تعجّبت بعضُ الخادمات، وكأنّ القرار لم يقع في نفوسهنّ موقع القبول.
“أحقًّا… ستتسلّم المتدرّبة ذلك المنصب؟”
أجابت ميليسا بنبرةٍ جليّة: “نعم، هذا ما قرّره السيّد كاليـوس، وقد صادق المالك على ذلك أيضًا.”
وبعد جوابها القاطع، لم تجرؤ الخادمات على إضافة كلمة واحدة.
قالت ميليسا: “من الآن فصاعدًا، لم تعُد ليزي خادمةً مؤقّتة، بل أضحت الخادمة الرسميّة للسيد الصغير، فعاملوها بما يليق بزميلةٍ لكم.”
كان في حديثها صرامةٌ لا تخطئها الأذن.
ولعلّها كانت تدرك أنّ بعض الخادمات اعتدن إهمالي.
ثم التفتت إليّ مباشرة: “وبناءً على ذلك، يا ليزي، ستنتقلين قريبًا إلى غرفةٍ أخرى، فغرفتك الحالية ضيّقة ومؤقّتة.”
ناولَتني مفتاحًا جديدًا، وأشارت إلى أنّ غرفتي المقبلة ستكون قريبة من غرفة كاليـوس.
ثم شدّدت بنبرةٍ أشدّ: “أنتِ تعلمين ما يعنيه هذا، يا ليزي. أي تهوّرٍ منكِ قد يسيء إلى سمعة السيّد على الدوام.”
أجبتها: “نعم، يا مديرة الخدم.”
كان صوتها أشدّ حزمًا من أي وقتٍ مضى، فانحنيتُ إجلالًا.
قالت: “حسنًا، هذا كلّ ما يخصّ اجتماع الصباح. انصرفوا!”
توقّفت الفوضى التي أحدثها الخبر المباغت لحظة، ثم تفرّق الخدم على عجل تحت وطأة صوت ميليسا الصارم.
—
صرخت ماري بامتعاض: “لقد بلغتُ حدّي! أشعر وكأنّ ذراعي ستنفصلان عن جسدي!”
وقذفت العصا التي كانت بيدها بعصبيّة.
كانت أجسادهنّ واهنة بعد يومٍ كامل من الغسيل.
نظرت دوروثي إلى يديها المتشقّقتين بأسى: “انظروا إلى يديّ! تزداد قبحًا يومًا بعد يوم!”
لمحت الخادمات الأخريات شكواهنّ، فاستبدّت بهنّ الغيرة والحسرة، غير أنّه لم يكن في وسعهنّ حيلة.
فقد ذاعت أخبار طردهنّ من مواقعهنّ ووصولهنّ إلى غرفة الغسيل في أرجاء القصر.
بل إنّ بعضهنّ حاولن العودة إلى مواقعهنّ السابقة، لكن مديرة الخدم وبّختهنّ بالعصا قبل أسابيع قليلة.
‘لن نتصرف بطيشٍ بعد الآن!’
ظلّ صدى تلك الكلمات يتردّد في رؤوسهنّ.
وما زالت آثار الضرب بادية على ساقيهما.
قالت ماري بغيظ: “كيف يجرؤ السيّد على هذا؟ خدمناه بإخلاص لعامين!”
غير أنّ كاليـوس تجاهل وفاءهنّ، وطردهنّ بلا أدنى شفقة.
ثم أردفت ماري: “كلّ هذا بسبب تلك الفتاة العمياء!”
حدّقت في الفراغ كأنّني أقف أمامها، وعيناها تقدحان شررًا. “لا بدّ أنّها أشعلت الفتنة!”
وكان ما فجّر سلوكهنّ العنيف خبرًا صاعقًا بلغهنّ حديثًا.
‘أسمعتنّ؟ ليزي سوان صارت الخادمة الرسميّة للسيّد!’
‘وماذا عنّا الآن؟ سنغدو بلا قيمة، كالدُّمى الممزّقة!’
حين بلغهنّ ذلك، اشتعل الغضب في صدري ماري ودوروثي.
قضتا اليوم بأكمله تتحمّلان سخرية الخادمات الأخريات، وهنّ يطحنّ أسنانهنّ من الغيظ.
قالت ماري وهي تقضم أظافرها: “مهما كان الثمن، يجب إخراج ليزي من القصر لنُطفئ نار غضبنا.”
سألتها دوروثي بهدوءٍ حذر: “وكيف تنوين فعل ذلك؟”
أعملتا الفكر طويلًا، لكنّ حلًّا لم يخطر ببالهنّ.
وكان لقاؤهما بليزي قد قلّ كثيرًا بسبب انشغالهما بالغسيل طوال النهار.
وفي تلك اللحظة، مرّ أمامهنّ شخصٌ ما، إنّه براندن، خادم كاليـوس.
تبدّلت ملامح ماري ودوروثي في الحال.
وسمعت ماري نفسها تقول بابتسامةٍ ماكرة: “انتظري… لديّ فكرة جيّدة.”
—
بعد زيارة الدوق لايفانيون لكاليـوس، تبدّل الكثير.
أوّلًا، تغيّر وضعي من خادمةٍ مؤقّتة، فحظيت غرفتي بترقيةٍ كذلك.
كانت غرفتي السابقة ضيّقة كالمخزن، بالكاد تتّسع لسرير، أمّا الآن فنلت غرفةً مضيئة لها نافذة.
وكان حجمها قريبًا ممّا امتلكته في حياتي السابقة، فشعرت براحةٍ كبيرة.
‘حقًّا، هذا قصر… حتى الخادمات يوفّرون لهنّ غرفًا مهيّأة.’
وأمرٌ حسنٌ آخر، أنّ الحصول على أحجار السحر صار أيسر.
فعلى الرغم من وجود منجمٍ للأحجار السحريّة، لم يكن قريبًا من القصر، لكنّ الأحجار الفاسدة كانت تصل بانتظام.
لم تكن تكفي لإنارة القصر كلّه، غير أنّها جعلت غرفة كاليـوس أكثر إشراقًا.
وبفضل ذلك، صار عمل الخدم أهون بكثير.
قال أحد الخدم: “هل تحسّن حال السيّد الآن؟ في السابق كان يثور لمجرّد فتح نافذة.”
وقال آخر: “لا، ما زال فتح الستائر ممنوعًا، ولا يُسمح باستخدام الشموع أيضًا.”
“نعم، لا بدّ من الاكتفاء بالضوء المنبعث من هذه الأحجار.”
كانت الخادمات يتفحّصن الأحجار الجديدة بدهشة وفضول.
ورغم عودة الخادمات المختصّات بالاستحمام والتنظيف، ظللت أنا وحدي أخدم السيّد.
قالت ليزي في سرّها: ‘حقًّا، لا أفهم لِمَ يرفض استخدام الأحجار إلا عند الضرورة.’
وأوضح كاليـوس: “هذه الأحجار مؤقّتة، ومرضي لم يُشفَ بعد. عليّ أن أتدرّب في ظلامٍ دامس تحسّبًا لأي طارئ.”
‘واو…!’
كان منطقه مقنعًا، ففي الرواية الأصلية كان يتدرّب على التحمّل ومواصلة السير رغم الألم.
قلت في نفسي: ‘حسنًا، لا مفرّ من هذا.’
—
بعد الفراغ من الطعام، جاء كاليـوس وأمر بإحضار الأحجار ليقرأ على ضوئها.
قلت بدهشة: “حقًّا؟”
نادرًا ما كان يجلب الأحجار إلى غرفة نومه، لكنّه أراد القراءة فحسب.
أحضرت له القارورة التي تحوي الأحجار، ففتح كتبه وشرع يقرأ.
‘آه، سأجلس بلا عمل من جديد.’
لم يكن لديّ ما أفعله سوى الجلوس وصناعة السلال.
وفجأة، تثاءب كاليـوس.
قال لي: “أهكذا تفتحين فمك عند التثاؤب؟”
بادرتُ بإغلاق فمي بخجل.
سألته: “ولِمَ تنظر إليّ بدل أن تواصل قراءة كتابك؟”
أجاب: “وكيف لا أنظر وأنتِ تفتحين فمك على هذا النحو؟”
حرّكت رأسي حياءً، وقد اعتدتُ العيش معه في غرفةٍ مظلمة فقط، حيث أستطيع التثاؤب بحرّيّة وأرقبه بعينين مفتوحتين…
قلت: “آسفة، لم أدرك أنّك سترى ذلك…”
فصاح: “ماذا؟ أكنتِ تتصرّفين هكذا طوال الوقت لأنك تظنّين أنّني لا أراك؟”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 19"