1
هكذا بدء الأمر
بعد أن اعتلى الإمبراطور الشاب العرش ألَحَ عليه الوزراء بأن يحضِرَ إمبراطورة. قدمَ الإمبراطور الذي لم يكن لينًا مع الوزراء القدماء إقتراحًا.
“دعونا نستقبل مرشحات لمنصب الإمبراطورة أولًا.”
لم يجرؤ الأغلب على ترشيح بناتهم إلى جانب الإمبراطور الذي عُرِفَ بجموحه وتصرُفِه على هواه. ومع ذاك كان هنالك بعض الانتهازيين الذين برغم الظروف حاولوا جاهدين طمعًا بالحصول على منصب والد الإمبراطورة.
وكان أبرزهم ظهورًا هو دوق روينتز.
“تجري في عروقك دماء عائلة روينتز فمن الطبيعي أن تصبحي الإمبراطورة. أليس كذلك.”
“نعم. يا أبي.”
ثم إتجهت العربة الفاخرة في طريقها نحو القصر الإمبراطوري.
أخذت لارني نفسًا عميقًا وهي تفكر بما عليها إنجازه.
أن تبرز ك مرشحة لمنصب الإمبراطورة فتجذب ناظريّ الإمبراطور ثم تنجبُ مِنهُ طفلًا وتربط دماء والدها بدماء العائلة الإمبراطورية.
فقط هذا لا أكثر ولا أقل.
“فكري مليًا بما يتوجب عليكِ فعله وتصرفي على أساسه.”
“…..نعم.”
كادت ألا تجيب. فعلى الرغم من أن جسدها كان في أقصى درجات اليقظة والملاحظة إلا أن عقلها كان مشوشًا.
انفتح ثغرها بردّ فعلٍ تلقائيّ، لتيقنها بأن عاصفةً من الغضب ستجتاح المكان. هكذا هي نتائج التشرب التام للمواقف.
“أهكذا ستتلكئين في الرد حتى على الإمبراطور؟”
“لا، ليس الأمر كذلك، يا أبي.”
سارعت لارنه بالرد نافيةً.
“إنَّ مستقبل آل روينتز رهنٌ بكيفية تصرّفك، وهذا يعني أن أرواح العشرات باتت الآن بين يديكِ.”
“…..نعم، نعم.”
ترددت مرة أخرى، ثم شددت جوابها بتأكيد.
لكن ردة فعلها التي بدت باهتةً ومنقوصة اليقين كانت كفيلة بتعكير مزاج دوق روينتز.
“اعلمي أن عيوني ستلاحقك في كل مكان، فلا تقترفي حماقة ما.”
رفعت لارنه رأسها وأخذت تومي مرارًا وتكرارًا.
عندها فقط أسند دوق لوينتز جسده إلى مسند المقعد وسحب نظرته الحادة التي كان يحدق بها.
‘أن أرواح العشرات باتت الآن بين يديكِ.’
راود لارنِه سؤال يدعو للسخرية.
إن كانت عشرات الأرواح معلقة بيدها حقا، فلماذا إذن يظل خيط حياتها الذي لم ينقطع حتى الآن، ممسوكا بيد أبيها؟..
أليس من المفترض أن تكون الحياة ملكًا لصاحبها؟ ولكن بالنسبة ل لارنِه كان هذا الأمر البديهي هو أصعب ما يمكن نيله.
“لارنِه عليكِ أن تصبحي الإمبراطورة. لا، بل ستصبحين ذلك حتمًا. فقد ولدتِ من أجل ذلك.”
لم يكن الدوق روينتز أبًا حنونًا.
فمنذ نعومة أظفارها، تلقت تعليمًا شبيهًا بالتعليم الاإمبراطوري، حتى إن حركة بسيطة كشرب الشاي كانت تراقب بنظرة حادة من معلم الآداب.
كانت نتائج دروسها ترفع يوميًا إلى الدوق، وفي حال لم تبلغ المستوى الذي يريده، صبّ عليها الدوق جام غضبه الذي لا يرحم.
“ايتها العاجزة! أنتِ عار على عائلة روينتز!”
ومع ذلك، توهمت أن هذا هو الحب، ظنت أنه حب والد يرجو صلاح ابنته، وإن كان حباً شابته شائبة الطمع.
لقد أحبت أباها هي الأخرى، آملةً أنها إن بذلت قصاری جهدها فسيأتي ذلك اليوم الذي يقر فيه بنجاحها ويمنحها اعترافه.
“لو أنكِ كنتِ بارعة بما يكفي، لو أنك كنت تليقين حقاً باسم روينتز!”
لم يعرف الدوق روينتز يومًا معنى الرضا.
ولأن لارنِه أفنت نفسها في محاولة إرضائه، فقد ظلت أمامه دائمًا الطرف الأضعف.
سواء حين كانت الصفعات تنهال عليها حتى يتمزق لحم فمها الرقيق أو حين كان كأس زجاجي يطير نحو وجهها فيشوه خدها.
لقد كانت حمقاء بما يكفي لتتحمل كل ذلك. ورغم أنها أدركت الآن أن ذلك “الحب” لم يكن سوى وهم زائف، إلا أن شيئاً لم يتغير.
فهذا واقع لا تجرؤ هي على مجرد التفكير في تغييره، وهو رجل لن تتبدل طباعه أبداً.
“بالمناسبة، سمعت أن ذلك النغل يتردد على القصر الإمبراطوري.”
“عمن تتحدث يا أبي ؟”
توجهت إلى لارنه عیناه الباردتان، كأنهما تخترقان كل شيء.
“لیندمان.”
ليندمان، بل ديل.
كان وقع اسمه حين تناهى إلى مسامعها عبر شخص آخر كصاعقة هبطت على لارنِه، فشعرت بومضة حياة تسري فجأة في عروقها التي خمدت طويلاً.
“هل كنت على علم بذلك؟”
“… كلا، فكيف لي أن أعلم؟”
عشر سنوات.. عشر سنوات كاملة لم تره فيها.
فبينما كان الدوق روينتز يتربص بكل ما يمت له بصلة ليمحو أثره، لم تكن تلتقي باسمه إلا لماماً عبر صفحات الصحف التي تقع بين يديها مصادفة.
“لست تنوین خداع أبيك مرة أخرى والتواطؤ مع ذلك الوغد، أليس كذلك؟”
لم يكن دوق روينتس قد مارس العنف على لارنِه منذ البداية.
لكنه كان يحمل في داخله أنواعا كثيرة من الكراهية، كان النسل الغير شرعي أبرزها.
كان ليندمان تجسيداً لكل ما يمقته الدوق؛ فهو نغل يهدد بزعزعة أركان سلطة الإمبراطور الواهنة أصلاً، وكان وجوده كافياً لإثارة حنق الدوق روينتز وتعكير صفوه.
ومنذ أن تركت لارنه ذلك الرجل يفلت من يد دوق روينتس، بدأت نزعة العنف لدى الدوق تتجلى بوضوح.
“أبي، لقد مضى على ذلك أكثر من عشر سنوات.”
“كلما تذكرت تلك اللحظة شعرت ب… بل لو لم تطلقي سراحه بحماقتك، لكان الآن….!”
“لقد طعنني وفر هارباً.. كنت صغيرة وكان الألم يفوق احتمالي… لدرجة أنني لم أستطع الحراك…”
“كفى على أية حال، إن صادفته يوماً ما، فلا تعيريه أدنى التفاتة. ذلك اللعين ابن الزنا.”
“حاضر، سأفعل.”
حتى وإن حرمت من النظر إليه، لم يكن أحد ليمنعها من التفكير فيه.
كيف عساه يكون قد تغير؟
هل ما زال يتجول نافضًا خلفه ذلك الشعر الفضي؟
هل ازداد طولاً؟ وهل سلم من الجروح في ساحات القتال التي ظل يطوف بها؟
أحقاً سيعود إلى القصر الإمبراطوري؟
… وهل سيذكرني؟
راودها وهم بأن الندبة في ساقها بدأت تؤلمها.
كان ذلك ألما وهميًا يساورها كلما خطر على بالها ألمًا يجمع بين الحنين والقسوة، لكنه وحده ما يجعلها تنسى مرارة واقعها.
‘ديل، سأحاول أن أكسب لك بعض الوقت.’
كان ذلك اليوم، وما فعلته فيه، بمثابة وسامٍ على صدر أيامها؛ لأنها أنقذت فيه صديقها الوحيد، وجعلت من تلك الذكرى عزاءً يواسيها.
ومنذ ذلك الحين، حتى وإن لم تستطع أن تواجهه مرة أخرى، وحتى لو لم تره مجددًا، لم تندم لارنِه.
بل لم يكن الندم خياراً لها من الأساس؛
فهو الشيء الوحيد الذي اختارت حمايته بمحض إرادتها.
فجأةً، اهتزت العربة بعنف.
وحين نظرت إلى الخارج، كان القصر الإمبراطوري قد لاح أمامها.
* * *
”أهلاً بكم، سيادة الدوق “لوينتز”، والآنسة “لارنِه”.
وما إن وطأت أقدامهم الأرض، حتى كان الفرسان والخدم في استقبالهم وكأنهم على أهبة الاستعداد.
حتى الأمتعة الكثيرة التي أُحضرت من منزل الدوق، نُقلت بسرعة وكأنها مَشهدٌ في مسرحيةٍ مُحكمة الخيوط.
لم يُتح للدوق “لوينتز” الوقت حتى لاستشعار بداية هذه المرحلة الجديدة، بل تحرك متبعاً إياهم، وتبعت “لارن” خُطى الدوق بصمت.
”أين ستقيم ابنتي؟ أتمنى ألا يكون مكاناً منزوياً…”
كلمة ‘ابنتي’..
لقد كانت لفظةً مقصودةً تماماً، رُمي بها لمسامع الحاضرين.
”سيادة الدوق، ستقيم الآنسة لارنِه في قصر “بايان”.”
”… قصر بايان؟”
كان رد فعل الدوق المستاء أمراً متوقعاً…
فرغم شهرة قصر “بايان” بجماله الأخاذ، إلا أنه كان المكان الذي أقامت فيه عشيقة الإمبراطور الراحل.
”أستقيمُ لارنِه وحدها هناك؟”
”ستقيم السيدتان الأخريان هناك أيضاً.”
ثلاث مرشحات لمنصب الإمبراطورة:
لارنِه من بيت الدوق روينتز، وأوديليا من بيت الدوق فيرينا، وسيفي من بيت الماركيز ديمان.
لم تكن علاقتها بينهنّ في الأوساط الاجتماعية قليلة، لكن إن سُئلت: “هل تعرفينهنّ حق المعرفة؟”، لكانت الإجابة: لا.
كتمت لارنه تنهيدة في صدرها؛ فمعرفة الخصم تمنح أفضلية، لا شك في ذلك.
تمتم الدوق روينتز بصوت خافت: “مجرد حثالة لا قيمة لهم”.
لكن نعتهم بـ “عديمي القيمة” لم يكن في محله؛ فكلا العائلتين، فيرينا وديمان، من العائلات العريقة المرموقة.
ألم يكن اختيارهما كمرشحات لمنصب الإمبراطورة دليلاً كافياً على ذلك؟
كان الدوق فيرينا نبيلاً رفيع المستوى مقرباً من الماركيز ديل، بينما صعد نجم عائلة الماركيز ديمان كقوة مالية ثرية في السنوات الأخيرة.
بل على النقيض، كانت عائلة الدوق روينتز هي الشمس التي آذنت بالمغيب.
لم يرهما أحدٌ “بلا قيمة”، إلا هو.
”إن شرف عائلة روينتز على المحك. أتخسرين أمام عائلات كهذه؟”
هزت لارنه رأسها بسرعة: “كلا”.
”أجل، هذا هو الظن بكِ.”
ثلاث نساء يُلقى بهنّ في رحاب قصرٍ تعبق أركانه بأنفاس عشيقة الإمبراطور، لتخرج منه واحدة فقط كإمبراطورة تغلبت على ذاكرة تلك العشيقة.
خطت لارنه خطواتها داخل تلك اللعبة ذات الذوق الرديء—التي لا يُعلم من دبرها—لتجد نفسها وجهاً لوجه مع مَن لن يسرّهم رؤيتها أبداً.
التعليقات لهذا الفصل " 1"