“…ولِمَ إذًا؟”
لم أستطع كبح نفسي أخيرًا، فسألتُ.
لا بأس.
منذ الأمس قررتُ أن أكون طفلة جريئة لا تعرف الحدود.
“لماذا لم تحضن أبي قط؟”
“…لأنني لم أرد أن أربيهم مدلَّلين.”
بصوت يحمل مرارة خفيفة، استطرد الإمبراطور:
“أولئك الأبناء هم أمراء من سلالة آينهالت العظيمة، يجب أن يكونوا قدوة للآخرين في كل حين، وأن يحافظوا على كبريائهم دائمًا.”
“…”
“لذا لم يكن بوسعهم أن يعيشوا حياة أطفال عاديين. وكان هذا جزءًا من تلك الحياة.”
“لكن…”
نظرتُ إليه مباشرة في عينيه الزرقاوين وقلتُ بصراحة:
“أنت نفسك كنت طفلًا في النهاية، أليس كذلك يا جدي؟”
“…”
“لو مُنعتُ من احتضان آبائي لأنني أميرة، فسأحزن حزنًا عظيمًا.”
كيف للطفل الصغير أن يدرك أنه أمير، أو كيف ينبغي أن تكون كرامة الأمير؟
وحتى لو أدرك…
“الفهم شيء، والشعور بالغبن شيء آخر تمامًا.”
مجرد التفكير في الأمر يجعل دموعي تكاد تسيل من الظلم!
“…”
سكت الإمبراطور طويلًا، ثم أغمض عينيه ببطء وفتحهما مجددًا.
من الأسفل، بدا وجهه غارقًا في التأمل العميق.
“…هل كان الخطأ يبدأ من هناك إذًا؟”
تمتم أخيرًا، كأنه يبحث في أعماقه عن سبب انهيار علاقته بهارجين.
“أنا أرى الأمر بطريقة مختلفة.”
مهما يكن، هل مجرد هذا كافٍ ليجعل أبي يكره الإمبراطور إلى هذا الحد؟
“ربما…”
قد يكون سببًا من بين أسباب عديدة، لكنه ليس السبب الجذري على الأرجح.
“إذًا…”
ما دمنا قد وصلنا إلى هنا، فلأستزيد من المعلومات.
سألتُ بأكثر طبيعية ممكنة:
“وهل علاقتك سيئة مع أعمامي الآخرين أيضًا؟”
باستثناء بيرتولت، هل ولي العهد الذي لم أقابله بعد على خلاف مع الإمبراطور كذلك؟
غريب، فمعلومات عن ولي العهد شبه منعدمة.
كل ما أعرفه أن بيرتولت هو الأمير الثاني، إذًا هناك أخ أكبر منه.
“هذا…”
تردد الإمبراطور لحظة، ثم أجاب:
“لا، لم يكن الأمر كذلك على ما أظن.”
“أوه؟”
“مع الآخرين على الأقل، لم تكن علاقتي متوترة كعلاقتي بهارجين، كأننا نسير على جليد رقيق.”
ثم شرد بنظره بعيدًا، كأنه يستعيد ذكريات قديمة:
“مع والدكِ كنت دائمًا أشعر أن شيئًا ما غير متناغم.”
“غير متناغم…؟”
“كان يصدر منه تصرفات لم أستطع تقبلها أبدًا في ذلك الوقت، كأنه يتعمد استفزازي.”
“…”
“بل إنه كان يكثر من الكذب أيضًا. أنا… لم أستطع تحمل تلك التصرفات حقًا.”
فغرتُ فاهي من الصدمة.
هارجين… يكذب؟!
“هذا كمن يقول إن أمي قبيحة!”
باختصار: مستحيل تمامًا!
“إذًا احتمال أن تكون علاقتهما من تدبير بيرتولت يزداد كثيرًا.”
لو كان بيرتولت يُفرّق بينهما عمدًا، فمن المنطقي أن تصل علاقة أب وابنه إلى هذا الحد.
وأنا بالفعل شعرتُ بشيء مريب.
“أبي…”
إذا كان بيرتولت هو من فرّق بينهما، فإن أعدتُ أنا الوصل بينهما الآن،
هل أستطيع أن أعيد له شيئًا من طفولته المفقودة؟
حتى لو اختفى بيرتولت، هل يمكن لأبي أن يصبح أسعد قليلاً… مع أمي؟
“أبي يعتقد أن جدي يكرهه كثيرًا.”
قلتُ بصوت صافٍ مليء بالأمل الصغير:
“لكن من وجهة نظري، جدي لا يكره أبي أبدًا.”
لولا ذلك، لما استمر في إظهار هذا القدر من الندم.
صحيح أن كلامه يبدو أحيانًا كأنه يتعمد استفزاز أبي.
“لو عرف ذلك الولد هذا مثلكِ، لكان ذلك رائعًا.”
همس وهو يداعب رأسي بقوة أكبر هذه المرة.
فضيّقتُ عينيّ على شكل مثلثات.
“لكن!”
أنا سيسيليا ميلر، أجرأ طفلة في العالم.
ما أريد قوله، سأقوله مهما كان.
حتى لو كان الطرف الآخر إمبراطورًا!
“أن تتمنى أن يفهمك أبي من تلقاء نفسه، هذا طمع منك يا جدي.”
قلتُ بصوت أكثر جرأة ووضوحًا:
“نحن نصدّق كلام أمهاتنا وآبائنا حرفيًا.”
توقّع أن يدرك الطفل مشاعرك الخفية دون أن تعبر عنها = طمع أبوي بحت.
حتى أنا الذكية لا أفهم قلب أمي وأبي دائمًا.
“ألا تعبر عن شيء وتطلب من الآخرين أن يفهموا لوحدهم، هذا جبن عظيم جدًا.”
بيرتولت هو المجرم الرئيسي صحيح، لكن هذا لا يمنح الإمبراطور براءة كاملة.
بمعنى آخر:
“لأن أبي يكرهك، ليس من حقك أن تغضب منه بنفس الطريقة.”
هذا خطأك كاملاً!
مهما امتنعت عن ضربه جسديًا، فإهمال الطفل إهمال صريح.
صحيح أن هذا العالم لا يعترف بهذا المفهوم بعد،
وبالأخص في قصر إمبراطوري كهذا، فالمفهوم أضعف بكثير.
منذ زمن بعيد، يتربون على أن “الأمير يجب أن يحافظ على كرامته دائمًا”، و”لا يُدلّل نفسه أبدًا”.
والإمبراطور ربّى هارجين بنفس الطريقة التي رُبّي بها.
لكن…
“هذا لا يشفي جروح أبي هارجين أبدًا.”
أبي لم ينل الحنان الذي كان من حقه، فصارت حياته هنا كابوسًا بالنسبة له.
“وبالإضافة إلى ذلك!”
واصلتُ وأنا أحدّق بعينين مفتوحتين على وسعهما:
“سمعت أنك وصفت أمي وآبائي بـ”عصابة من المهرجين”! هذا كلام قاسٍ جدًا!”
“مـ… من أين عرفتِ ذلك…؟”
اتسعت عينا الإمبراطور من الصدمة.
فنفختُ أنفي بشموخ.
من أين؟
من الرواية بالطبع!
“…في ذلك الوقت كنت قلقًا حقًا هل يستطيع هؤلاء الخمسة وحدهم هزيمة ملك الشياطين.”
تنهد الإمبراطور طويلاً ثم تكلم كأنه يعترف بخطيئة:
“من كان يظن أن خمسة أشخاص فقط يستطيعون هزيمة عدو عجزنا عنه لمئات السنين؟”
نعم، هذا صحيح…
لكن أن تخلق جوًا ثقيلًا ثم تقول “عصابة مهرجين”؟ طبعًا سيفهمونها شتيمة، كيف يفهمونها قلقًا؟
“اسمع يا جدي.”
على أي حال، فهمتُ أمرًا واحدًا:
الإمبراطور ألين بكثير مما يبدو.
تحركتُ قليلاً وعدلتُ جلستي حتى أواجهه وجهًا لوجه، ثم فتحتُ عينيّ البراقتين:
“هل لي أن أقول كلمة واحدة فقط؟”
“قولي اثنتين إن شئتِ.”
“واحدة تكفي.”
لأنها جوهر الكلام.
هززتُ رأسي بحزم ووضعتُ يديّ على خصري.
قد يبدو جريئًا جدًا أن أقول هذا لإمبراطور، لكن لا يهمني الآن.
أنا طفلة محبوبة جالسة على ركبة الإمبراطور!
أكون جريئة أينما كنت!
“مشكلتك في طريقة كلامك.”
“هم؟”
“منذ الأمس، كل ما تقوله يُغضب أبي فقط.”
كنت أظن أنك تتعمد استفزازه.
“هل تريد أن تتشاجر مع أبي؟”
“كلا…”
“فلمَ تتكلم هكذا إذًا؟”
“لأن أسلوبي في الكلام من الأصل—”
“لا يوجد شيء اسمه أسلوب من الأصل!”
هززتُ رأسي يمينًا ويسارًا.
حتى لو سلّمنا مئة مرة أن أسلوبك كذلك منذ البداية…
“المهم هو المجهود!”
“…المجهود؟”
“أبي كايل مثلاً؟ لا يستطيع أن ينطق جملة بدون شتم!”
نظرتُ في عينيه الزرقاوين المميزتين وأعطيته مثالًا:
“لكنه قال إنه لا يجوز أن يشتم أمامي، فزرع في جسده اختراعًا من صنعه بنفسه.”
“اختراعًا؟”
“جهاز يحول كل شتيمة إلى صوت “بيييب”.”
لابد على الأقل أن يبذل هذا القدر من المجهود حتى يُقال له “حاول على الأقل”.
“هل تحتاج واحدًا أنت أيضًا يا جدي؟”
أطلب من أبي كايل نسخة معدلة: كل كلمة سيئة تتحول إلى أغنية؟
أكيد سيضحك ويصنعها فورًا.
“لا… لا داعي.”
هز الإمبراطور رأسه ببطء، وجهه يقول “لقد سئمتُ”.
ثم تنهد تنهيدة طويلة وسألني مجددًا:
“في رأيكِ، ماذا يجب أن أفعل؟”
“غير الاختراع.”
“أغير الاختراع؟”
“أن…”
التعليقات لهذا الفصل " 18"