قهقه طويلًا، ثم تحسّس الطاولة بخبرة من اعتاد الشراب، ورفع كأسًا من الخمر القوي وشربه بعنف.
وبعدها وبحركة ضجرٍ نافدة للصبر، ضرب الزجاجة بالأرض فتناثرت شظاياها.
زجاجة تحوي خمرًا لا يجرؤ عفريت عادي على تذوّق قطرة منه طيلة حياته… تناثرت بائسـة على الأرض.
ولم يلبث أن لوّح بيده في الهواء مرّتين، فتقدّم رجلٌ انساب دخوله كأنه ظلّ.
اصطدمت شظايا الزجاج المتناثرة بأقدامه.
“مولاي.”
انحنى الرجل بانضباطٍ كامل رغم تأخر الليل.
نظر إليه إينرَهان وضحك ضحكة قصيرة.
“آه… نعم يا لُويد.”
لم يُبدِ لُويد وهو الاسم الذي ناداه به الإمبراطور أي انزعاج من فوضى الغرفة.
تقدم بخطوات هادئة وركع على مقربة منه.
ورغم أنّ شفتي إينرَهان ما زالتا تبتسمان، فإن عينيه الزرقاوين الباردتين حملتا شيئًا مختلفًا وهو يحدّق في لُويد من خلف خصلات شعره الذهبي المبعثرة.
“كيف حصل الأمر؟”
“لقد تتبّعنا آثارها في الكهف المهجور، ونحن نلاحقها الآن. ويبدو أنها برفقة شخصٍ ما.”
“مع من؟ …من يرافقها؟”
ابتسم إينرَهان وكأن الأمر يسليه، ثم أخذ كأسًا كريستاليًا من الطاولة وأدارها بين أصابعه.
“يبدو أنه عفريت ذكر واحد—”
كواغييكك!!
لكن ما إن نطق لُويد بذلك حتى اختفت ابتسامة الإمبراطور وتحطّم الكأس الكريستالي بين أصابعه.
سقطت قطرات من دمه الأزرق على الأرض، لكن الجرح اندمل فورًا دون أن يخلّف أثرًا.
“ألَم تنسَ؟ لا يدخل ذاك المكان مَن لم يُؤذَن له.”
زمجر بهذه الكلمات، فأجاب لُويد بعد صمت قصير:
“…نعم. غير أن المرأة البشرية قد دخلت أيضًا… لذا ربما هناك خلل في الحاجز—”
لم يكمل جملته، إذ ضرب إينرَهان الطاولة بقبضة غاضبة.
“وذاك الوغد… ماذا حدث له؟ ذاك الذي يُدعى آسْهان.”
“…تتبّعنا آثاره، لكنه اختفى فجأة من المنطقة العاشرة. لم نعثر له على أثر.”
“ربما يكون هو من يرافقها في الغابة. زدوا عدد الرجال وفتشوا المكان كله. وإن وجدتموه… اقتلوه فورًا. وإن لم يُعثر عليه خلال أسبوع… فسأتحرك بنفسي.”
“…أمرك.”
نظر إليه إينرَهان بنظرة حادّة كأنها ستشقّ عنقه، ثم تلاشت تلك النظرة الوحشية ليستند بتعب على الأريكة.
ظلّ يطرق بأصابعه الطاولة وكأنه غارق في التفكير، ثم قال بصوت خافت:
“…سمعتُ قصة الكاهنة. ذاك الـ‘هو’… ماذا حدث له؟”
“ازدادت قوته فجأة ثم خمدت مرة أخرى. لا نعلم مكانه الآن. من المريب أنه نجا أصلًا. فمنذ ثلاثمئة عام لم نشعر بوجوده مطلقًا. ويُرجّح أنه استيقظ حديثًا.”
“ابحثوا عنه وإجلبوه حيًا. سأتولى القضاء عليه بنفسي هذه المرة.”
لوّح إينرَهان بيده إشارة إلى انصرافه، فانحنى لُويد ثم اختفى كالضباب.
رفع الإمبراطور بصره إلى السماء المعتمة خلف الستائر المتموّجة بفعل الريح.
“آسْهان… يا من يُدعى ‘المتألّق’.”
اسمٌ لا يليق بعفريتٍ دنيء.
تمتم بذلك ثم ابتسم بمرارة وأفرغ زجاجة خمر أخرى في فمه.
إنه خمر ملكيّ يُقال إن جرعة واحدة منه تُغرق المرء في نشوة سعيدة… لكنه لم يشعر بأي تحسّن.
كانت الليلة حالكة، بلا قمر.
وليست ليلةً عابرة… بل الليلة التي اختارها ليشارك فيها معها روحًا ونسبًا.
قبض إينرَهان ببطء على يده اليسرى.
شعر كأنّ معصمها الرفيع، ذاك الذي كان يخشى أن ينكسر تحت قبضته، ينساب في يده كشبح.
وحين خطرت بباله عيناها السوداوان اللتان تشبهان ليلًا رطبًا، رفع يده كمن يغلق ذلك المشهد.
ظنّ أنه أمسك بها… لكنها تلاشت كما يتلاشى الدخان.
ظنّ أنه سيجدها بسهولة… يا لغروره.
لم يتوقع أن تتفلت بهذه السرعة…
“كم انتظرتُ؟”
ضحك بخفوت على سؤاله لنفسه.
بدا له غريبًا أنه ينغمس في العاطفة هكذا.
“سبعمئة عام.”
انتظر سبعمئة عام… من أجل وعدٍ تافه صغير.
“لا تبكِ، حسنًا؟ سأبقى بجانبكَ، أعدك.”
ابتسمت له في طفولته كزهرة برية، ومدّت خنصرها الصغير ليتشابك بخنصره.
“سأكون عروسك.”
ألم تقل ذلك؟
ألم تبتسم بتلك العينين الهلاليتين وتقولها؟
عضّ إينرَهان شفته، ففاض طعم الدم.
انتظرها، لكنها لم تتذكره.
ولم تمنحه ابتسامة واحدة.
وعندما قال لها “الوعد”… ارتجفت كالتي تواجه وحشًا لا تعرفه.
ابتسم بمرارة.
هل كنت أنا الوحيد الذي انتظر؟
“لكن… لا يمكنني تركها الآن.”
كيف يتركها بعد كل ذلك العذاب وكل تلك السنين؟
تنهد طويلًا واتكأ على الأريكة.
ربما… لو كانت عاجزة عن تذكّر الماضي، لكان عليه أن يقصّه عليها ببطء… شيئًا فشيئًا… وهو بجانبها.
لكنه لم يستطع فعل ذلك.
نعم… لقد ضاق صدره.
اغتاظ منها.
اغتاظ من خوفها الشاحب، ومن كونها لم تتعرّف إليه… فأصبح كطفلٍ عنيد.
كم يبدو الأمر سخيفًا.
تناول زجاجة أخرى، ولكن صورة يون اختفت، وحلّ محلها صوت الكاهنة كرنّة زجاج تُقرع بخفة.
“مولاي… لقد رأيتُ في المنام نمرين ذهبيين.”
ضحك إينرَهان ضحكة مُرة.
نمران ذهبيان…
والنمر الذهبي هو رمز العائلة الملكية.
“يا أمّاه… لقد بقي دم ذاك الخائن القذر حيًا… وبشكلٍ عنيد.”
أضاف إينرَهان ساخرًا: “أليس هذا مضحكًا؟”
ثم ارتفع طرف فمه قبل أن يتجمّد ببرود.
“لاهريت ليانير.”
ذلك اللقيط القذر… ذاك الحقير التافه.
كنتُ أظنني قد مزّقته إربًا وقتلته، فهل نجا مرة أخرى؟
قبض على الزجاجة بيده بصوت طقطقة. وتحولت الزجاجة تحت قبضته بكَسْرٍ حادّ إلى فتات يتساقط على الأرض.
أولى ملكات العفاريت عبر التاريخ… وآخر ملكة دَنّسها العار قبل أن تسقط.
أمّي.
هي النبيلة حدّ السمو، التي خانت أبي وأنجبت من علاقة ببشر… ذاك الطفل.
“على ما يبدو مهما حاولتُ تنظيف النجاسة، فهي تظلّ نجاسة. إذن لا بد من اقتلاعها حتى لا تترك أثرًا… سأحرقه هذه المرة حتى آخر ذرة.”
تمامًا كما فعلتُ بأمّي.
قال ذلك ثم لعق ببطء ما علق على شفتيه من خمر. واحمرّت عيناه الزرقاوان بالحقد.
* * *
لو أن إغماض العينين، كما في كلمات أغنية رخيصة، قادرٌ على محو كل شيء… كم سيكون ذلك جميلًا؟
أن لا حاجة للقلق، ولا للخطيئة ولا للألم الذي يسببه حنين لا ينطفئ… لو كان الأمر كذلك لكان خيرًا بكثير.
صرير—
كانت صرخة الكرسي العتيق تشق سكون الغرفة المعتمة في عمق الليل.
على سريرٍ رديء الصنع، كان آسْهان ممددًا كالميت، جسده يحترق بحرارة غير طبيعية، كأن آخر شرارة في حياته تتقد استعدادًا لتتحول رمادًا.
لامستُ وجنته الهزيلة، فاندفعت الحرارة إلى يدي.
ارتجفتُ كمن لُسع، ثم قبضتُ على يده الخشنة من جديد.
“الروح يا فتاة نبعٌ صغيرٌ جميلٌ في صدرك. وليس كل نبعٍ بحرًا؛ فالنبع إذا أُنهك جفَّ ومات. العفريت الذي يرافقك يعيش الآن على فتاتٍ من روح، ضئيلٍ حدَّ البؤس. أمّا صدرك… فيفيض بنبوعٍ يتجاوز المألوف، بينما هو… يهلك عطشًا.”
ذلك ما قاله لاكارْد وهو يخدش صدره بأظفاره كمن يصف حقيقة أليمة.
كلماته ظلت تتردد عشرات المرات في رأسي.
هربتُ من الغابة كالمجنونة تاركة آسْهان المغمى عليه خلفي.
لم أستطع العودة إلى الملك.
كنتُ أعرف حق المعرفة: لو رآه، لقتله في لحظة.
لذا اخترتُ الخروج من الغابة وطلب النجدة.
وبينما كنت أخطو بقدمين متجمدتين لا أشعر بهما، صادفت بشكل أشبه بالسحر عفريتًا ذا قرنين فضيين.
قدّم نفسه باسم لاكارْد.
عفريت غريب… لطيف مع البشر؟ كيف تسنّى لي أن ألتقي بمن سيساعدني هكذا؟
ساورني شكّ مباغت، لكن… لم يكن لدي وقت.
كنت بحاجة لأي يد تمتد نحوي.
“ساعدني… رجاءً… صديقي في الغابة… سقط… أرجوك…”
“أخرجيه من الغابة أولًا.”
وبالكاد جررتُ آسْهان إلى خارجها.
ثم ذهبنا معًا إلى منزل لاكارْد.
حين التقيته لأول مرة، قال بصوت منخفض يفيض بالفضول:
“غريب… أشُم منكِ رائحة العفاريت.”
وعندما رأى آسْهان الذي أسحبُه خلفي، انفجر ضاحكًا بدهشة:
“حقًا؟ كان عفريتًا؟ وفوق ذلك… أوه، لا تقولي إنك لم تعطيه شيئًا؟”
كلماته تلك أحرقت قلبي صدأً أسود.
“إن كانت رائحته منك قوية إلى هذا الحد، فلا بد أنه منحكِ كمية هائلة من الروح. ألا تشعرين بالأسف؟ يا لك من أنانية… أنانية بغيضة. بمقابل الروح التي قدّمها لك… ماذا أعطيتِه أنتِ؟”
ماذا أعطيتُه؟
ماذا؟
شفقة زهيدة؟
لطفًا كاذبًا؟
أملًا فارغًا؟
لم أستطع الإجابة.
كانت العاصفة داخل صدري أقوى من أن تُحتمل.
اللّوم الذي أُلقيه أنا على نفسي… ثم لوم الآخرين فوقه… جعلاني أغرق.
كيف أحمي نفسي من نقد الآخرين وأنا أعجز عن تهدئة قلبي أنا؟
القشرة القوية التي كان ينبغي أن تحميني… ذابت وانتهت منذ زمن.
فقدتُ توازني من أول رأسي إلى آخره.
أشعر وكأنني أغرق.
في ماء أسود لزج يبتلعني ببطء… أختنق ولا أستطيع حتى أن أقاوم.
وأتمنى لو أغيب عن الوعي من شدة الألم… لكن لن أستطيع.
أنا متعبة جدًا.
وحيدة جدًا.
آسْهان… أنت الذي قلت إنك تحبني، ها أنت أمامي، ومع ذلك… وحدتي تمزقني.
الفراغ في صدري يكاد يخنقني.
ليت أحدهم يحمل عني هذا الحمل… ولو قليلًا.
أنا… أنا لا أستطيع… لا أستطيع الاستمرار…
“لم أعد أعرف ماذا أفعل…”
همستُ بذلك، ثم انكمشت كطفلة وبدأت أبكي.
تساقطت دموعي فوق كفّي حتى كادت تفيض، ثم انحدرت واحدة تلو الأخرى، تتحطم فوق أرض الغرفة الخشبية.
التعليقات لهذا الفصل " 21"