وضعتُ الصينيّة التي جلبتُها على منضدة المطبخ، وهممتُ بالاستدارة لأغادر، فإذا برجلٍ يناديني فيُوقِفُني.
ثمّ، وسط ضجيج خَدَمِ المطبخ المنشغلين، سُمِعَت خُطًى تقترب منّي.
“أنتِ، افتحي فمكِ قليلًا وقولي: «آه».”
“نَعَم؟”
“ليس «نَعَم»، قولي «آه».”
وقبل أن أفهم ما المقصود، اندفعت يدٌ فجأةً وأمسكت بفمي محاولةً فتحه بالقوّة.
“أُمم!”
“قلتُ لكِ افتحي فمكِ!”
“أُممم!”
ما هذا الموقف أيضًا؟
أخذتُ أقاوم بكلّ ما أملك، محاوِلةً دفع الرجل بعيدًا عنّي.
لكنّ قوّتَه كانت هائلة، حتّى إنّي لم أستطع الإفلات من قبضته.
“… هذا غريب حقًّا، من المؤكّد أنّ أحدًا قد سرق وأكل.”
تمتم الرجل بصوتٍ مستغرِب بعد أن تفحّص داخل فمي، ثمّ سحب يده.
بصقتُ الطعمَ المالح الذي علق على لساني وقطّبتُ وجهي بشدّة.
تُفّ تُفّ، آه، حقًّا!
“إن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا الصحن نظيف هكذا؟”
غير آبهٍ بردّة فعلي، عاد الرجل يتمتم، ثمّ باغتني بالاستجواب.
“اعترفي بالحقيقة! أنتِ من سرق طعام السيّد الشاب وأكلته خِلسةً، أليس كذلك؟”
ما الذي يقوله هذا الرجل أصلًا؟
“أليس لديكَ عينان لترى؟ طوال هذه المدّة، كان السيّد الشاب يُعيد الطعام دون أن يلمسه! لكن اليوم، ها هو الصحن فارغ تمامًا!”
على أثر كلامه، تحسّستُ بأطراف أصابعي الصحن الذي كنتُ قد وضعته قبل قليل.
الطبق الذي جلبتُه من غرفة كاليوس كان فارغًا فعلًا، نظيفًا تمامًا.
في الحقيقة، منذ بدأتُ العمل في بيت الدوق، لم أرَ كاليوس يلمس طعامه ولو مرّة واحدة.
كان بالكاد يتناول وجباته، وإذا اشتدّ به الجوع حتّى لا يحتمل، اكتفى بتفّاحةٍ أو قطعة خبزٍ صغيرة ليسدّ بها رمقَه.
‘أيعقل أن يُساء الظنّ بالناس إلى هذا الحدّ؟ لعلّه اليوم كان جائعًا فأكل قليلًا!’
هممتُ أن أحتجّ بوجهٍ ممتعض، لكنّ شخصًا آخر تدخّل من قريب وهو يصيح.
“هيه، هاريسون! لا فائدة من استجواب هذه الخادمة، إنّها عمياء.”
“عمياء؟”
ردّد الرجل الكلمة بدهشة، ثمّ شعرتُ بريحٍ تمرّ أمام وجهي.
قال الرجل بعد أن لوّح بكفّه أمام عينيّ يمينًا ويسارًا.
“صحيح إذًا؟ تبا، يا لسوء الحظّ.”
نفض الرجل يديه نفضًا.
“يبدو أنّها لم تسرق شيئًا، لعلّها تعثّرت في مكانٍ ما وسكبت كلّ شيء.”
استنتج هاريسون الأمر وحده، ثمّ، ومع صوتِ قعقعةٍ، حمل الصحن الفارغ وغادر المكان.
كان تصرّفه كما لو أنّ الحديث معي لا يستحقّ مزيدًا من الوقت.
‘…’
والمؤلم أنّ هذا النوع من المعاملة صار مألوفًا لديّ إلى حدّ الملل.
ففي هذا العالم، تُعَدّ الإعاقة كأنّها «عقابٌ إلهيّ» أو «جزاءٌ على ذنب».
وحتّى لو طالبتُ بالإنصاف هنا، غالبًا ما أُواجَهُ بالإشارة واللوم، أو أقع في ورطةٍ أسوأ.
تُفّ.
بصقتُ مجدّدًا ذلك الإحساسَ المزعِج في فمي، ثمّ استدرتُ.
يبدو أنّ عليّ أن أذهب فورًا لأغسل أسناني.
—
“آه… ما هذا الإحساس المقرف…”
بعد أن فركتُ أسناني حتّى كادت لثّتي تتآكل، صعدتُ إلى غرفة كاليوس.
لكن، قبل أن أصل إلى باب الغرفة، سمعتُ صوتًا أوقف خُطاي.
طِنْ!
صوتٌ مألوف، يجعل الصدر يبرد رعبًا.
‘لا… لماذا…’
فتحتُ الباب على عَجَلٍ وأنا أحمل في قلبي قلقًا ثقيلًا.
“اخرجي! قلتُ اخرجي!”
تعالى صراخ كاليوس، ومعه سُمِعَ صوتُ شيءٍ يتحطّم إلى شظايا.
“س، سيّدي الشاب!”
وكان هناك صوتٌ آخر يحاول تهدئة كاليوس، صوتُ رجلٍ لم أسمعه من قبل.
أسرعتُ إلى داخل الغرفة.
“سيّدي الشاب! أرجوكَ، اهدأ!”
كان المشهد في غاية الفوضى.
فكاليوس، الذي كان قبل قليل هادئًا إلى درجة أنّه كان يستفزّني، صار الآن يهيج ويُحطِّم كلّ شيء بلا سببٍ واضح.
وفجأةً، ومع صوتِ ارتطامٍ مكتوم، صرخ الرجل الذي كان يحاول منعه.
لا شكّ أنّ شيئًا طار فأصابه مباشرةً.
بدأت خُطى الرجل المذعورة تقترب من باب الغرفة حيث أقف.
كان يتلمّس الجدران مترنّحًا كمن يبحث عن مخرج، وبعد أن اصطدم بأشياء عدّة، وصل أمامي.
وقبل أن أتمكّن من الابتعاد، اصطدم بي وسقط أرضًا.
“مَ، من هناك؟”
سأل الرجل بصوتٍ مضطرب.
“أنا خادمة السيّد الشاب كاليوس. ما الذي يحدث؟ هل فتحتَ الستائر؟”
سألتُه بنبرةٍ أقرب إلى الاتّهام، فأجاب بصوتٍ مرتبك.
“س، ستائر؟ أنا فقط جئتُ لأُبلِغ السيّد الشاب بمحتوى رسالةٍ وصلت من الأماميّة!”
رسالة؟
“أيّ رسالة هذه التي جعلته يغضب إلى هذا الحدّ؟ لقد كان بخيرٍ قبل قليل!”
“الأمر هو…”
قال الخادم وهو يلهث.
“إنّها رسالة من أكاديميّة السيّد الشاب. يقولون إنّه إن استمرّ في الغياب عن الدراسة، فلن يكون أمامهم سوى فصله…”
الأكاديميّة؟ فصل؟
في اللحظة التي سمعتُ فيها كلامه، طفا إلى ذهني خيطٌ باهت من أحداث الرواية الأصليّة.
‘صحيح… بسبب داء الجنون الضوئي، اضطرّ كاليوس إلى ترك الأكاديميّة الإمبراطوريّة التي كان يداوم فيها طبيعيًّا.’
ولم يتمكّن بعدها من العودة إلى المدرسة أبدًا.
وكان لمعنى هذه الأكاديميّة، بالنسبة إلى النبلاء، وزنٌ كبير جدًّا.
فالتخرّج منها يُعَدّ طقسَ عبورٍ لا بدّ منه قبل نَيل اللقب، كما أنّ العلاقات التي تُبنى فيها تتحوّل لاحقًا إلى تحالفات داخل طبقة النبلاء.
لهذا السبب، وبعد اندلاع المرض، تدخّل دوق ليفانيون من وراء الستار مدّةً ليحول دون فصل ابنه.
لأنّه لم يكن يريد الاعتراف بأنّ ابنه الوحيد أُصيب بمرضٍ ملعون كهذا.
فأراد، بأيّ وسيلة، أن يُعالَج ابنه ويعود كما كان.
لكن، ومع مرور نصف عام، لم تتحسّن حالة كاليوس، بل ازدادت سوءًا يومًا بعد يوم.
وعندها فقط، اضطرّ الدوق إلى الاعتراف بالحقيقة.
بأنّ مرض ابنه الوحيد قد لا يُشفَى أبدًا.
وبأنّ عليه أن يسارع إلى البحث عن وريثٍ بديل.
‘وفي تلك العمليّة، أُقصيَ كاليوس طبيعيًّا خارج دائرة اهتمام الدوق.’
أي إنّ تلك الرسالة التي جاء بها الخادم الآن كانت بمثابة إعلانٍ غير مباشر عن تخلّي الدوق فعليًّا عن علاج ابنه.
“لا أحتاج شيئًا! اخرجوا جميعًا!”
تعالى الصراخ في الظلام، وبدأت الأشياء تطير في كلّ مكان.
امتلأت الغرفة بأصوات التحطّم والانكسار من كلّ جهة.
كان كاليوس يغرق في يأسٍ أعنف من أيّ وقتٍ مضى.
وهو واقعٌ قاسٍ إلى حدّ لا يُحتَمَل على فتى كان مستقبله مشرقًا ومضمونًا كصغير دوق ليفانيون.
“سيّدي الشاب!”
تزحزحتُ زحفًا نحوه، متفاديةً الأشياء المتطايرة.
“سيّدي الشاب، أرجوكَ اهدأ!”
“ابتعدي عنّي!”
صرخ كاليوس بشراسة.
لكنّني لم ألتفت، وتلمّستُ طرف كُمّه وأمسكتُ به.
كنتُ أتوقّع أن ينزع يدي بعنف، لكنّه لم يفعل.
بل توقّف عن الحركة كلّيًّا، ثمّ انهار على الأرض ببطء، كمن استسلم لكلّ شيء.
“انتهى الأمر… انتهى كلّ شيء…”
قالها بصوتٍ واهن، يائس.
“… لم أعد أستطيع الخروج خطوةً واحدة… ولا خطوةً واحدة…”
كان يتمتم كمن فقد روحه، ثمّ خيّم الصمت فجأةً، فانتفض قلبي بسوء ظنّ.
“سيّدي الشاب؟”
هززتُ كتفَه وأنا أناديه، لكن لم يأتِني جواب.
“سيّدي الشاب؟ سيّدي الشاب!”
صرختُ باتّجاه الخادم الجالس عند الباب.
“أحضِروا الطبيب، بسرعة!”
—
كان هناك زمنٌ، كانت فيه الدنيا ملوّنةً أمام عينيّ.
في حياتي قبل التقمّص.
سماءٌ عالية زرقاء، وعالمٌ يكتسي بالخُضرة، أو يغطّيه الثلج الأبيض، ووجوه العائلة والأصدقاء.
كان العيش وسط كلّ ذلك أمرًا طبيعيًّا جدًّا.
إلى أن فقدتُ بصري في كلتا عينيّ فجأةً، في حادثٍ مفاجئ حين بلغتُ العشرين.
ذلك الحادث قلب حياتي رأسًا على عقب.
لماذا حدث هذا لي أنا بالذات؟ ماذا سيحلّ بي الآن؟
تحت موجات اليأس المتلاحقة، لم أستطع الخروج من البيت لأكثر من نصف عام.
‘هل ستبقين بلا طعام هكذا؟ أأُحضِر لكِ شيئًا تأكلينه يا ابنتي؟’
‘لا شهيّة لي.’
تبدّلت شخصيّتي تمامًا في لحظة.
‘عليكِ أن تأكلي ولو بالقوّة.’
‘لستُ جائعة.’
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"