2
كانت روايةُ <بعد الرّحيلِ لا ينفعُ النَّدم> مثالًا تقليديًّا لقصصِ النَّدم.
أميرةُ الإمبراطوريّةِ الوحيدة، لِيليانا روك، التي تكالبت عليها صنوفُ الشقاءِ حتّى وُضِعت في مأزقٍ قاسٍ.
كانت هيَ البطلةَ المسكينةَ لهَذهِ الرواية.
أبٌ مات فجأةً.
وأخٌ أكبرُ خرج إلى الحربِ فانقطعت أخبارُه.
وفي غيابِ عمادِ العائلة، صارت أسرةُ روك فريسةً لذئابٍ جائعة.
ولأجلِ حمايةِ عائلتِها التي تُحبّ، أقدمت لِيليانا على اختيارٍ يُبدّلُ مسارَ حياتِها كُلَّه.
كان ذَلكَ هوَ الزّواجُ مِن جِريميون وِيندر، ابنِ أسرةٍ ثريّةٍ حديثةِ النِّعمة.
كان جِيرميون يحمل لقبَ كونت، غيرَ أنّه يفتقرُ إلى الشَّرَفِ العريق، إذ لَمْ يكُن مِن دمٍ نبيل، بل مُتَبَنًّى مِن عامّةِ الناس.
كان بحاجةٍ إلى امرأةٍ ذاتِ نسبٍ رفيع، فاختار لِيليانا.
زواجُ عقدٍ أُبرِم بدافعِ الحاجةِ المتبادلة.
غيرَ أنّ ثمّةَ مَن كانت تُذيقُ لِيليانا، التي صارت كونتيسةً دون أنْ تعلمَ خفايا الأمور، ألوانَ العذاب.
‘أذلكَ الحُثالةُ كنتُ أنا؟’
عند إدراكي لهَذهِ الحقيقةِ التي لا تُصدَّق، سقطتُ في اليأس.
فانيسا وِيندر، أي حَماةُ لِيليانا، كانت أعظمَ شريرةٍ في أحداثِ الرواية.
لا تربطُها بجِيرميون صلةُ دمٍ، ولا قامت فعلًا بدورِ الأُمّ، ومع ذَلكَ تصرّفت كحماةٍ نمطيّةٍ كما في وسائلِ الإعلام.
‘منذُ البدءِ، كيفَ يُعقَل أنْ تؤدّي دورَ الأُمّ وهيَ تكبرُ ابنَها بستِّ سنواتٍ فحسب؟’
فانيسا كانت زوجةَ أبي جِيرميون الشابّة، ولذلكَ لَمْ يكُن بينهما فارقُ عُمرٍ يُذكَر.
وعلى أيِّ حال، كانت تستدعي لِيليانا متى شاءت لتُسيءَ إليها، وتستغلّها في شتّى الأعمال، وتُمعِنَ في إيذائِها.
“يا بُنيّتي، الحساءُ مالحٌ. أتنوين تسميمي بإدمانِ الملح؟”
“يا بُنيّتي، أهذا ما تُسمّينه هديّة؟ لابُدَّ أنّ عينيكِ في باطنِ قدميكِ.”
“أأناديكِ يا بُنيّتي فتظنّين نفسَكِ حقًّا مِن أهلِ عائلتِنا؟”
بلغَ مِن كثرةِ إيذائِها أنّني، وأنا أقرأُ الرواية، كدتُ أُصابُ بـ’عُصابِ يا بُنيّتي’.
عاشت لِيليانا شعورًا خانقًا بالغُربةِ تحتَ اضطهادِ حَماتِها المُستمرّ.
“ما دُمتُ في هَذا المكان…… فسأبقى غريبةً إلى الأبد.”
غيرَ أنّ ما كان يُنهِكُ لِيليانا حقًّا أمرٌ آخَر.
إنّه بطلُ الرواية، جِيرميون.
أعظمُ مآسي لِيليانا أنّها وقعت في حُبِّ الرجلِ الذي سيصيرُ زوجَها.
‘حتّى عندما سنحت لها لاحقًا فرصةُ فسخِ الزواج…… اختارت البقاءَ إلى جانبِ جِيرميون.’
لكنّ حياتَها الزوجيّةَ التي بدأت بالأملِ كانت أبعدَ ما تكونُ عن أحلامِها.
فجِيرميون كان زوجًا ميؤوسًا منه.
‘حسنًا، أليسَ أبطالُ رواياتِ النَّدم نادرًا ما يكونون أسوياء؟’
لَمْ يتدخّل قطّ حين كانت حَماتُها تُعذّبُها، بل تركها لمصيرِها، ولم يحمِها مرّةً واحدةً مِن قسوةِ الحياةِ في بيتِ الزوجيّة.
بل أكثرُ مِن ذَلك.
كان يصدّها عن بابِه كلّما أتته، ويعاملُها كأنّها غيرُ مرئيّة.
وإذا استهانَ الناسُ بزوجتِه، اكتفى بأنْ يضحكَ معهم.
‘يا لَهُ مِن أحمق…… مهما كانت روايةُ ندمٍ، أيجوزُ لزوجٍ أنْ يفعلَ هَذا بزوجتِه؟’
لَمْ تكُن تصرّفاتُه بدافعِ عجزٍ اجتماعيّ، بل كان يعلمُ عذابَها ويتعمّدُ القسوة.
كان ذَلكَ نتيجةَ عقدةِ نقصٍ تُلازمه بسببِ أصلِه.
فهوَ مهما حاولَ لَنْ يمحوَ وصمةَ كونه مُتَبَنًّى مِن عامّةِ الناس، بينما لِيليانا وُلدت بنسبٍ نبيل، فاشتعلَ في صدرِه الحسد.
أعمَت عقدةُ النقصِ بصيرتَه، فلم يُدرك أنّه في الحقيقةِ يُحبّها.
ولَمْ يفهم مشاعرَه إلّا بعد أنْ هربت.
وكان أوّلُ ما فعله لتكفيرِ ذنبه أنْ قتلَ فانيسا.
“مهما كنتِ أُمّي، لَنْ أغفرَ لكِ أنْ تمسّي زوجتي.”
يا لهُ مِن تأخّرٍ فجّ، إذ تظاهر بالجهلِ طويلًا، ثمّ قتل فانيسا فجأةً.
وبعد أنْ تخلّص مِن سائرِ الأشرارِ واحدًا تلوَ الآخَر، عاد فاجتمع بلِيليانا.
‘…… ذَلكَ وحدَه لَنْ أسمحَ به!’
ما إنْ استحضرتُ أحداثَ الروايةِ حتّى صرختُ وسقطتُ إلى الخلف.
‘سيدتي؟ أأنتِ بخير؟ سيدتي! لقد أُغمِيَ عليها!’
‘أحضِروا طبيبًا! أنتَ هناك! أسرِع!’
وبين حلقةِ الخدمِ التي أحاطت بي، أغمضتُ عينيّ وفقدتُ الوعي.
كان وقعُ الحقيقةِ أثقلَ مِن أنْ أحتمله.
أصُدمتُ لأنّني شخصيّةٌ تموتُ على يدِ ابنِ زوجي؟
لا، ذَلكَ لَمْ يكُن يعني لي شيئًا.
فمِنذُ البدءِ، كانت وقاحةُ جِيرميون مضربَ المثل، وكنتُ أُدركُ أنّ يومًا سيأتي فيه عليّ.
الحصولُ على دليلٍ قاطعٍ الآن لَمْ يُغيّر شيئًا.
سببُ صدمتي كان……
‘أمعقولٌ أنْ تتزوّجَ لِيليانا بابنِ ذَلكَ الأحمق……؟ مستحيل!’
حين قرأتُ الرواية، كنتُ أرى جِيرميون شابًّا بلا لياقة.
هوَ مَن اقترح زواجَ العقد، ثمّ أذاق لِيليانا الطيّبةَ المرارة!
كنتُ في زمنِ القرّاء أُفضّل لِيليانا أكثرَ مِن الجميع، لذا لَمْ أرتح يومًا لجِيرميون.
‘حتّى حين رأيتُه يتدحرجُ تكفيرًا عن ذنوبِه، لَمْ يهدأ غضبي.’
لكنّ النهايةَ كانت سعيدةً، فأقنعتُ نفسي بأنّهما ثنائيٌّ مناسب.
غيرَ أنّني، بعد أنْ صرتُ أُمَّ جِيرميون، انقلبَ تفكيري رأسًا على عقب.
‘أنقولُ إنَّ جِيرميون يُناسب لِيليانا؟ هراء. منذُ البدءِ، هوَ لَنْ يكونَ صالحًا للزّواج. طبعُه فاسد!’
الروايةُ التي أثارت غضبي لم تكُن سوى نسخةٍ مخفّفة.
أمّا جِيرميون الحقيقيّ فكان أسوأَ بمئةٍ وثلاثِ مرّاتٍ بالضبط.
ومادمتُ قد عرفتُ حقيقتَه، فلَنْ أسمحَ بزواجِه مِن لِيليانا.
‘أأدعُ حياةَ فتاةٍ يافعةٍ تُدمَّر؟ لا بُدَّ أنْ أُفشِلَ هَذا الزواجَ بأيِّ ثمن.’
كنتُ أعلمُ جيّدًا، بعد قراءتي للرواية، كم اجتهدت لِيليانا في حياتِها.
كانت مرحةً، تحاولُ ألّا تفقدَ ابتسامتَها مهما اشتدّت المِحن.
ومادمتُ أعلمُ صلابةَ معدِنِها…… فلا حاجةَ لأنْ أتركَ في حياتِها وصمةً تُدعى ابني.
‘إنْ لَمْ أستطعْ أنْ أمهّدَ لها طريقًا مُزهرًا، فعلى الأقلّ أمنعُ عنها طريقَ الأشواك.’
وهكذا قرّرتُ.
سأُحطّمُ زواجَهما!
‘ولحُسنِ الحظّ، أنا في موضعِ الحَماة…… يا لها مِن نعمة.’
لو كنتُ مجرّدَ صديقةٍ للبطلة، لكان الأمرُ أصعب، لكنّني كنتُ الحَماةَ ذاتَ السمعةِ السيّئة.
وقد اعتدتُ دورَ الشريرةِ حتّى السّأم.
تفريقُ خطيبينِ لَمْ يُحبّا بعضَهما بعدُ أمرٌ يسيرٌ عليّ.
‘حادثةُ وقوعِ لِيليانا في حُبِّ جِرميون لَمْ تحدث بعد…… ممتاز! أستطيعُ إيقافَ الزواج.’
وما إنْ أفقتُ مِن إغمائي حتّى أمرتُ خادمًا فورًا.
“هاتِ إليّ كُلَّ ما يتعلّقُ بلِيليانا روك دونَ أنْ تُسقِطَ شيئًا.”
“نعم؟”
“ألم أقلْ إنّني لا أُعيدُ كلامي مرّتَين؟”
“أ، أعتذر! سأتحرّى الأمرَ حالًا!”
استوقفتُه قبل أنْ يفرّ، وأضفتُ:
“وتحرَّ بدقّةٍ خاصّةٍ عن مقدارِ الدَّينِ الذي يجبُ على أسرةِ روك تسديدُه.”
“نعم! مفهوم!”
وغادر مسرعًا.
وبقيتُ وحدي أُطلقُ ضحكةً خافتةً كشريرةٍ حقيقيّة.
“…… هوهوهوهو!”
لا أعلمُ كم يبلغُ الدَّين، لكن……
‘إذا كان الأمرُ تبذيرَ مالٍ، فأنا واثقةٌ بنفسي جدًّا.’
سواءٌ أكان مئةَ مليارِ شيلينغٍ أم ألفَ مليار، فليأتِ ما يأتي!
سأقضي على ذَلكَ الدَّينِ كُلّه!
—
وهكذا وصلنا إلى الحاضر.
بحثتُ في شأنِ لِيليانا بجدّ، فعلمتُ أنّ على أسرةِ روك دينًا قدرُه أربعةُ ملياراتٍ وثمانمائةِ مليونِ شيلينغ.
‘في وضعٍ عاديّ…… لكان سدادُه يسيرًا، لكنّ الظّروفَ سيّئة.’
فأسرةُ دوقِ روك العريقةُ كانت تمرُّ بأزمةٍ غيرِ مسبوقة.
الوارثُ تريستان خرجَ للحربِ وانقطعت أخبارُه منذُ خمسةِ أشهر.
والدوقُ نفسه تُوفّي فجأةً قبل شهرَين.
ولَمْ يبقَ في القصرِ إلّا لِيليانا الساذجة.
هربَ الذراعُ الأيمنُ للدوقِ بأموالِ الأعمال، وتنازعَت الفروعُ الجانبيّة.
رغم أنّها لَمْ تتلقَّ تدريبًا كامِلًا كوريثة، بذلت لِيليانا جهدَها في خضمِّ الأزمة.
استقرّت الأوضاعُ نسبيًّا، لكنّ دينَ الأربعةِ ملياراتِ وثمانمائةِ مليونٍ ظلَّ قائمًا.
‘ثروةُ آلِ روك تكفي لسدادِه…….’
غيرَ أنّ لِيليانا لَمْ تكُن الوريثة، فصلاحياتُها الماليّةُ محدودة.
كما أنّ الأموالَ السائلةَ قليلةٌ بسببِ هروبِ الرجلِ المقرّبِ.
حاولت طلبَ العونِ مِن خارجِ العائلة، لكنّ الأُسرَ التي كانت على وِدادٍ معها تجاهلتها، كأنّهم تواطؤوا.
ولم يبقَ أمامها سوى ابني، جِرميون وِيندر.
اتّفقا على زواجٍ بعد ثلاثةِ أشهرٍ مِن المواعدة، مقابلَ سدادِه الدَّين.
وهنا تبدأ أحداثُ <بعد الرّحيلِ لا ينفعُ النَّدم>.
‘لكنّ ذَلكَ صارَ ماضيًا الآن…….’
حدّقتُ في كأسِ النبيذِ مرّةً أُخرى، والسائلُ الأحمرُ يتمايلُ بين أصابعي.
كأنّي أرى حكايةَ الروايةِ تتكسّرُ بخُطّتي.
“هوهوهوهو…….”
لا روايةَ أصليةَ بعد الآن، ولا أحداثَ ولا ندمًا مُثقِلًا.
فلِيليانا أخذت شيكاتي البالغةَ عشرةَ ملياراتِ شيلينغ.
وستنهي علاقتَها بجِيرميون، فتختلفُ حياتُها عن الأصل.
“هَيّا يا لِيليانا، امضي في طريقِ الزهور!”
رفعتُ نخبًا جديدًا، أحتفلُ وحدي بحياةِ البطلةِ التي ستتبدّل.
غيرَ عالمةٍ بما ينتظرُنا مِن أحداث.
التعليقات لهذا الفصل " 2"