1
مُنذُ اللّحظةِ التي عقدت فيها لِيليانا العزمَ على الزّواجِ مِن الكونتِ وِيندر، كانت تتوقّعُ دومًا أنْ يأتيَ مِثلُ هَذا اليوم.
رفعت بصرَها، وعلى وجهِها مسحةُ توتّرٍ خفيف، تُحدّقُ في الشّخصِ الجالسِ أمامها.
‘أهذهِ هيَ صاحبةُ السُّمعةِ تلكَ……؟’
امرأةٌ تزيّنت بعشراتِ الجواهرِ التي كادت تُعمي الأبصار، وقد انسدلت شَعراتُها البنفسجيّةُ الناعمةُ على كتفيها، وارتدت فستانًا فخمًا متدفّقًا.
غيرَ أنَّ كُلَّ ذَلكَ البذخِ كان يخبو أمامَ ملامحِ وجهِها.
كان أيُّ امرئٍ لا بُدَّ أنْ يندهشَ مِن سِحرِها الفاتن ويُطلقَ زفرةَ إعجابٍ عند أوّل نظرة، غيرَ أنَّ لِيليانا اضطُرّت إلى كبحِ نفسها.
ففانيسا وِيندر لم تكُن سوى المرأةِ التي ستُصبِحُ حَماتَها.
“…… أشكُرُكِ على استدعائي إلى القصر، يا أُمّي. أنا لِيليانا روك.”
انحنت لِيليانا، وهيَ في غايةِ التوتّر، ثمّ أخذت تُراقبُ تعابيرَ فانيسا بحذرٍ مُفرِط.
لم يكُن أمامها خيارٌ آخَر.
فالأمرُ لم يكُن مُجرّدَ لقاءٍ أوّلٍ بوالدَي خطيبِها.
بل لأنَّ المرأةَ التي ستُصبِحُ حَماتَها كانت مشهورةً في المجتمعِ الأرستقراطيّ بكونِها شريرةً مُتسلّطة.
وبينما كانت لِيليانا تتفحّصُ ملامحَ فانيسا بحذر، باغتَها شعورٌ مُرّ.
لم تكُن تتوقّعُ ترحيبًا، غيرَ أنّها أيضًا لَمْ تتخيّل أنْ تُبغَضَ إلى هَذا الحدّ.
ومِن تقطيبِ جبينِ فانيسا الشّديد، بدا أنّها قد وُسِمت في قلبِها سلفًا.
“يا… يا أُمّي.”
“……”
“كان ينبغي لي أنْ آتيَ لأُحيّيكِ أوّلًا، أعتذرُ لأنّني تأخّرت.”
تجرّأت لِيليانا وخاطبت فانيسا مرّةً أُخرى، على أملٍ أنْ تلينَ ملامحُ حَماتِها المُرتقبة ولو قليلًا.
لكنّ محاولتَها ذهبت سُدًى.
“يبدو أنّكِ واقعةٌ في وَهمٍ كبير.”
قالت فانيسا، وهيَ تعقدُ ساقًا فوقَ أُخرى بنبرةٍ استفزازيّة، وتُحدّقُ فيها ببرود.
ابتلعت لِيليانا ريقَها الجافّ عند سماعِها تلكَ الكلماتِ المُقلِقة.
“…… نعم؟”
“لِمَ تظنّين أنّني دعوتُكِ اليوم؟”
“ذَلكَ… أنا…….”
مُنذُ أنْ تلقّت رسالةً تأمرُها بزيارةِ قصرِ وِيندر، ولِيليانا تعيشُ في قلقٍ مُستمرّ.
[تعالي إلى قصرِ وِيندر. مِن الأفضلِ أنْ تُبقي الأمرَ سرًّا عن ابني.]
رسالةٌ لم يُذكَر فيها اسمُ المُرسَلِ إليه.
غيرَ أنّ الجملةَ القصيرةَ كانت حافلةً بالدّلالات.
التنبيهُ بألّا تُخبِرَ الابنَ وحدَه كان كافيًا ليُنبئَ بأنَّ النيّةَ لَمْ تكُن حسنة، غيرَ أنّ لِيليانا تعمّدت تجاهلَ ذَلك.
‘ألا يُعقَل…… أنْ تطلبَ منّي الانفصالَ……؟’
ذَلكَ وحدَه لَمْ يكُن مقبولًا.
كان لا بُدَّ أنْ تتزوّجَ جِرميون بأيِّ وسيلة.
وإلّا فلَن تجدَ سبيلًا لسدادِ ذَلكَ الدَّينِ الهائلِ الذي ظهر فجأةً.
ابتهلت في سرّها أنْ يكونَ حدسُها خاطئًا، لكنَّ الرّبَّ لَمْ يكُن في صفِّها.
“أفترضتِ حقًّا أنّكِ تُناسبين ابني؟”
هوَت الكلماتُ الحادّةُ فوقَ رأسِها كالسّوط.
أغمضت لِيليانا عينيها بإحكام، وتفوّهت بما يشبهُ العذر.
“أعلَمُ أنّ الكونتَ وِيندر يفوقُني قدرًا. لكن…….”
“لا أرغبُ في سماعِ المزيد. لن أُطيل.”
صفّقت فانيسا بأصابعِها صفقةً خفيفة، فتقدّمت وصيفةٌ كانت تقفُ خلفها، ووضعت على الطاولةِ ظرفًا سميكًا كثيفًا كأنّه موسوعة.
كان ثقلُه شديدًا حتّى خُيّل أنّ له وَقعًا مُدوّيًا.
وضعت فانيسا يدَها عليه، ثمّ دفعت به نحوَ لِيليانا.
وأخيرًا لفظت الكلماتِ التي كانت أبغضَ ما يُمكِن سماعُه.
“انفصلي عن ابني. هَذا المالُ كافٍ، أليسَ كذَلك؟”
أطبقت لِيليانا شفتيها، يغمرُها الخزي، وأعادت الظرفَ المملوءَ بالشيكات.
“يا أُمّي. لا أستطيعُ قبولَ هَذا المال. لا يُمكِنني أنْ أُفارِقَه.”
لكنّ الردَّ جاء صاعقًا.
“مَن تكونُ أمُّكِ؟ أيتها البائسة!”
ومع صرخةٍ كادت تمزّقُ الطبول، رفعت فانيسا رُزمةَ الشيكات وصفعت بها خدَّ لِيليانا.
صفعة!
تمزّق الظرفُ، وتناثرت الشيكاتُ في الهواء.
انهمرت كالمطر.
وفي عاصفةِ الأوراقِ المتطايرة، عجزت لِيليانا عن احتمالِ الصدمة، فسقطت جاثيةً على الأرض.
تلّون خدُّها المحمَرُّ بلونٍ قانٍ.
غيرَ أنّ مظهرَها الشّفوق لَمْ يُحرّك في فانيسا ساكنًا، إذ ظلّت على برودِها القاسي.
“اعتبري الأمرَ مُنتهيًا.”
ألقت عبارتها كشوكةٍ مسنونة، ثمّ استدارت.
تَق… تَق…
تباعد صوتُ كعبَيها شيئًا فشيئًا، ثمّ أُغلِق الباب.
تركت فانيسا لِيليانا وحيدةً في صالونِ الاستقبال وغادرت.
“……”
ظلّت لِيليانا تُحدّقُ في الموضعِ الذي اختفت فيه حَماتُها المُرتقبة، ثمّ وضعت يدًا على خدِّها المُؤلم.
كان احتراقُه يُذكّرُها ببؤسِ حالِها.
‘ليسَ لأنّه زواجٌ جيّدٌ في نظري.’
كان جِرميون وِيندر رجلًا وسيمًا لا شكّ في ذَلك، لكنّها لَمْ تُحبّه، وكذلك هوَ.
هيَ نبيلةٌ تُثقلُها ديونٌ جسيمة، وهوَ ثريٌّ حديثُ النِّعمةِ بلا مكانةٍ عريقة.
كُلٌّ منهما يحتاجُ إلى خلفيّةِ الآخَر.
زواجُ عقدٍ قائمٌ على المصلحةِ المحضة.
غيرَ أنّ مواجهتَها هَذا الموقفَ أشعلت في صدرِها شعورًا بالظّلم.
‘…… مع ذَلك، عليَّ أنْ أتحمّل.’
فلولا هَذا الزواج، لَمَا وجدت سبيلًا لسدادِ الدَّينِ فورًا.
‘لو كان أخي الأكبرُ هنا…… أكانَ سيتغيّرُ شيءٌ؟’
لو كان أخوها الكفءُ حاضرًا، لعلّه وجد حلًّا في مثلِ هَذهِ الأزمة.
لكنّ ذَلكَ كان حدَّها.
لقد بذلت كُلَّ ما في وُسعِها لسدادِ دينٍ بلغ أربعةَ ملياراتٍ وثمانمائةِ مليونِ شيلينغ.
طرقت أبوابَ النبلاءِ الذين كانت على وِدادٍ معهم، وراجعت المصارفَ طالبةً قرضًا.
غيرَ أنّ الجميع، كأنّما تواطؤوا، صدّوها ببرود.
وحدَه جِرميون وعدَ بالمساعدة، بشرطِ زواجِ عقدٍ.
‘لا بُدَّ أنْ أحصلَ على عونِ جِيرميون…… وإلّا فإنَّ عائلتَنا…….’
تداخلت خيوطُ القضيّةِ العائليّةِ في ذهنِها حتّى داهمها الدّوار.
كانت تحتاجُ هَذا الزواج.
مهما لحقَ بها مِن مهانة، لَمْ يكُن أمامها خيارٌ آخَر.
تنفّست بعمق، وجثت على الأرضِ تجمعُ الشيكاتِ المتناثرةَ واحدةً تلوَ الأُخرى.
لن تنفصلَ عن جِرميون، لذا قرّرت أنْ تُعيدَ المالَ كما هوَ وتتركَه على الطاولة.
غيرَ أنّ أمرًا غريبًا لفت انتباهَها.
“أ… أهذا……؟”
مهما التقطت، لَمْ ينتهِ الأمر.
تجاوز العددُ ثلاثمائةِ شيكٍ، وما زالَ الكثيرُ مُتناثرًا.
استمرّت في الجمعِ ساعاتٍ لا تدري كم مضى منها.
وحين لَمْ يبقَ شيكٌ واحدٌ على الأرض، بدأت تحسبُ المبلغَ على عجل.
شهقت حين رأت عددَ الأصفارِ الذي يُعجزُ عن العدّ.
‘…… يا إلهي. إنّه عشرةُ ملياراتِ شيلينغ.’
حدّقت في الرُّزمةِ بذهول.
بهذا المبلغ، يُمكِن سدادُ ديونِ عائلتِها كُلّها، بل ويبقى فائض.
بعبارةٍ أُخرى…… كان مالًا يفوقُ أنْ يُرفَض.
—
“ما الذي حدثَ مع لِيليانا؟”
سألتُ، فأجاب الخادمُ الذي كان يُعدّ المُقبّلات فورًا.
“غادرت بعد أنْ أخذت رُزمةَ الشيكات. وحرصنا، تحسّبًا لأيِّ اعتداءٍ في الطريق، على إيصالِها بأمانٍ إلى قصرِ دوقِ روك.”
“حسنٌ، أحسنتَ التصرّف هَذهِ المرّة.”
نادِرًا ما أمدح، فبان الارتياحُ على وجهِه.
يبدو أنّه كان يخشى أنْ أُثيرَ شغبًا جديدًا.
‘أأُثيرُ شغبًا في يومٍ كهذا؟ يا لَحماقته.’
راقبتُه بصمتٍ، فيما امتلأ الكأسُ الزجاجيُّ الفارغُ تدريجيًّا بالنبيذِ الأحمر.
“يكفي. انصرف.”
لوّحتُ بيدي، فأنهى عملَه وانحنى.
“أتمنّى لكِ ليلةً هانئة، يا سيدتي.”
صرير—
أُغلِق الباب، وبقيتُ وحدي في غرفةِ النوم.
أي آنَ أوانُ رفعِ نخبِ الاحتفال!
“نخبُ الفراقِ الجميلِ بين البطلةِ والبطل!”
همستُ بفرحٍ خافت، ثمّ قرعتُ الكأسَ في الهواءِ وارتشفتُ النبيذَ دفعةً واحدة.
كم تعبتُ لأجلِ هَذا اليوم!
واستحضرتُ، بمشاعرَ خاصّة، ما جرى في الأيّامِ القليلةِ الماضية.
—
كان ذَلك قبل أسبوعٍ فقط.
حين أدركتُ أنّني في الحقيقةِ شخصيّةٌ داخلَ رواية.
في ذَلكَ اليومِ أيضًا، كنتُ أعبثُ كعادتي.
ولِمَ لا؟ فسمعتي كسليطةٍ طائشةٍ كانت حياتي اليوميّة.
‘أتراهُ في عينَيكَ نبيذًا معتّقًا ثلاثين عامًا؟ سأقتلعُ عينيكَ عديمتَي الفائدة!’
غضبتُ مِن النبيذِ الذي جلبه الخادمُ خطأً، وهممتُ بإلقاءِ الكأسِ كعادتي.
كنتُ أنوي قذفَه نحوَ الحائط، فأنا وإنْ كُنتُ شريرةً، لَستُ أعتدي على الناس.
غيرَ أنّ النبيذَ المُنسكب جعل يدي تنزلق.
‘آه!’
ارتفع الكأسُ عاليًا، ثمّ هبط ليصيبَ صدغي.
طَق!
تردّد صوتٌ مكتومٌ في غرفةِ الطعام.
وانسكب النبيذُ اللزجُ على شعري وجسدي.
في العادةِ كنتُ سأثورُ غضبًا، غيرَ أنّني جلستُ ساكنةً أرتّبُ أفكاري.
ففي لحظةِ الاصطدام، أدركتُ أنّ هَذا العالمَ عالمُ رواية.
‘هاهاهاها…… مستحيل!’
ضحكتُ ضحكةً غريبةً، فهرع الخدمُ نحوي.
‘يا، يا سيدتي. هل أنتِ بخير؟ أحضروا طبيبًا! بسرعة!’
‘سيدتي……
سيدتي!’
‘اصمتوا! يكفي، اصمتوا!’
صرختُ فيهم، فتجمّدوا في أماكنِهم.
بدا عليهم الذهولُ إذ لَمْ أُثر شغبًا كعادتي، لكنّني لَمْ أملك وقتًا للاهتمامِ بهم.
فلِمَ تكُن فانيسا وِيندر……
شخصيّةً ثانويّةً عاديّةً، بل حَماةَ البطلةِ الشريرة!
التعليقات لهذا الفصل " 1"