الفصل 29
“هاه؟ ماذا لو كان هناك من يحاول اختطافي؟!”
كان هذا المكان قصر دوق فيرديناند،ومع ذلك لم أستطع أن أطمئن تمامًا.
خصوصًا الآن، بعد أن صار ذلك الصوت المريب يناديني.
‘لكنني أشتاق إلى أمي… ماذا أفعل……؟’
كنت ممسكةً بالمقبض، مترددة، غير قادرة على الدخول بسهولة، غارقة في الحيرة.
في تلك اللحظة…
فلاش!
أضاء ركن الغرفة في لحظة.
وانهمر الضوء فجأة على عينين كانتا قد اعتادتا الظلام.
“آه!”
أغمضتُ عينيّ بإحكام، ثم فتحتهما،
فوقع بصري على شيءٍ معلّق على جدار الغرفة.
“……ما هذا؟”
كان إطارًا ضخمًا.
إطارًا كبيرًا إلى درجة أنه كان يحتل جدارًا كاملًا.
كانت اللوحة مغطاة بستار،لكن في اللحظة التي رأيتُ فيها الإطار،شعرتُ وكأن شيئًا ما سحرني،فتقدّمتُ نحوه بخطوات مترددة.
ونسيتُ تمامًا ترددي قبل قليل،ذلك التردد حول الدخول من عدمه.
طَبَق… طَبَق…
في الغرفة الساكنة،ترددت أصداء خطواتي.
عبرتُ الغرفة الواسعة والضخمة،وتوقفتُ أمام الإطار الذي كان يحتل جدارًا كاملًا.
‘…….’
لوحة ثمينة محفوظة بعناية داخل قصر دوق فيرديناند.
-الوجه الذي تشتاقين إليه أكثر من أي شيء، موجود هنا، يا إيفي.
وذلك الصوت الغامض الذي قادني إلى هنا.
إذًا، ربما…
ربما يكون هنا……
‘قد يكون موجودًا.’
الوجه الذي أشتاق إليه أكثر من أي شيء.
مددتُ يدي بحذر نحو الستار الذي يغطي اللوحة.
وعندها….
شررررخ…..!!
كما لو أن الضوء قد أُشعل،انفتح الستار من تلقاء نفسه،وانسحب بسلاسة.
لم أحتج إلى سحبه أو رفعه.
حبستُ دهشتي ،وانتظرتُ حتى ينفتح الستار بالكامل.
ولم تمضِ سوى لحظات….
طَق!
انزاح الستار الأزرق الذي كان يغطي الإطار العملاق بالكامل.
رفعتُ رأسي،ونظرتُ إلى اللوحة الهائلة أمامي.
وهناك…
-هذه هي آيرين فيرديناند.
امرأة جميلة،بشعرٍ ذهبي مثلي تمامًا،
وعينين زرقاوين……
-إنها والدتك.
كانت تنظر،وتبتسم ابتسامة مشرقة.
حدّقتُ في اللوحة بذهول.
عرفتُ.
حتى لو لم يخبرني الصوت،لكنتُ عرفتها من النظرة الأولى.
‘أمي.’
تلك المرأة الجميلة في اللوحة هي أمّي.
لأن……
أمي كانت تشبهني حقًا،بشكلٍ لا يُصدّق.
كان كلام أبي صحيحًا.
كنتُ حقًا طفلة تشبه أمها كثيرًا.
لم أستطع أن أزيح نظري عن اللوحة ولو قليلًا.
شعور غريب،دغدغة غير مألوفة،وخفقان امتلأ به صدري.
ما هذا الشعور؟
كنتُ طفلة ذكية ونبيهة في الثامنة من عمري،ومع ذلك لم أعرف ما اسم هذا الإحساس.
ربما لأن الزمن الذي عشته كان قصيرًا جدًا.
أو ربما لأن لوحة أمي كانت تمتلك
قوةً تجعل القلوب مضطربة.
تأملتُ اللوحة العملاقة ببطء شديد.
إلى جانب أمي،كان هناك الجد مرسومًا أيضًا،وشعره كان أسودَ داكنًا، على عكس الآن.
يبدو أنها لوحة رُسمت في شبابه.
وبينما كنتُ واقفة بلا حراك،أحدّق في اللوحة بصمت،عاد الصوت ليتحدث إليّ من جديد.
-ما رأيكِ، يا إيفي؟
كان صوته لطيفًا ودافئًا للغاية.
-هل تشبه الصورةُ والدتكِ كما كنتِ تتخيلينها؟
بدا وكأنه لن يؤذيني.
لذلك أومأتُ برأسي.
“نعم.”
وقلتُ،دون أن أزيح عينيّ عن اللوحة:
“إنها نفسها تمامًا…….”
***
استيقظ نيل من نومه.
“……آه، ما هذا الهواء؟”
كان هواء بارد يتسلل إلى الغرفة.
نهض نيل بجسدٍ مثقل، وقد ارتسمت الحيرة على وجهه.
هل نمتُ والنافذة مفتوحة؟
تحسس الطاولة الجانبية بجوار السرير،
وعثر على نظارته،فوضعها على أنفه.
ثم أدار رأسه نحو جهة النافذة.
لكن النافذة كانت مغلقة بإحكام.
“إذًا… من أين يأتي هذا الهواء؟”
تمتم بصوتٍ متعجب،ثم أدار رأسه نحو الجهة التي يأتي منها الهواء.
وكان مصدر الهواء…
“هاه؟ الباب؟”
لم يكن من النافذة،بل من الباب المتصل بالممر.
كان الباب مفتوحًا طوال الوقت!
‘غريب… أنا متأكد أنني أغلقته.’
وحتى لو لم يكن قد أغلقه،فلا يمكن أن تمر الخادمات في الممر ويرين بابًا مفتوحًا ويتركنه هكذا.
فلماذا كان الباب مفتوحًا؟
نهض نيل وهو يقطب حاجبيه،وقد قرر إغلاق الباب ثم العودة للنوم.
تقدم ببطء وأغلق الباب بنفسه.
طَق.
أُغلق الباب برفق.
بعدها مدّ ذراعيه فوق رأسه و تمدد.
“هاه… دعني أطمئن قليلًا على ابنتي.”
هل دخل الهواء البارد أثناء الليل وأصابها بالزكام؟
توجّه نظره القلق نحو السرير الذي يجب أن تكون إيفي نائمة عليه.
كان ينوي ترتيب الغطاء عنها، وإعطاءها قبلة نوم أخرى.
لكن…
“……هاه؟”
لم تكن إيفي على السرير.
فرك نيل عينيه أسفل نظارته،ونظر مجددًا إلى السرير الذي يجب أن تكون إيفي نائمة عليه.
“……ليست هنا.”
لم تكن هناك فعلًا.
اندفع نيل مسرعًا،ورفع الغطاء الناعم عن السرير.
كانت إيفي صغيرة الجسد مقارنةً بأقرانها،
وأحيانًا كانت تختفي تحت الغطاء.
لكن حتى بعد رفع الغطاء بالكامل،لم تكن ابنته على السرير.
“إذًا… لا تقل لي…….”
أدار نيل رأسه ببطء.
وفي نهاية نظره،كان الباب الذي كان مفتوحًا قبل قليل.
وفي تلك اللحظة،بدأت تمتلئ رأسه بكل أنواع الخيالات السيئة.
هل خرجت من القصر وحدها؟
لكن إيفي قالت بوضوح إنها ستنام هنا هذه الليلة.
وإيفي أبدًا!لم تكن طفلة تخلف وعودها.
إذا قالت إنها ستنام هنا،فهذا يعني أنها ستنام هنا فعلًا.
إذًا، أين ذهبت؟
لا…هل من الممكن أن يكون أحدهم قد اختطفها؟
أمسك نيل بالغطاء البارد الذي فقد دفئه،
وتذكر أستريد.
وتذكر كلمات زوجته التي كانت ترددها كثيرًا حين كانت على قيد الحياة.
“نيل، أنت لا تعرف.القصر في الأصل مكانٌ أكثر خطورة.”
“وبالنسبة لطفلتنا… قد يكون أخطر من ذلك.”
كانت آيرين تخشى طوال حياتها
أن يأتي أحدهم ليخطف طفلتنا أو يأخذها بعيدًا.
حتى إنها تركت وصية تقول فيها
إنه يجب إخفاء إيفي وتربيتها سرًا.
في شبابه،كان نيل قد تساءل مرة
إن كان قد صنع دون أن يدري أعداءً
أثناء حياته السابقة.
لكن الفكرة بدت سخيفة آنذاك، فتخلى عنها سريعًا.
“لكن… ماذا لو…….”
الفكرة التي تخلى عنها سابقًا
عادت الآن،وقد تضخمت حتى سيطرت على رأسه بالكامل.
‘لا… لا يمكن…….’
وشحب وجه نيل،وقد غمرته كل تلك الأفكار السيئة.
***
انقلب قصر دوق فيرديناند رأسًا على عقب.
“إي- إيف اختفت……!”
كانت البداية صرخةً أشبه بالعويل
أطلقها نيل رويس.
وبتلك الكلمات، استيقظ جميع من في قصر فيرديناند من نومهم.
وكان سيوربولد فيرديناند من بينهم بالطبع.
“……اختفت إيفي؟ماذا تعني بهذا؟”
“استيقظت فلم أجدها!والباب كان مفتوحًا! هل… هل من الممكن أن يكون أحدهم قد اخطتفها…….”
“لا تنطق بكلامٍ مشؤوم!هذا مستحيل!
من يجرؤ على اختراق حراسة فيرديناند
والتسلل إلى القصر؟!”
زأر سيوربولد بحدة.
أومأ نيل برأسه،ووجهه شاحب بشدة،
وقد احمرّت عيناه.
وبوجهٍ بدا وكأنه على وشك البكاء، قال:
“سأواصل البحث أولًا…….”
ثم غادر.
وبينما كان يخرج،بدا وكأنه مسح عينيه بكمّه،كمن يمسح دموعه.
التعليقات لهذا الفصل " 29"