعم، كان يريدُ قرصَها لأنّها مُغيظة.
لكنّ ما لم يستطعْ فهمَه هو ذلك الشعورُ الغريبُ بالفخر الذي ارتفعَ في صدرِه في الوقتِ نفسه.
لم يكن هذا أوّلَ مرّة يشعرُ بالفخر تجاه مرؤوسيه.
جنودُه الذين نفّذوا أوامرَه بدقّةٍ في الحرب جلبوا النصرَ للمملكة، وكان يعتزّ بهم ويفاخرُ بهم كثيرًا.
ولهذا، كان من الطبيعيّ أن يشعرَ بالفخر تجاه دوقته التي أصابتْ الأهدافَ الثلاثة في مركزِها تمامًا.
لكن… لماذا يبدو هذا الرضا مختلفًا؟
كان شعورًا لم يختبره قطّ خلال ثمانيةٍ وعشرين عامًا من حياتِه.
لم يكن كيرتيس أحمق.
كان يؤمنُ دائمًا أنّ تلك اللحظة التي يمرّ بها الجميع مرّةً في حياتِهم لن تأتيَه أبدًا.
لكنّ ذلك لم يكن تعصّبًا أعمى، بل مجرّد اعتقاد.
وقد أدركَ الآن تمامًا ما هو هذا الشعور.
كان واضحًا إلى حدٍّ لا يسمحُ له بالتراجع متذرّعًا بـ”ربّما”.
ومع ذلك، لم يكن يرغبُ في التصرّف بفتورٍ والقول لكلوي: “ربّما أكونُ معجبًا بكِ”.
والسببُ كان أمامَ عينَيه مباشرةً.
الجناحُ الغربيّ.
بعد أن طافَ القصرَ كالمجنون، وجدَ نفسَه في منطقةٍ لا يزورها عادةً.
كان يقفُ أمام بابٍ أبيضَ مألوف.
الطابقُ الثالث.
غرفةُ سيّدةِ القصر، التي كانت تستخدمُها الملكةُ ميلدريد في حياتِها.
بردَ رأسُه فجأة.
-‘لقد قيد سيادتُك حرّيّةَ الملازم كلوي أمبرويز الشخصيّة بالقوّة.’
كانت تلك كلماتِ إيزرا دوبوا وهو يدفعُ عقدَ الزواج أمامه.
ارتفعتْ في حلقِه رغبةٌ في التقيّؤ.
ليس بسببِ إيزرا.
بل لأنّه أدركَ أنّه، من دوّن وعيّ، كان يكرّرُ أفعالَ أبيه الحقير والمقزّز.
-‘لا بدّ أنّكِ سعيدةٌ جدًّا، جلالةَ الملكة. كم هو رائعٌ أن تُحَبّي إلى هذا الحدّ.’
كان الزوّارُ الذين يأتون إلى هذا الجناح يقولون ذلك دائمًا وهم يحسدون أمَّه.
ولم يكن الأمرُ مجرّدَ كلمات.
كثيرون كانوا يحسدون الملكةَ ميلدريد على زواجِها حقًّا.
بعضُهم أظهرَ غيرتَه صراحةً، لكنّها كانت في النهاية نابعةً من الحسد.
وكان ذلك طبيعيًّا.
ملكُ إيفانيس الثريّ، الذي وقعَ في الحبّ من النظرةِ الأولى، ودفعَ ثروةً طائلةً ليجلبَها من غلينترلاند.
كانت جميلةً للغاية، ذكيّة، وتلقّتْ هدايا لا تُحصى طوال حياتِها.
وطفلُ الحبّ العميق كان صبيًّا، ذكيًّا، جميلَ الملامح مثلَ أمّه.
كان الملكُ يعشقُه إلى درجةٍ منحه لقبَ الدوق الأكبر وهو في الثالثة، مع ألقابِ غلينترلاند أيضًا.
لكن… هل كانت حياةُ الملكةِ ميلدريد سعيدة؟
لم يكن هناك من يعرفُ ذلك أفضلَ من كيرتيس شان بيرك الذي شاهدَها عن قرب.
لم تكن الملكةُ ميلدريد سعيدةً ولو لحظةً واحدة.
اختيارُها لفستانِ زفافٍ أبيضَ كان، في الحقيقة، قريبًا من اختيارِ كفنٍ للدفن.
اجتاحَته رغبةٌ مفاجئة في التقيّؤ.
“…لن أستطيعَ حضورَ العشاء فعلًا.”
غطّى فمَه واستدار.
تصبّبَ العرقُ البارد من جسدِه.
الإحساسُ بالوخز الذي بقيَ في أطرافِ أصابعِه تحوّلَ إلى شعورٍ بالاشمئزاز الذاتيّ، ينهشُه من الداخل.
كان يريدُ أن يغتسل.
التعليقات لهذا الفصل " 115"