ارتفعت ثقةُ ماركوس بنفسه إلى عنان السماء بسبب أسلوب الدوق الذي بدا وكأنه يعامله كخليفته الجديد في بيت الدوقية.
ولم يكن ماركوس وحده من يفكر بهذه الطريقة.
فقد كان موظفو بيت الدوق يرمقونه بأنظار لم يسبق لهم أن أظهروها من قبل.
لقد كان أسلوبهم في مخاطبته أكثرَ من مجرد احترامٍ عابر للشاب القادم من فرعٍ بعيد.
ولم يزعج ماركوس هذا المعاملة، بل على العكس، كان يتمتع بها.
‘لعل كل شيء سيتضح اليوم في قاعة الرقص، عندما يراني الدوق واقفًا إلى جانبه.’
ابتسم بخبثٍ في صدره وهو يرفع بصره تجاه الرجل الواقِف بجانبه.
هناك، وقف دوق لايفانيون صامدًا بوجهٍ جامدٍ، بلا أيّ تعبير.
لمّا رأى ماركوس ذلك، التقط كأسًا من يد أحد الخدم المارّة وقدمَه له.
“دوقي، لا بد أنك عطشان أثناء استقبال الضيوف، تفضل قليلاً.”
لاحظ ماركوس طاقةً غريبةً في نظرة الدوق التي كانت تحدّق فيه.
“……حسنًا.”
تلقّى الدوق الكأس الذي قدمه ماركوس بلا تردد.
شعر ماركوس بالفخر ثم نظر حوله إلى النبلاء في قاعة الرقص.
فارتسمت على وجوه البعض الدهشة، وتبادلوا الحديث فيما بينهم بحماسٍ واضح.
‘سيكون هذا الأمر محيرًا لهم، هل يقفون إلى جانبي أم يبقون قرب كاليـوس.’
لم يكن هذا مهمًّا، فطالما ظل كاليـوس محبوسًا في غرفته، فسيكون هو الفائز بلا منازع.
ظلّ ماركوس يتحدث مع الدوق ويستقبل الضيوف برزانةٍ واثقة.
وسرعان ما تجمع حوله بعض النبلاء الذين كانوا يراقبونه بانتباه، وكأنهم قرأوا أفكاره.
كان بينهم العديد من أفراد العائلات التي خدمت بيت الدوق لعدة أجيال.
“يا للهول! ماركوس لايفانيون، ابن شقيق الدوق!”
“ماركوس، لم أرَك منذ مدة طويلة، وقد كبرت كثيرًا، ويبدو عليك المظهر الرجولي الواضح.”
كانت هذه المرة الأولى التي أبدى فيها النبلاء اهتمامهم بماركوس.
استمتع ماركوس بالترحيب وأجابهم بانحناءةٍ رسمية متظاهرًا بالوقار.
حين شعر بأن الجو بدأ يحمّس، خاطبه أحد البارونات من الخلف بودّية.
“ماركوس، إذا كنت ستقيم في بيت الدوق طوال الصيف، فما رأيك بزيارة بيتنا لبضعة أيام؟ المسافة ليست بعيدة، وأبني في سنك، فلن تشعر بالملل.”
واصل البارون حديثه متطلعًا إلى قبول ماركوس العرض.
“ابني الأكبر في نفس سنك، وهو يدرس الآن في الأكاديمية الملكية.”
فجأة رفع ماركوس رأسه بغضبٍ وصاح في البارون.
“لا يهمني أي أكاديمية يلتحق بها ابنك!”
حلت الصمت الفوري حوله بسبب ردّه الحاد غير المتوقع.
ثم تنحنح ماركوس قليلًا محاولًا تخفيف الجو.
“……حسنًا، وكما تعلم، سأبقى إلى جانب عمي لأتعلم الكثير، فلا أظن أنني سأجد وقتًا لزيارة منزلك.”
تراجع البارون محرجًا، واختفت محاولات إقناع ماركوس.
لاحظ النبلاء الآخرون ما حدث، ولم يجرؤ أحد على تكرار ذكر الأكاديمية.
رفع ماركوس كأسه مستمتعًا بهذا الصمت، شاعًرًا وكأن كل شيء صار بين يديه.
في تلك اللحظة…
صرير الباب-
انفتح باب القاعة فجأة، على الرغم من أنه كان مغلقًا بإحكام.
صاح أحد الخدم في القاعة بصوتٍ مدوٍّ.
“……هو قادم!”
على الرغم من الضوضاء، كان الاسم يتغلغل في أذن ماركوس كالصاعقة.
التفت ماركوس بسرعة مذهولًا.
‘ماذا؟! هذا مستحيل!’
لكن عينيه لم تخدعاه.
ظهر كاليـوس لايفانيون مرتديًا بدلةً رسمية مكوية، وهو يمشي بثبات نحو الداخل.
ولم يظهر عليه أيّ أثر للمرض.
‘كيف لهذا الفتى، الذي حُبس في غرفته طوال الأشهر الماضية، أن يكون هنا…؟!’
حتى بعد أن رمش بعينيه، ظل كاليـوس واقفًا، بثقةٍ وهدوء.
شعرت أعين النبلاء المتأخرين بوجوده، وبدأت الهمسات تتصاعد بينهم.
“كاليـوس؟”
“قالوا إنه مريض…”
لكن لا شيء من ذلك وصل إلى أذن ماركوس، فكل شيء صار في صمته.
ظهر الصغير الذي غاب عن الأنظار في أهم لحظةٍ لإظهار خليفته الجديد.
كان ذلك كافيًا لتحطيم فرحة ماركوس.
—
انفتح باب القاعة على مصراعيه، وارتجف كاليـوس من شدة الضوء الساطع الذي انهمر عليه.
‘لا ترتجف كثيرًا، يا فتى، فستؤدي مهمتك على خير.’
لمع بريقٌ لطيف في عينيه الخضراوين، وكأنه يبعث بالطمأنينة.
تذكر كلمات ليزي وتشجيعها، فاستقر قلبه فجأة.
خطى إلى داخل القاعة بثقة، ونظر إليه الحاضرون بدهشة.
‘انظروا! إنه كاليـوس الصغير!’
‘سمعنا أنه كان مريضًا؟’
‘كنت أسمع أنه قد توفي بالفعل!’
ابتسم كاليـوس ساخرًا في داخله، متفاجئًا من الشائعات السخيفة حوله.
رفع رأسه ليواجه الجميع، مؤكدًا حضوره الحقيقي.
وكان جسده على ما يرام، فالمسكنات القوية التي وفرها الطبيب قلّلت من الألم، حتى لو كان سيعود لاحقًا.
‘مدة تأثير الدواء ساعة تقريبًا… عليّ إنهاء كل هذه الشكوك قبل انتهاء الوقت.’
سار كاليـوس بثبات نحو الدوق.
“كاليـوس.”
نهض الدوق من مكانه واستقبله بصوتٍ هادئ، وابتسامةٍ خفيفة تعكس رضًا داخلي.
“لم أكن أتوقع حضورك للحفل.”
التعليقات لهذا الفصل " 29"