2
اخترق كايلوس الحشود التي كانت تتطلع إليه بفضول، بينما كانت شظايا الكأس الزجاجي المحطم تصدر رنينًا حادًا تحت وطأة خطواته.
“يا إلهي، يا له من طبعٍ حاد…”
“لا عجب، فـأصله…”
توالت الهمسات والكلمات اللاذعة التي لم يجرؤ أصحابها على إتمامها خلف ظهره وهو يغادر القاعة بخطى غاضبة.
بشكل غريزي، نهضتُ من مكاني، مما دفع سايمون الجالس قبالتي لرفع رأسه بتساؤل.
“إلى أين أنتِ ذاهبة؟”
“سأذهبُ للمرحاض.”
ألقيتُ كلماتي تلك وركضتُ خارج المبنى أقتفي أثر كايلوس. تطلعتُ حولي حتى لمحتُ ظله وهو يتوارى داخل حديقة المتاهة.
في الحقيقة، لم أكن أعرف ماذا سأفعل حين ألحق به، لكنني قررتُ أن أصل إليه أولاً ثم أفكر في الخطوة التالية…. أو هكذا ظننت.
إذ انتهى بي المطاف محاصرةً داخل هذه المتاهة اللعينة. تُرى ما الذي دها عائلة الدوق ليبنوا شيئًا كهذا؟
بعد ما يقارب الخمس عشرة دقيقة من التيه، اختلط حفيف أوراق الشجر الموحش بصوت أنفاس خافتة.
أرهفتُ سمعي واتجهتُ نحو مصدر الصوت، لأكتشف أنه لم يكن سوى نشيج مكتوم.
خلف شجيرات كثيفة، لمحتُ هيئة صبي صغير ينكمش على كرسيه المعلق، وشعره الفحمي يتطاير مع نسمات الريح الباردة.
شعر كايلوس بوجودي، فمسح عينيه بسرعة وحذر.
‘يا للصغير، لقد كان يختبئ هنا ليبكي.’
بينما كنتُ أفكر في طريقة لمواساته، استقرت عيناه الكهرمانيتان الصافيتان عليّ، وهما تفيضان بروح هجومية حادة.
“ماذا تشاهدين؟ اغربي عن وجهي إن كنتِ تريدين البقاء على قيد الحياة.”
يا للهول!
لو كان غيري، لربما ارتعدت فرائصه من نظراته تلك، لكن ليعلم أن من يسكن هذا الجسد هو شخص بالغ وناضج.
تأملتُ عينيه الحادتين بصمت، وفجأة داهمتني حالة من “ديجا فو”.
في حياتي السابقة، حين كنتُ أقبل بأي عمل لجني المال، عملتُ جليسة أطفال. كان الطفل الذي توليته آنذاك مشكلة حقيقية لدرجة أن أربع جليسات قبلي استقلن، لكن الأجر كان مغريًا فاستقبلتُ المهمة بصدر رحب.
ذلك السيد الصغير ذو السبع سنوات كان يشبه هذا الصبي تمامًا؛ أتذكر بوضوح كيف روضتُ صراخه وتمرده حتى صار مطيعًا.
ومع هذه الذكرى، لمعت في ذهني فكرة عبقرية.
إن قمتُ بإصلاح كايلوس، هذا الشرير المستقبلي، ومنعتُه من الانغماس في الظلام… ألن يمنع ذلك مأساة طعنه لداريوس في المستقبل؟
“لماذا تقفين هكذا؟ ألم تسمعي قولي؟ ارحلي!”
أخرجني صوت كايلوس الغاضب من شرودي.
حتى لو أردتُ تقويمه، فأنا الآن في جسد طفلة. لذا، من الأفضل أن أقترب منه كصديقة لا كمعلمة.
سأقوم بالدور الذي لعبته بطلة الرواية أديل كصديقة وملاذ له، سأبدأ من الآن!
تقدمتُ نحوه خطوتين كمدربة تحاول ترويض وحش بري، وكما توقعت، اشتدت حدة نظراته.
“أعتذر لأنني أطلتُ النظر إليك، لكن هل يمكنكَ مساعدتي؟”
سألتُه بنبرة منكسرة وأنا أحافظ على مسافة بيننا.
فالمواساة المتعجلة قد تثير نفوره، وبما أنه لن يظهر ضعفه أبدًا، فعليّ أن أكون أنا الطرف الذي يثير الشفقة.
“من أنتِ؟”
“آه، أنا رييز برانتي. ضللتُ الطريق بينما كنتُ أتأمل جمال حديقة الدوق.”
فترت حدة عينيه قليلًا.
بالفعل، مهما حاول إظهار أنيابه، لا يزال مجرد طفل غـ…
“يا لكِ من غبية. وما شأني أنا؟”
…يا لهذا الصبي!
لا، لن أسمح لاستفزازه التافه بأن يخرجني عن طوري. أنا بالغة ناضجة، على الأقل من الداخل.
“أنا تائهة هنا منذ عشرين دقيقة، ولم أرَ أحدًا غيرك.”
“…..”
“أرجوك، أنا خائفة…..”
توسلتُ إليه بأكثر نبرة بائسة أمتلكها، وقد ساعدتني الرياح الباردة التي جعلت جسدي يرتجف صدقًا.
بعد صمت ثقيل، نهض كايلوس أخيرًا ببطء.
“….إن تخلفتِ عني، سأترككِ وأمضي.”
قالها بنبرة باردة وبدأ يسير في المقدمة.
“حسناً! شكرًا لك.”
أجبتُه بحماس ولحقتُ به كظله.
لقد نجحتُ، خطة التظاهر بالضعف آتت ثمارها، رغم أنني سمعته يتمتم بصوت خافت: “لماذا عليّ مساعدة حمقاء لا أعرفها حتى….”.
كان عليّ أن أركض تقريبًا لأواكب خطواته السريعة.
‘هل يستخدم سحر طي الأرض؟ كيف قدماه سريعتان هكذا رغم قصر قامته؟’
كان معصماه وكاحلاه نحيلين جدًا، وتذكرتُ وصفًا في الرواية يقول إنه كان ضئيل الحجم في صغره بسبب سوء التغذية والإهمال.
من الصعب التصديق أن هذا القط الصغير الشرس سيتحول مستقبلاً إلى فهد أسود مفترس.
لنترك هذا جانبًا الآن، ولنركز على كسب وده.
“أنت كايلوس، شقيق السيد داريوس، أليس كذلك؟ هل يمكنني مناداتك بكايل؟”
التفت إليّ فجأة وقد بدت علامات الانزعاج واضحة على جبينه، وكأنما ابتلع شيئًا مرًا؛ ربما لأنه اكتُشفت هويته أو بسبب مناداتي له باسمه المختصر فجأة.
“لا.”
أطلق رفضه القاطع وتابع سيره بخطى واسعة.
“هل تحفظ طريق المتاهة بالكامل؟”
“…..”
سألتُ ظهره لكن لم يأتِ رد. حسنًا، إنها حديقة منزله، فمن الطبيعي أن يحفظها.
وبينما كنتُ أتبعه بجهد، سمعتُ صوت قرقرة واضحة قادمة من معدته.
“كايل، هل أنت جائع؟”
“من جائع؟!”
صرخ كايل وقد احمرت أذناه خجلاً. على الأقل استجاب هذه المرة.
تذكرتُ الأطعمة اللذيذة في الحفل، لكن من المؤكد أنه لا يستطيع ابتلاع شيء هناك وسط نظرات الناس وهمساتهم؛ فحتى أنا، بـشهيتي المفتوحة، كنتُ سأصاب بعسر هضم في مكانه.
تساءلتُ عن سبب الفوضى التي حدثت في القاعة، لكنني كتمتُ فضولي كي لا يستشيط غضبًا.
“كل هذا على الأقل!”
أخرجتُ قطعة شوكولاتة من حقيبتي الصغيرة، فتحتها ومددتُها له. كانت شوكولاتة أعطاني إياها والدي، الكونت برانتي، لآكلها إذا شعرتُ بالتعب.
سأمنحك إياها كمنحة خاصة.
نظر كايل إلى الشوكولاتة ثم أطلق زفيرًا ساخرًا.
“أبعديها عني.”
“أوه!”
بسبب دفعته الباردة، طارت الشوكولاتة في الهواء وسقطت على العشب. التقطتُها بسرعة؛ لحسن الحظ لم تتسخ كثيرًا.
“قاعدة الثلاث ثوانٍ!”
هتفتُ دون وعي وأنا أمسح الشوكولاتة، مما جعل كايل يعقد حاجبيه باستنكار.
“ماذا؟”
“…أعني أنها بخير إذا التُقطت في غضون ثلاث ثوانٍ. على أي حال، إن كنت لا تريدها فلا بأس، لكن لماذا دفعت يدي؟ من يهدر الطعام ينال عقابًا من السماء، أتعلم؟”
قلتُ ذلك وأنا أفكر في طفل مثله من المؤكد أنه ذاق مرارة الجوع كثيرًا.
قسمتُ الشوكولاتة لنصفين، وضعتُ الجزء الصغير في فمي، وحشرتُ الجزء الأكبر بين شفتي كايل الذي كان متجمدًا من الذهول.
بدأت الحلاوة تذوب على لساني.
تحرك فك كايل الذي كان عابسًا، وابتلع قطعة الشوكولاتة فجأة.
توقعتُ أن يبصقها بغضب، لكنه لم يفعل. يبدو أن الطفل يظل طفلًا في النهاية.
ابتسمتُ له برضا.
“مذاقها جيد، أليس كذلك؟”
“ليست كذلك.”
أجاب بجفاء وتابع سيره، لكنني شعرتُ أن عدائيته قد خفتت قليلاً؛ والدليل الواضح أن سرعته قلت بحيث أصبح من السهل عليّ ملاحقته.
“كيف عرفتِ اسمي؟”
سأل كايل فجأة بعد فترة من الصمت، رغم أنه هو من تجاهل أسئلتي سابقًا.
فكرتُ في تجاهله لـأغيظه، لكنني قررتُ الصبر لأنني أحتاج إليه.
“أنا أخت صديق السيد داريوس. أخي يدعى سايمون، هل تعرفه؟”
“لا أعرفه، ولا أتحدث مع ذلك الوغد.”
نعم، كما توقعت.
حتى في بداية الرواية، لم تكن العلاقة بين الأخوين جيدة. وبما أننا الآن بعيدون عن بداية الأحداث، فمن المنطقي أن تكون علاقتهما متوترة…. فهما في النهاية أخوان غير شقيقين.
كنتُ غارقة في أفكاري لدرجة أنني كدتُ أصطدم بظهر كايل الذي توقف فجأة.
لقد وصلنا إلى مخرج المتاهة، وبدا مبنى القصر الذي غادرناه قبل قليل واضحًا أمامنا.
“اذهبي وحدكِ من هنا.”
أشار كايل برأسه بلامبالاة.
“شكرًا لأنك أوصلتني.”
“…..”
“كايل!”
ناديته بسرعة قبل أن يغادر، متجاهلاً شكري.
“لقد أخبرتكِ ألا تناديني بـ…..”
“أنا جائعة أيضًا. سأحضر بعض الطعام لنأكله معًا.”
“…..لا أريد.”
“لا ترفض، انتظرني هنا تمامًا!”
ركضتُ نحو القاعة قبل أن يرفض مجددًا.
في البداية، كنتُ أتقرب منه كأنني أحاول الفوز بشخصية في لعبة، لكنني الآن شعرتُ برغبة حقيقية في إطعام هذا الصغير حتى يشبع.
بصفتي أحمل روحًا كورية تؤمن بأن “قوة المرء في طعامه”، لا يمكنني ترك طفل جائع، حتى وإن كنتُ أعلم أنه سيصبح عملاقًا قوي البنية في المستقبل.
دخلتُ القاعة وبدأتُ أبحث بين الطاولات عن طعام يشبع، لكن لم أجد سوى الحلويات والمقرمشات. قررتُ التوجه للمطبخ.
لحسن حظي، وبسبب صغر حجمي، تمكنتُ من التسلل إلى الداخل دون أن يلحظني أحد.
اختبأتُ تحت إحدى الطاولات حتى غادر الطهاة، ثم تسللتُ إلى مستودع المكونات.
رغم حماسي في البداية، شعرتُ بتردد بسيط وأنا أهم بـسرقة الطعام.
‘كلا، أنا أطعم ابن صاحب هذا المنزل، كيف تكون هذه سرقة؟’
بهذا المنطق، تلاشى شعور الذنب تمامًا.
فردتُ قطعة قماش بيضاء نظيفة ووضعتُ فيها خبزًا كبيرًا، مربى، زبدة، شرائح لحم، جبنًا وبعض الفواكه.
ربطتُ الصرة بإحكام، وبما أن يداي كانتا مشغولتين، وضعتُ تفاحة في فمي، وخرجتُ من المطبخ بخفة النينجا.
كانت عملية ناجحة تمامًا.
إلى أن اصطدمتُ بداريوس مباشرة عند باب المطبخ.
التعليقات لهذا الفصل " 2"