لكنّ كلوي كانت تعلمُ جيّدًا أنّ سمعتَها داخلَ الحرس، بعيدًا عن تعقّدِ علاقتِها بكيرتيس، كانت لا بأسَ بها.
غير أنّ رأيَ كيرتيس بدا مختلفًا قليلًا.
“كلوي. عليكِ أن تدركي كم يمكنُ لمشاعرِ الإعجاب أن تجعلَ الإنسان غيرَ عقلانيّ.”
“…ماذا؟”
اتّسعتْ عينا كلوي قليلًا.
نظرَ إليها كيرتيس بجدّيّةٍ وهو يجيب:
“أظنّني قلتُ لكِ سابقًا. أغات مونفيس كانت أيضًا من بين المرشّحات لمنصبِ الدوقة، بل قُدّمتْ عليكِ في مرحلةٍ ما. لكن جرى استبعادُها لأنّ العواطف قد تُشوّهُ المواقف على نحوٍ لا يُتوقّع.”
‘آه، ظننتُ أمرًا آخر.’
كان يتحدّث عن أغات إذًا.
تنفّستْ كلوي الصعداء، لكنّها شعرتْ أيضًا بشيءٍ من الحرج، إذ كانت قد أساءتْ تفسيرَ كلامِه للحظة.
“أشكركَ على قلقِك. لكن، بصراحة، أليس من المنطقيّ أكثر أنّها تخشى أن يتدخّلَ الملازم نويل أو يوبّخَها؟”
“…هذا صحيح.”
رأى كيرتيس هدوءَ كلوي، فمسحَ ذقنَه مقتنعًا.
لكنّ الإذن لم يصدر فورًا.
“مع ذلك، لا أشعرُ بالاطمئنان.”
“أليستْ أفضلَ من حارسٍ رجل؟”
فهمَ كيرتيس فورًا أنّها تعني إيزرا، فرفعَ حاجبًا واحدًا.
“بعد ما رأيتُه اليوم، أظنّ أنّكِ لستِ بحاجةٍ إلى حارسٍ أصلًا. يكفي أن أُعطيكِ مسدّسًا. لقد فوجئتُ.”
في حفلِ التعريف الذي جرى وفقَ قواعدِ الحرس، أصابتْ كلوي المركزَ تمامًا ثلاثَ مرّات.
حتى إنّ أفرادَ الحرس قفزوا من شدّةِ الحماسة.
وكان ذلك اليومُ الذي انتشرَ فيه على الملأ أنّ الدوقة قد راعتِ النقيبَ ديبرو.
ضحكتْ كلوي بخفّة.
“مع أنّك تقولُ ذلك، لم تبدُ متفاجئًا كثيرًا.”
ابتسمَ كيرتيس بدوره ابتسامةً خفيفةً وهو يبادلُها النظر.
“أكنتِ تظنّين أنّني لم أراجع سجلَّ خدمتكِ حين عيّنتُكِ؟ كنتُ أعلمُ أنّكِ بارعةٌ في الرماية. لم أكن أعلمُ أنّكِ بتلك الدرجة.”
بما أنّ كلوي التحقتْ بالجيشِ كجنديّةٍ عاديّة، وفي بحريّةٍ لا تخوضُ حروبًا ولا تُبحرُ كثيرًا، لم يكن أمامَها سوى ذلك الطريق للترقية.
كانت تجتازُ اختباراتِ الرماية والملاحة الدوريّة بانتظام، وتترقّى في كلّ مرّة.
ويبدو أنّ كيرتيس اطّلعَ على سجلِّ خدمتها منذ أن فكّر في توظيفِها.
“أنا ضابطةٌ مساعدة جذّابة جدًّا، أليس كذلك؟”
رفعتْ كلوي أنفَها بزهوّ.
كانت مزحةً توقّعتْ أن يُقابلَها بسخريةٍ فوريّة.
لكنّ كيرتيس تصرّفَ مرّةً أخرى على غيرِ المتوقّع.
“…..”
كان على وشكِ الردّ، ثمّ أغلقَ فمَه فجأة.
نظرَ إليها مرّة، وحين التقتْ أعينُهما، حوّلَ نظرَه جانبًا.
“…ما هذا الذي تقولُه؟”
اختفتْ ابتسامتُه السابقة، وبدتْ عليه ملامحُ الاستياء.
وكان طرفُ أذنِه محمّرًا قليلًا.
شدّتْ كلوي ذقنَها لا إراديًّا، فانطوى ذقنُها بطبقتين.
عندها قطّبَ كيرتيس حاجبَيه وسألَ بانزعاج:
“ما بكِ؟”
“لا شيء. سأذهبُ الآن.”
“كلوي.”
“نعم؟”
“هذا غرفتكِ.”
“آه.”
شعرتْ كلوي بإحراجٍ شديدٍ وعجزتْ عن الكلام.
تأمّلَها كيرتيس لحظةً، ثمّ قال:
“كلوي.”
“نعم، سموّك؟”
“بعد لقائكِ بأغات مونفيس، قدّمي تقريرًا مفصّلًا عمّا دار بينكما.”
“نعم… حاضر.”
من دون أن تُتاحَ لها فرصةُ استيعابِ الأمر، امتدّتْ يدٌ عاريةٌ نحوَها وشدّتْ خدَّها كأنّها تقرصُه.
تألّمتْ ألمًا خفيفًا وقالتْ: “آه”، لكنّ الرجل كان قد نهضَ بالفعل.
“سنلتقي على العشاء.”
وفي لمحِ البصر، تُركتْ كلوي وحدَها في الغرفة.
كان من المفترض أن يؤلمَ خدُّها، لكنّه لسببٍ ما صار ساخنًا.
سمعتْ في البعيدِ صوتَ ارتطامٍ قويّ،
لكنّها لم تعرفْ إن كان ذلك من مكانٍ ما، أم من رأسِها الذي بدا وكأنّه ينهار.
التعليقات لهذا الفصل " 114"