1
«المقدمة»
كأميرٍ نائمٍ في حكايةٍ خياليّة.
هذا الرّجلُ الّذي يرقدُ أمامي الآن، ليونيل فون آلتهايد، هل يوجدُ وصفٌ أكثرُ روعةً من هذا ليصفَه؟
كان هذا السّريرُ الورديُّ المكسوُّ بالدانتيلِ الرّقيق يبدو كعبءٍ حتّى عليّ أحياناً……
‘واو، كيف يناسبُه إلى هذا الحدّ.’
وجهٌ جميلٌ يُثبتُ أنّ الفخامةَ والأناقةَ يمكن أن يتعايشا معاً، ينعكسُ عليه ضوءُ الشّمسِ الصّباحيّ كأنّه هالةٌ مقدّسة.
ملامحُ تُثيرُ الإعجابَ تلقائيّاً كأنّه دميةُ خزفٍ صنعها حرفيٌّ ماهر، ما يلفتُ النّظرَ أكثرُ هو تلك الرّموشُ الطّويلة.
‘عندما يُغمضُ عينيه تبدو رموشُه أطولَ بكثير……’
رغم أنّني رأيتُ وجهَه مرّاتٍ عديدة، إلّا أنّني أتعجّبُ كلَّ مرّةٍ أراه.
حقّاً، ليس أيُّ شخصٍ يستطيعُ أن يُصبحَ بطلَ روايةٍ رومانسيّة.
‘لو لم يكن من بين الكلماتِ المفتاحيّة الّتي تصفُه كلمةُ ‘المهووس’ لكان الأمرُ أفضلَ بكثير……’
نعم، هذا صحيح.
من يرى مظهرَه الهاديءَ واللّطيفَ هذا لن يخطرَ ببالِ أحدٍ أبداً، أنّ هذا الرّجلَ ليس مجرّدَ بطلٍ عاديّ، بل هو بطلٌ مهووس.
وليس مهووساً بالمستوى الّذي قد يتقبّله القاريءُ بسهولةٍ قائلاً، ‘حسناً، بطلُ الرّواية يجب أن يصلَ إلى هذا الحدّ من الهوس’، بل مهووسٌ إلى درجةٍ تجعلُ المرءَ يقول، “آه، هذا مُبالغٌ فيه قليلاً……” ويتصبّبُ عرقاً بعدها.
وليس هذا فحسب، بل هو أيضاً بطلُ روايةٍ تصنيفُها +19، اختطفَ البطلةَ وحبسَها في غرفةٍ سريّةٍ لا يدخلُها إلّا هو.
‘باختصار، يمكنُ القول إنّه بطلٌ مهووس، مُظلم، ويائس.’
إذن، من هي تلك البطلةُ المسكينةُ الّتي تعرّضت للخطفِ والحبسِ من قِبله……؟
بكلِّ أسف، وبشكلٍ لا يُصدّقُ حقّاً.
كانت أنا بالذّات!
‘عندما أدركتُ لأوّلِ مرّةٍ أنّني تجسّدتُ في هذا العالم، كنتُ أريدُ الهروبَ بشدّة……’
لحسنِ الحظّ، حتّى الآن استطعتُ كخطيبتِه أن أمنعَ تحوّلَه إلى شريرٍ بنجاح.
في الحقيقة لم يكن الأمرُ صعباً إلى هذا الحدّ. رغم الكلمةِ المفتاحيّة بطلٌ مهووس، إلّا أنّ ليونيل قبلَ التّحوّل رجلٌ لطيفٌ ومهذّبٌ جدًّا.
المشكلةُ الوحيدةُ هي أنّه ليس لطيفاً معي فقط.
إنّه يُطيعُ كلامَ عائلتِه الّتي لا تعتبرُه فرداً من العائلةِ حقّاً. حتّى لو كان ذلك ظلماً وغيرَ منطقيّ. وهو لا يعرفُ أنّ نهايةَ هذا الطّريقِ هي تحوّلُه إلى شخصٍ مُظلم!
لذلك، قبلَ أن يعبرَ ليونيل الطّريقَ الّذي لا عودةَ منه، خطفتُه وحبستُه في غرفةِ نومي.
وهكذا تمّ الأمر.
انتصارٌ مؤكّد!
‘بدلاً من أن أُختطفَ وأُحبسَ من قِبلِ البطلِ الّذي سيُصبحُ شريراً، خطفتُه أنا أوّلاً وحبستُه.’
بل وحتّى قيّدتُ يديهِ بأصفادٍ حديديّةٍ قويّة!
هذا يُعدّ دفاعاً مثاليّاً عن النّفس.
هل من أحدٍ يشكّ في ذلك؟
إن كان هناك من يشكّ في ذلك، فليتقدّم. لنرى إن كان سيُغيّرُ رأيَه بعد أن يُخطفَ ويُحبس.
‘لكن متى أحاطني بذراعيه ونام هكذا؟’
منذُ اللّحظةِ الّتي فتحتُ فيها عينيّ وسُحرتُ بوجهِه الوسيم، أدركتُ متأخّرةً أنّ يديهِ المقيّدتين بالأصفادِ قد انتقلتا خلفَ ظهري. وبسببِ ذلك أصبحَ جسدانا متقاربين جدّاً.
ربّما لأنّه قضى وقتاً طويلاً في ساحةِ المعركة، كان جسدُه مفتولَ العضلاتِ واضحاً من خلال بيجامتِه الرّقيقة.
‘أتذكّر أنّه نام في وضعيّةٍ مستقيمةٍ تمامًا……’
هل هو من النّوعِ الّذي يعانقُ من بجانبه أثناءَ النّوم إذا كان هناك شخص؟
‘كيف أخرجُ من هنا؟’
يمكنني فكُّ الأصفادِ ببساطة، لكن المفتاحَ موجودٌ فوقَ الطّاولة.
ليس أمامي خيار، فدفعتُه ليستلقيَ على ظهرِه وصعدتُ فوقَه لأتمكّنَ من الخروجِ من تحتِ ذراعيه.
وفي اللّحظةِ الّتي حاولتُ فيها الإنزلاق……
“همم……”
مع همهمةٍ منخفضة، ارتعشت رموشُه الطّويلةُ قليلاً، ثمّ فتحَ عينيه ببطءٍ كأنّه أميرٌ تحرّرَ من تعويذة.
العينان الأرجوانيّتان الّلتان ظهرتا تحتهما تُشبهان الزّهورَ أو الجواهر.
بينما كنتُ أحدّقُ فيهما مسحورةً بلونهما، حدّقَ بي ليونيل بعد أن رمشَ عدّةَ مرّاتٍ بعينين غيرِ مركّزتين.
رآني وأنا فوقَه، واضعةً يديَّ على صدرِه، ووجهي قريبٌ جدّاً من وجهِه.
‘…… من يراني هكذا سيظنّ أنّني على وشكِ الإنقضاضِ عليه!’
نهضتُ بفزع، لكن يديَّ ليونيل الملفوفتين خلفَ ظهري منعتاني من الحركة، فسقطتُ مرّةً أخرى فوقَ جسدِه.
وفي تلك اللّحظة، كادت شفتانا أن تتلامسا، كما يحدثُ للبطلةِ في الرّواياتِ عندما تصطدمُ بالبطلِ الوسيم فجأة. لحسنِ الحظّ، لم يحدثْ ذلك.
‘آه، هذا مفاجيء……!’
بينما كنتُ متجمّدةً من الصّدمة، كانت نظراتُ ليونيل مُثبّتةً على شفتيّ.
شعرتُ بنظراتِه الحادّةِ والمثابرةِ إلى حدٍّ ما، وكأنّه يُوبّخني على ما أفعله بشخصٍ نائم، فسعلتُ سعالاً خفيفاً.
“كح، هل نمتَ جيّداً؟”
عند تحيّتي الصّباحيّةِ الوقحة وكأنّ شيئاً لم يحدث، رفعَ ليونيل عينيه عن شفتيّ ونظرَ إليّ.
“نعم، نمتُ جيّداً.”
“جيّدٌ أنّك نمتَ جيّداً. حتّى لو شعرتَ بعدمِ الرّاحة فلن أفكَّ القيود.”
لأنّني إذا فككتُها ستذهبُ لتسلكَ طريقَ التّحوّلِ إلى شريرٍ مثلَ القصّةِ الأصليّة!
“……”
“سأفكُّ قيودَك فقط عند الإستحمامِ أو تغييرِ الملابس. لكن إذا فعلتَ شيئاً لطيفاً مثل محاولةِ الهروبِ من المنزل بعد أن أفكَّ الأصفاد……”
“ماذا سيحدث؟”
رمشَ ليونيل، لم يبدو وكأنّه يُخطّطُ لشيءٍ كهذا، بل بدا وكأنّه سألَ بفضولٍ بريءٍ عن ردّةِ فعلي إن فعلَ ذلك.
تعبيرُ وجهٍ لطيفٌ إلى درجةٍ يصعبُ تصديقُ أنّه نفسُ البطلِ المهووس في الرّواية الّذي فعلَ كلَّ أنواعِ الأمور.
ولهذا السّببِ بالذّات، شعرتُ بمسؤوليّةٍ أكبرَ لمنعِ هذا الشّخصِ من أن يغرقَ في الجنون.
“سأحبسُك في غرفةٍ لا يدخلُها إلّا أنا. غرفةٍ بها نافذةٌ صغيرةٌ جدّاً لا تكادُ تسمحُ إلّا بالتهوية، حتّى لا تعرفَ ما يحدثُ في الخارج، ولن تفعلَ شيئاً سوى انتظارِ عودتي.”
هذا هو ما سيحدثُ لي تماماً لو فشلتُ في منعِ تحوّلِ ليونيل.
لذلك، من أجلي…… لا، من أجلِ الجميع، يجبُ منعُ تحوّلِ ليونيل إلى شخصٍ مُظلمٍ بأيّ ثمن.
“أنتَ لا تريدُ حدوثَ ذلك، أليس كذلك؟”
ما رأيك الآن، أليس هذا مخيفاً؟ أليس هذا فظيعاً؟
لذلك استمعْ إليّ وكنْ هادئاً……!
“أنا لا أمانع.”
“…… ماذا؟”
ماذا قالَ هذا الرّجلُ الآن.
“تقول إنّك لا تمانعُ الخطفَ والحبس؟”
“نعم. طالما أنتظرُ فقط، ستعودين إليّ، أليس كذلك؟”
نظرَ إليّ ليونيل بحيرة، كأنّه يقول ما الّذي يجعلُ الأمرَ سيّئاً.
“طالما أستطيعُ البقاءَ بجانبِكِ، فالمكانُ أو الطّريقةُ لا يهمّاني على الإطلاق.”
“هل أنتَ جادّ؟”
“نعم. كما قلتِ، لن يبحثَ عنّي أحد.”
آه، لا، انتظرْ لحظة! الجميعُ في الإمبراطوريّة يعرفون أنّ عائلتَك لا تُحبّك، فإن أكّدتَ هذا الآن ماذا سيُصبحُ موقفي!
“لماذا لن يبحثَ أحد؟ أنا موجودة! إذا اختفيتَ سأبحثُ عنك حتّى نهايةِ القارّة، بل وسأعبرُ المحيطاتِ وراءَ القارّة إن لزمَ الأمر لأجدَك……!”
“نعم، أعرف. لديكِ أدواتٌ سحريّةٌ لتتبّعِ الموقع تستطيعين بها مراقبتي في أيّ زمانٍ ومكان، وتجدينني أينما كنت.”
“آه……”
“سواءٌ كانت غرفةً صغيرةً أو غرفةً لا يدخلُها ضوءُ الشّمس. طالما هي مكانٌ ستعودين إليه يوماً ما، فأنا لا أمانعُ الأمر.”
أمسكَ ليونيل يدي وقبّلَ ظهرَها مرّة، وباطنَها مرّة، ثمّ وضعَ يدي على خدّه وابتسمَ بلطف.
“أرجوكِ، ضعيني في المكانِ الّذي تريدينه أنتِ.”
بينما كنتُ أحدّقُ بذهولٍ في ابتسامتِه، انتقلَ نظري فجأةً إلى القرطين الّلذين يلمعان في أذنيه.
تلك هي أداةُ التتبّعِ السّحريّة الّتي أهديتُها له. بل ولدي الوسائلُ لمراقبةِ حياتِه اليوميّة أيضاً……
‘مهلاً لحظة.’
حتّى الآن كنتُ أبذلُ جهداً كبيراً لمنعِ تحوّلِ هذا الرّجلِ إلى بطلٍ مهووس، لكن الآن بالتّفكيرِ في الأمر، ألستُ أنا من تتحوّلُ تدريجيّاً إلى بطلةٍ مهووسة……؟
هاه؟ هذا غريب.
‘من أين بدأ الخطأُ بالضّبط؟’
هل منذَ أمسِ عندما قيّدتُ معصميهِ وأحضرتُه إلى غرفةِ نومي؟ أم من اليومِ الّذي أهديتُه فيه القرطين المزوّدين بتتبّعِ الموقع؟
لا، ربّما منذ أن تقرّرت خطوبتي لليونيل عندما كنتُ في السّادسةِ عشرةَ من عمري.
أو ربّما منذَ ذلك اليوم قبلَ أربعِ سنوات، عندما أدركتُ أنّني تجسّدتُ في عالمِ رواية.
التعليقات لهذا الفصل " 1"