مرّت الأيام التالية على منزل آل إلمير ببطءٍ غريب، ببطءٍ يشبه انسياب الماء بين الحجارة، لا يُحدث ضجيجًا لكنه يغيّر شكل كل ما يلمسه.
في الصباح الأول بعد استيقاظه الكامل، فتحت سيلفا النافذة الخشبية بهدوء، فتسللت خيوط الشمس إلى الغرفة الصغيرة حيث كان لوكاس مستلقيًا. تحرّك قليلًا، متأففًا، قبل أن يفتح عينيه الرماديتين على الضوء الجديد.
لم يكن معتادًا على هذا النوع من الصباحات. لا أبواق حراسة، لا همسات خدم، لا جدران حجرية باردة. فقط رائحة الخشب، الأعشاب المجففة، وصوت طيور قريبة.
دخلت سيلفا تحمل وعاء ماء دافئ.
> “لا تتحرك كثيرًا، الجرح لم يلتئم بعد.”
قالتها بنبرة هادئة، لا تحمل أمرًا ولا خوفًا، فقط اهتمامًا بسيطًا صادقًا.
جلس ببطء، مستندًا إلى الوسادة، ثم نظر حوله.
> “هذا… منزلك؟”
> “نعم. صغير، لكنه دافئ.”
لم يعلّق، لكن نظرته توقفت طويلًا عند الزهور المعلقة قرب النافذة، ثم عند الأرضية الخشبية المصقولة بعناية.
مكان متواضع… لكنه حي.
—
🌿 طقوس سيلفا اليومية
مع تحسّن حالته تدريجيًا، لم تعد سيلفا تبقيه طريح الفراش طوال الوقت. في بعض الأيام، كانت تفتح له الباب ليجلس على المقعد الخشبي أمام المنزل، حيث تمتد الحقول الخضراء حتى الأفق.
كانت تنهض باكرًا، قبل الجميع.
تغسل وجهها بماء بارد، تسرّح شعرها الأشقر وتربطه بشريط قماشي بسيط، ثم تخرج إلى الحديقة الصغيرة خلف المنزل. هناك، كانت تتحدث مع النباتات بصوت خافت، وكأنها تفهمها… أو كأنها تسمعها.
لوكاس لاحظ ذلك.
لاحظ كيف تميل أوراق بعض النباتات نحوها حين تقترب. كيف تهدأ الحيوانات الصغيرة عند وجودها. كيف يبدو الهواء حولها… مختلفًا.
لكنه لم يسأل.
ليس بعد.
—
🍞 أحاديث قصيرة
في إحدى الظهيرات، جلست سيلفا تقطع الخبز بينما كان لوكاس يساعد إلين في إصلاح سياج خشبي مكسور. لم يكن قويًا بما يكفي للعمل طويلًا، لكن إلين لم يعترض.
> “لديك يدان تعرفان العمل،” قال له بابتسامة بسيطة.
لم يكن هذا النوع من الكلمات شائعًا في حياة لوكاس.
بعد الغداء، جلسوا جميعًا حول الطاولة. الحديث كان عاديًا، عن القرية، عن موسم الحصاد، عن الغابة.
ثم سأله إلين فجأة:
> “من أي مكان أتيت يا لوكاس؟”
ساد صمت خفيف.
شرب لوكاس قليلًا من الماء، ثم قال:
> “من… مكان بعيد. لم أكن أنوي التوقف هنا.”
نظرت سيلفا إليه للحظة، لكنها لم تضغط عليه.
> “الطرق أحيانًا تختارنا، لا نحن،” قالت بهدوء.
التقت عيناه بعينيها، وشعر بشيء يتحرك داخله. شيء دافئ… ومربك.
—
🌙 حين ينام الجميع
في الليل، حين ينام البيت، كانت سيلفا أحيانًا تجلس قرب النافذة، تنظر إلى الغابة البعيدة. كانت تشعر أن وجود لوكاس ليس عابرًا.
أما هو، فكان مستلقيًا في فراشه، ينظر إلى السقف الخشبي، وعقله يعجّ بأسئلة لم يجرؤ على طرحها.
من هذه الفتاة؟ لماذا لم تطلب شيئًا مقابل مساعدتها؟ ولماذا يشعر بالأمان… هنا؟
لأول مرة منذ سنوات، لم يشعر بالحاجة إلى الحذر طوال الوقت.
التعليقات لهذا الفصل " 4"