4
ما إن وصلا حتى أفلت ليكسيون تشابك أصابعهما.
ثم جلس مقابلها.
‘ظننت أنه سيجلس إلى جانبي.’
كان يحتضنها مرارًا، ويتشابك مع أصابعهما، فكان من الطبيعي أن تتوهم ذلك.
لو كان أي شخص آخر لاعتبرته غريب الأطوار، لكن الطرف الآخر هو ليكسيون، فلم تستطع البقاء ساكنة.
كان قلبها يخفق بشدة، وجسدها كله يدغدغ حتى أرادت أن تقول أي شيء.
ربما لأنها بدأت تدرك تمامًا أنه شخصيتها المفضلة.
‘لا بد أن أشعر به.’
رجل يمتلك جمالًا يُذهلكَ مجرد النظر إليه، كأنه ليس بشريًا. مجرد رؤية ليكسيون تجعلها في نشوة.
‘حتى لو كان شريرًا، لا يمكن إلا أن يُفتن به.’
تأملت روزيليا ملامح ليكسيون خلسة.
شعر فضي مذهل يحمل مجرة درب التبانة، عينان حمراء كالياقوت المرصع، متناسقتان كنجوم الصحراء.
وعلاوة على طول قامته الذي يتجاوز قليلًا المئة والتسعين سنتيمترًا، و كتفيه العريضين وصدره المتين ينمان عن رجولة خالصة.
‘لماذا صدره بهذه… الكبر؟ وعضلاته ليست مزحة أبدًا.’
بينما كانت تغرق في أفكار سخيفة أمام شخصيتها المفضلة، جاءت الخادمة تحمل الشاي. شاي أحمر عطري يتصاعد منه البخار.
‘ما هذه الأفكار؟ انتبهي.’
استعادت روزيليا وعيها وحدقت في فنجان الشاي أمامها.
“دعيني أسألكِ سؤالًا واحدًا أولًا.”
رغم سخونة الشاي، شرب ليكسيون رشفة دون تردد.
“ماذا قال لكِ الماركيز؟”
“عن أي شيء بالتحديد؟”
“عن زواجنا أنتِ وأنا.”
“لا شيء على الإطلاق.”
روت روزيليا فقط ما سمعته بعد انتقالها.
استيقظت لتجد الماركيز يصرخ فيها آمرًا بالزواج، ثم طُردت دون فرصة للرد.
“مُزعج.”
خرجت الكلمة من فم ليكسيون دون أي نبرة انزعاج حقيقية. أدركت روزيليا ذلك. الانزعاج الذي يقصده موجه إلى الماركيز.
“أن يَرمي كل شيء عليّ.”
“……”
“حسنًا… لا بأس.”
وضع ليكسيون الفنجان بهدوء، ثم استقرت عيناه الحمراوان على روزيليا.
“هذا الزواج ليس زواجًا حقيقيًا.”
“ماذا؟ إذًا ماذا؟”
“إنه مجرد دليل على صفقة بيني وبين الماركيز.”
“صفقة…”
كررت روزيليا الكلمة وكأنها تسمعها لأول مرة، تمضغها مرارًا.
لم يكن هناك أي تقاطع بين ليكسيون والماركيز في القصة الأصلية. ارتبكت من القصة الجديدة فلم تستطع إصدار صوت، وإنما تحركت شفتاها فقط.
“أنتِ مجرد أداة استُخدمت في الصفقة.”
تحدث ليكسيون بصراحة دون إخفاء شيء. كان تعبيره هادئًا كأن الأمر لا يعنيه.
ربما لهذا السبب استطاعت روزيليا قبول الكلام بهدوء.
“الماركيز وجد ما أبحثُ عنه، وأنا أقدم له ما يريده.”
“…إذًا الزواج يفيد الطرفين؟”
“بالضبط.”
“وهل وجدت ما تبحث عنه؟”
“قريبٌ جدًا منهُ.”
رفع ليكسيون كتفيه بلامبالاة.
“لذا تذكري جيدًا. هذا الزواج مجرد عقد، فما إن أجد ما أريده حتى ينتهي.”
“طلاق… إذًا؟”
“نعم.”
“هل يمكنني سؤال شيء؟”
أومأ ليكسيون برأسه برفق، مشجعًا إياها على الاستمرار.
كان لديها الكثير مما تريد قوله، لكنها اختارت الأكثر فعالية والأهم.
“لماذا وصل الأمر إلى الزواج؟ لو كان مجرد استغلال، لكانت هناك طرق أخرى.”
“تسألين وكأن الأمر لا يعنيكِ.”
“حتى لو كان يعنيني، أفكر فيه بموضوعية.”
شعرت بتأنيب داخلي، لكنها أجابت بطبيعية. ‘يجب أن أحذر في كلامي.’
“المهم…”
نظر إليها ليكسيون طويلًا كأنه يراقبها، ثم تكلم.
“أنا آسف لأنني استخدمتكِ.”
شرح ووجهه لا يظهر أي ندم.
بما أنه عديم العواطف، ولا يهتم إلا بالبطلة المهووسُ بها، قبلت روزيليا الأمر كما هو.
‘لو كانت غيري لانجرحت.’
“على الأقل خلال فترة الزواج، سأؤدي دور الزوج المخلص.”
“…ماذا؟”
“سأعاملكِ كزوجة حتى لا تشعري بالإحباط. سأضمن أن تُعاملي كدوقة.”
“ذلك…”
كادت تسأل ما معنى ذلك، لكنها توقفت.
كانت روزيليا تنوي بذل قصارى جهدها لمنع ليكسيون من الوصول إلى نهايته المأساوية. لم تحدد التفاصيل بعد، لكن…
‘هذه فرصة ذهبية؟’
شعرت وكأن السماء تساعدها.
قوله إنه سيعاملها كزوجة حتى الطلاق يعني أنها ستكون أقرب إليه من أي أحد، فتتمكن من تنفيذ خطتها بكفاءة.
لم يكن هناك سبب لرفض عرض ليكسيون.
“حسنًا.”
رتبة أفكارها بسرعة وأجابت فورًا.
“شكرًا على التوضيح التفصيلي. سأفعلُ ذلك.”
“هل هذا كل شيء؟”
“ماذا؟ وماذا بعد؟”
“مفاجئ.”
مال رأسه فتمايل شعره الفضي.
“تختلفين عن الشائعات.”
“شائعات؟ أي…”
فرك ذقنه للحظة كأنه يفكر، ثم هز رأسه.
“لقد شرحت بما فيه الكفاية.”
“……”
“الخطبة ستكون بسيطة بالأوراق فقط، أما الزواج… هل تريدينه فخمًا؟”
“لا، لا.”
إنه زواج له نهاية محددة مسبقًا. لا داعي لجعله فخمًا.
عند رؤية رد فعلها، تابع ليكسيون دون تردد.
“جيد. لو أردتِ ذلك لكان الأمر مزعجًا.”
أصبح الشاي باردًا الآن.
رفعت روزيليا الفنجان أخيرًا وشربت رشفة.
“الزواج بسيط بعد أسبوعين.”
“سريع جدًا.”
“كلما أسرع كان أفضل.”
“نعم.”
تساءلت هل تُعقد الأزواج بهذه السرعة عادة، ثم تذكرت أنه زواج عقد فاعتبرت الأمر طبيعيًا. رغم أنه أمرها، إلا أنه شعرت وكأنه شأن شخص آخر.
كان يجب أن تسأله المزيد.
ماذا سيحدث لها بعد الطلاق؟ متى سيحدث الطلاق؟
لكن الأمر بدا بعيدًا جدًا، فلم تسأل. بل لم تفكر حتى في السؤال.
في غضون يومين فقط، انهالت عليها أحداث كثيرة، فكانت مشغولة باستيعابها.
‘على أي حال، سأستغل معرفتي بالقصة الأصلية جيدًا لأغير نهاية ليكسيون.’
بما أنها تعرف ماضيه المؤلم، يمكن تغيير المستقبل إن عانقته ودعمته. وقررت استغلال منصب “الزوجة” الشكلي بأفضل طريقة.
“سمو الدوق، من الآن فصاعدًا…”
“لحظة. من الأفضل تغيير النداء.”
“آه، ماذا أناديك؟”
“على أي حال، ستكونين زوجتي قريبًا.”
فكر ليكسيون قليلًا ثم ضحك بخفة.
بالطبع، سرعان ما عاد فمه إلى حالته الجامدة. شعرت روزيليا ببعض الأسف.
“ناديني باسمي.”
“اسم سموك؟ لكن ذلك بعد…”
“إنه تمرين. بعد أسبوعين سنكون زوجين قانونيين.”
كان ذلك مفاجئًا حقًا.
رغم أنه قال صراحة إنه سيستغلها، إلا أن هذا الرجل البارد المتعجرف يعد بمعاملتها جيدًا خلال الزواج.
لم يكن سيئًا. على أي حال، ليكسيون هو شخصيتها المفضلة التي أحبتها كثيرًا.
“إذًا، فليناديني سموهُ باسمي أيضًا.”
“حسنًا.”
“ابدأ أنتَ أولًا.”
“روزيليا.”
شعرت بدغدغة غريبة في جسدها، فحكت ذراعها الأيسر دون سبب.
“نعم، سمو…”
في تلك اللحظة، لمع عيناه للحظة. بفطنتها، غيرت كلامها فورًا.
“…ليكسيون.”
“همم. ليس سيئًا.”
“نعم…”
كان الجو مريحًا. شعرت أن الأمور ستسير على ما يرام من الآن فصاعدًا.
مدت روزيليا يدها نحوه. نظر إليها مستغربًا.
“معناها: أرجو التعاون من الآن فصاعدًا.”
“فهمت.”
أمسك ليكسيون يدها فور فهمه. هذه المرة مصافحة خفيفة دون تشابك أصابع.
“وأنا أيضًا أرجو التعاون.”
“نعم.”
ثم نهض ليكسيون لانشغاله بعمل.
بقيت روزيليا لتستمتع بالحديقة الجميلة أكثر.
* * *
سار ليكسيون نحو القصر بسرعة دون أن يلتفت خلفه، كأن أمره انتهى. ما إن تحرك بسرعة حتى ظهر من العدم مساعده، السير ميكائيل مارس.
“كيف كان؟”
“قلت إن التحقق انتهى.”
“فقط للتأكد. ألم تكن تبحث عنها بشدة؟”
“نعم.”
نظر ليكسيون إلى يده اليسرى التي صافح بها روزيليا. لا يزال يشعر بذلك الإحساس القوي الحارق في راحة يده.
اللحظة التي اقترب فيها منها في الغابة مدفوعًا بغريزة، ولمسها، ثم شعر بذلك الإحساس.
وعندما اقترب أكثر للتأكيد، تأكد.
“الآن فهمت لماذا اقترح ذلك الماركيز الوقح الصفقة بكل تلك الثقة.”
“احتضنتها عدةَ مرات.”
طارت إليه نظرة حادة كأنها تقول “اخرس”. رغم الشرر في عينيه، رفع ميكائيل كتفيه غير خائف.
“الآن أتذكر، كانت أربع مرات فقط رُبما.”
“ثلاثٌ بالضبط.”
“نعم.”
غطى البرود وجه ليكسيون.
“وإلا ما كنت لأفكر حتى بلمس امرأة، خاصة واحدة أرسلها الماركيز.”
عبس ليكسيون وقلب يده.
“الغريب أن سموك لم يثق بالماركيز فتحقق ثلاث مرات. وعلاوة على ذلك، دور الزوج الحقيقي.”
“ميكائيل مارس.”
“هذا قرارٌ كبير حقًا من سموهِ.”
دخل ليكسيون مكتبه. لم يجلس خلف المكتب فورًا، بل اتكأ على النافذة. من هناك يُرى مكان جلوسهما السابقِ بوضوح.
لا تزال روزيليا جالسة وحدها، تتذوق الشاي البارد مستمتعة.
“ضع كلبًا واحدًا عليها.”
“لقد أعددت بالفعل.”
انحنى فم ليكسيون بسخرية.
“لنستمتع بلعبة قصيرة.”
إنها فريسة وقعت في قبضته بالفعل. تمتم لنفسهِ وحدها.
التعليقات لهذا الفصل " 4"