2
‘أوووه؟’
سقفٌ غريب.
تسلّل صوتُ احتراقِ الحطب في الموقد، متقطّعًا، عبر أذنيها المثقلتين.
تحرّكت نظرةُ كليمن الضبابيّة ببطء، بينما راحت تستعيد ما حدث قبل أن تفقد الوعي.
لقد كانت بالتأكيد تتسلّق الجبل هربًا من الصخرة، ثمّ ضلّت الطريق.
ونفد طعامها أيضًا، فكانت جائعةً وهي تبحث عن الطريق، ثمّ زلّت قدمها وتدحرجت في المنحدر الجبليّ.
‘هل اختناقي الآن بسبب الإصابة؟’
حين رفعت رأسها قليلًا وهي مستلقية، انكشف أمامها مشهدٌ لم يخطر لها على بال.
كان طفلان صغيران متعلّقين بصدرها وبطنها.
استعادت كليمن وعيها في لحظة، وبدأت تتفحّص الطفلين بسرعة.
هل فقدت الوعي بينما كانت حرارتها تثور فأصابت الطفلين بأذى؟
مع أنّ عليهما ملابس وبطانيات، هل لعلّ جسدي الحارّ قد أحرقهما؟
وبينما كانت تفكّر بذلك، التقت عيناها بعيني الطفلة التي كانت تحدّق فيها مباشرة.
كان في عينيها فضولٌ ومودّةٌ غامضة.
‘يبدوان بخير، أليس كذلك؟’
تنفّست كليمن الصعداء ورفعت شفتيها بابتسامة لطيفة.
“مرحبًا؟”
حين نطقت بلغة الإمبراطوريّة التي تعلّمتها بنفسها بلكنةٍ متعثّرة، نهض الطفلان فجأة وركضا خارجًا في اللحظة نفسها.
“أمّي! المدفأة تتكلّم!”
راقبت كليمن الطفلين وهما يهربان وهما يصرخان بكلماتٍ غريبة، ثم حكّت خدّها.
‘ما الكلمة المشابهة للمدفأة التي أعرفها؟’
لكنّها لَمْ تحتج وقتًا طويلًا لتدرك أنّها لَمْ تُخطئ السمع.
“يبدو أنّ جسدكِ ساخن، لذا كان الأطفال يمزحون. اعتذري يا لورا.”
جاءت أمّ الطفلين وقدّمت اعتذارًا مع ابتسامةٍ محرجة.
انتفخت وجنتا لورا.
“أليست مدفأة؟ وجهها محروق!”
“يا لهذه الطفلة! إنّها فقط من منطقةٍ أخرى!”
“لا! مدفأة! لورا تريدها!”
تسلّقت لورا السرير بحماس، ثمّ التصقت بجانب كليمن.
أما شقيقها التوأم لو، الذي كان يمصّ إصبعه، فابتسم بلطف واستلقى فوق ساقي كليمن.
“ه-هؤلاء الأطفال! لقد استيقظتِ للتوّ—”
“لا بأس. أنا سعيدة.”
“ماذا؟”
نظرت كليمن إلى أمّ الطفلين المرتبكة وابتسمت ابتسامةً وديعة.
“منقذتي. شكرًا لأنّكِ أنقذتِني.”
“أ-لا، لا شيء.
الحمد لله أنّكِ بخير.”
وبعد تلك الكلمات، حلّ صمتٌ خفيف.
كانت الأمّ تعتني بالأطفال، لكنها كانت تلقي نظراتٍ خاطفة على كليمن بين الحين والآخر.
بدا أنّ لديها الكثير من الأسئلة.
‘وهو أمرٌ طبيعي.’
حتى بين الإمبراطوريّين ذوي البشرة البيضاء، كان أهل الشمال يملكون بشرةً أشبه بالثلج.
كما أنّ شعرهم الفاتح المميّز للشمال كان مختلفًا تمامًا عن شعر كليمن.
شعرٌ قرمزيّ واضح، وبشرةٌ مسمرّة قليلًا.
أيّ شخص سيرى أنّها غريبة.
بل ومن المؤكّد أنّها جاءت من صحراء الجنوب في القارّة.
وكما يوحي الاسم، فالصحراء والشمال طرفان متعاكسان تمامًا.
وفوق ذلك، حتى السفر بين الشمال والعاصمة لَمْ يكن سهلًا.
فما بالك بغريبةٍ قادمة من الجنوب؟
من الطبيعي أن يثير الأمر الفضول، حتى دون احتساب طبيعتها الغريبة.
“اسمي كليمن. عمري واحد وعشرون عامًا، وقد جئت لأنّي أحبّ الأماكن الباردة.”
“آه… نعم. أنا روبي.”
تردّدت روبي قليلًا، لكنها لَمْ تُبعد عينيها عن كليمن.
لم تستطع نسيان ما رأته عندما عثرت عليها أوّل مرّة.
رغم العاصفة الثلجيّة، لَمْ يكن حولها أيّ أثرٍ للبياض.
بل إنّ الهواء حولها كان دافئًا لدرجة أنّ البخار لَمْ يكن يخرج من الفم.
وبالنسبة لشخصٍ وُلد وترعرع في الشمال مثلها، كان ذلك أمرًا لا يُصدَّق.
كانت العاصفة الثلجيّة تعصف في السماء، لكن الهواء حول كليمن كان دافئًا لدرجة أنّ الثلج تحوّل إلى مطر.
كان أوّل مرّة ترى الثلج يسقط ماءً.
لهذا بدا وجود كليمن غريبًا للغاية.
فهي تبدو إنسانة، لكنها في الوقت نفسه لا تشبه البشر.
‘نعم… كانت تشبه جنّيّة النار من قصص تأسيس الإمبراطوريّة.’
جنّيّة النار التي قيل إنّها ساعدت الإمبراطور الأوّل في القضاء على التنّين الشرير.
ويُقال إنّ وجودها وحده كان يدفئ العالم وينقّي الشرور.
وأعظم شرّ في الشمال هو هذا الثلج الذي لا يتوقّف عن الهطول!
فشخصٌ يذيب هذا الثلج…
لم يكن غريبًا أن يتذكّر أهل الشمال أسطورة جنّيّة النار النائمة في مكانٍ ما من الشمال حين يرون كليمن.
‘لكن من المستحيل أن تكون جنّيّة نار حقيقيّة ملقاةً على الأرض.’
إذًا ما حقيقتها؟
تبدو لطيفة ودافئة، لكن قلب الإنسان لا يظهر على سطحه.
ومع ذلك بدا من الوقاحة سؤالها مباشرة.
وبينما كانت روبي تغرق في حيرتها، نادتها كليمن بابتسامةٍ مشرقة.
“روبي، آه…
هل يمكنني مناداتكِ روبي؟”
“نعم، لا بأس.”
“إذًا يا روبي، دلّيني على بيت رئيس القرية.”
“لماذا…؟”
“هنا أوّل قرية! أريد أن أعيش هنا.”
رمشت روبي بدهشة.
“تريدين… العيش هنا؟”
“نعم. آه، هل هذا غير مرحّبٍ به؟”
“ليس الأمر كذلك، لكن…”
كانت قلقة بشأن كيف سيستقبلها أهل القرية، ورئيسها أيضًا.
قد يجلّونها باعتبارها تجسّدًا لجنّيّة النار، أو ينبذونها لأنّها ليست إنسانة.
“حتى خارج القرية لا بأس. إذا كانوا لا يريدون رؤيتي فلن ألتقي بهم.”
أيّ حياةٍ عاشتها هذه المرأة حتى تقول ذلك بهذه السهولة؟
أغمضت روبي عينيها بإحكام وتنهدت.
“سأجعلكِ تقابلين رئيس القرية. لكن لا تتوقّعي أن أقنعه.”
“حسنًا. شكرًا لكِ!”
ابتسمت كليمن بسعادةٍ خالصة.
لكن رؤية تلك الابتسامة السعيدة جعلت قلب روبي أكثر تعقيدًا.
“مدفأتنا! هي لي! لن أعطيها!”
“مدفأة… دافئة.”
تشبّث لورا ولو بـ كليمن بإصرار، وكان ذلك مشهدًا مدهشًا.
فهما طفلان خجولان جدًا في العادة.
‘ربما ينبغي أن أخبر السيدة روشيا…’
كانت روشيا تتولّى شؤون الإقليم بدلًا من الدوق الأكبر المعتكف والدوقة الكبرى المريضة.
‘لو أوصت بها رئيسة الخادمات… ربما… حتى لو تجمّد داخل القصر أحيانًا، فوجود كليمن سيذيبه بسرعة.’
كان مسح الماء أسهل بكثير من كشط الجليد.
وحين أدركت روبي أنّها تفكّر في فائدة كليمن دون وعي، هزّت رأسها.
هذا تجاوزٌ للحدود.
وبالنظر إلى وضع عائلة الدوق، لا يمكن إدخال أيّ شخص بسهولة.
“هاهاها! آه! هاها!”
ضحك التوأمان حتى كاد أنفاسهما تنقطع.
وكانت كليمن بدورها تبدو مرتبكة، لكنها كانت تربّت عليهما بحذرٍ ووجهها محمرّ.
وذلك جعل قلب روبي يلين أكثر.
‘فقط… سأذكر الأمر عرضًا.’
وحين اتخذت قرارها، شعرت وكأنّ صدرها قد انفتح.
“يا أطفال، كفى الآن وتعالوا. يجب أن تتركوها ترتاح.”
“لا بأس!”
لوّحت كليمن بيدها، لكنها لاحظت فجأة أكمامًا غريبة.
ملابس الشمال التي تُغلق أكمامها بإحكام حتى الأطراف، على عكس ملابس الصحراء الفضفاضة التي كانت تتمايل مع كل حركة.
“أنا من بدّلت لكِ ملابسكِ. كانت متّسخة جدًا. أظنّها ستجفّ خلال يومين…”
لكن روبي توقّفت عن الكلام فجأة.
فقد أمسكت كليمن يدها بحماسٍ شديد.
كانت يدًا دافئة، بل ساخنة.
ارتعشت روبي قليلًا.
“إنّه رائع جدًا! أشعر وكأنّي أصبحت من أهل الشمال! أريد الخروج هكذا!”
“لا! هذه ملابس نوم!”
لم تجد روبي خيارًا سوى الصراخ، لأنّ كليمن بدت وكأنّها ستفتح الباب وتخرج فورًا.
“هذه ملابس نوم؟ إنّها سميكة!”
“إذا خرجتِ هكذا ستتجمّدين حتى الموت!”
كانت كليمن أطول من روبي.
لذلك ارتفعت ملابس النوم التي كانت تغطّي جسد روبي بالكامل حتى فوق كاحلي كليمن، كما ظهرت معصماها بوضوح.
“لا بأس! أنا ساخنة. البرد لا يهمّني!”
انطلقت كليمن كالسهم ووطئت الثلج.
كان ملمس الثلج بقدميها الحافيتين باردًا وناعمًا كالوسادة.
ورغم أنّه ذاب بسرعة، لم يكن ذلك مهمًا.
فالسماء ما زالت تمطر فرحًا أبيض بلا توقّف.
“مدفأة! ستنطفئين! انتبهي من الريح!”
“تعطّل… يحدث.”
في تلك اللحظة كان لورا ولو قد ارتديا معاطفهما وركضا خلفها، فاتحين ذراعيهما.
‘…إنّها المرّة الأولى.’
لم يحاول أحد من قبل أن يقترب منها أولًا.
لأنّها ساخنة.
لأنّ النار تشتعل حولها.
لأنّها كارثة.
وجودٌ يجب طرده حتى بالحجارة.
حتى العرّافة العجوز التي ربّتها تقريبًا لَمْ تعانقها سوى مرّة واحدة.
‘أنا… سعيدة جدًا.’
رفعت كليمن طرفي شفتيها بسعادةٍ لا تُحتمل، وفتحت ذراعيها على اتّساعهما.
اندفع الطفلان إلى حضنها كما لو أنّهما كانا ينتظران ذلك، فحملتهما بين ذراعيها.
“واو، دافئة.”
“ساخنة…”
أسند الطفلان خدّيهما إلى عنقها وأخذا يفركانه بلطف.
لم تستطع كليمن إلا أن تبتسم.
إن كانت حرارة جسدها المرتفعة مفيدةً لهذين الطفلين، فما أسعد من ذلك؟
‘بل إنّهم يحبّونها.’
كانت سعيدة.
كأنّها حصلت أخيرًا على إذنٍ للبقاء هنا.
وإذا استطاعت إقناع رئيس القرية والعيش في هذه القرية… فسيكون ذلك أفضل ما يمكن.
‘مدفأة؟ إذا أردتم، سأكونها طوال حياتي!’
نفخت كليمن أنفاسها بحماس.
‘وربما… قد أتمكّن أخيرًا من تكوين صديق.’
في هذا المكان، شعرت أنّها قد تعيش أخيرًا الحياة العاديّة السعيدة التي تمنّتها طويلًا.
…هكذا كانت تظنّ قبل يومٍ واحد فقط.
“سلّمي هذا إلى سموّه! نحن نؤمن أنّ جنّيّة النار قادرة على ذلك!”
هكذا وجدت كليمن نفسها، بعد أن صادفت فرسانًا بأعينٍ نصف مجنونة، تُساق معهم رغمًا عنها.
وبذلك التقت بسيّد الإقليم على غير خطّة.
رجلٌ ملفوفٌ بالفرو والجلود من رأسه إلى أخمص قدميه، رغم أنّه داخل الغرفة.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما…
خمدت الحرارة الملتهبة التي كانت تعذّبها طوال حياتها.
التعليقات لهذا الفصل " 2"