“في الحقيقة، لا أتذكّر الكثير. كلّ ما بقي في ذاكرتي أنها كانت جميلةً إلى حدٍّ لا يُوصَف. امرأةً بعينين زرقاوين صافيتين واضحتين. كانت أمّي عفريتة، أمّا أبي فكان إنسانًا عاديًّا للغاية. كان أبي ماهر اليدين؛ كثيرًا ما كان ينحت قطع الخشب ويصنع لي ألعابًا. أنا… أظنّ أنني كنت سعيدًا.”
كان هذا أوّل حديثٍ له عن ماضيه، وأوّل مرّة يروي فيها قصّته.
هو قليل الكلام دائمًا، كان يجمع شجاعته لينطق بها.
أصغيتُ إليه بصمت.
لكنّ الكلمات التي تلت جعلت قلبي يتوقّف.
“ماتا. قُتِلا بوحشيّةٍ إلى درجةٍ لم يُعثر معها حتى على جثتيهما.”
لم يكن في صوت آسهان أدنى ارتجاف.
كان يتحدّث بنبرةٍ هادئة كأنّه يروي حكايةً من زمنٍ سحيق.
لكنّ صوته كان يحمل في داخله عددًا لا يُحصى من الجراح المثقلة بالحزن، كأنها تحجّرت في أعماقه.
ولذلك كان الألم أشدّ، حتى شعرتُ وكأنّ صدري يتمزّق.
بدأت خطواته تبطؤ.
وخُيّل إليّ للحظة أنّ جسده كان ساخنًا.
“بقيتُ وحدي.”
ابتسم ابتسامةً مُرّة.
“…ظننتُ أنّني اعتدتُ على ذلك. لكن لا شيء يُعتاد.”
أخرج زفيرًا كان يحبسُه. “هاه—” وتحوّل نفسه إلى بلّوراتٍ صغيرة من الجليد تفتّتت في الهواء.
كان يتحرّك ببطءٍ شديد كأنّه يجرّ قدميه.
“…قيل إنّ هناك فتاةً ستحمل نارًا دافئة إلى عفريت وحيد، تُرك وحده في عالمٍ متجمّد… حكايةٌ ساذجة، أشبه بالقصص الخرافيّة التي كانت أمّي تحكيها.”
وأخيرًا توقّف آسهان فجأة.
شعرتُ أنّ ذراعيه اللتين تحملانني قد شدّتا قبضتهما قليلًا.
“ثم التقيتُ بكِ.”
كان صوته يرتجف.
“أقدركِ. يدكِ التي مددتِها إليّ، نظرتكِ، صوتكِ… أبارك كلّ ما فيكِ……”
قالها بإلحاحٍ وبخشوعٍ عميق، ثم أخرج أنفاسه المتراكمة بصعوبة.
“أشتاق إليكِ. أريد أن أمسك يدكِ دائمًا. أريد أن أضمّكِ. أنتِ ثمينةٌ عليّ إلى حدٍّ… أنّني حتى وأنا أنظر إليكِ وحتى وأنا إلى جواركِ، لا أعرف ماذا أفعل بهذا القلب الذي يلاحقكِ، بهذا الشوق الذي ينهشني… لا أعرف، لا أعرف ماذا أفعل.”
طَرق— طَرق—
انحدرت دمعة ثم أخرى من ذقنه، لتتناثر فوق الثلج.
“لقد وقعتُ في الحب منذ اللحظة التي سمعتُ فيها صوت خطواتكِ يتردّد في موقع البناء ذلك اليوم، لا… بل منذ سمعتُ من أمّي تلك الحكاية الخرافيّة أصلًا……. وحتى لو لم تكن الفتاة في تلك القصة أنتِ، فلا بأس. لم يعد ذلك مهمًّا. حين لم يكن أحد ينظر، كانت عيناكِ أوّل من احتواني كاملًا. أنا… أنا……”
كان يلهث، يعصر صوته عصرًا وهو يقذف كلماته، ثم أخذ جسده يرتجف كحيوانٍ جريح.
“أنا أحبّكِ.”
همسها بحرقة كريحٍ توشك أن تخبو، ثم انهار ببطء فوق الثلج.
* * *
يقال إنّ الإنسان حين ينتظر نتيجة أمرٍ ما، يفكّر في احتمال الفشل كي لا يُجرَح.
لأنّ تخيّل الحزن والبؤس مسبقًا، ولو قليلًا، يجعل وقع الحقيقة أخفّ عندما تأتي.
إذ يكون قد توقّعها، ولو جزئيًّا.
كنتُ أدسّ وجهي بين ركبتيّ أحدّق في آسهان وهو يئنّ من الحمّى المرتفعة.
هل هذا مجرّد خيالي؟ أم إنذارٌ يسبق المصيبة؟
منذ أربعة أيّام لم يستطع آسهان النهوض.
ومنذ أربعة أيّام لم أذق طعم النوم.
إنّه مريض.
إنّه يتألّم.
يتألّم كثيرًا إلى درجةٍ أشعر معها أنّه… سيموت.
كنتُ أخشى إن أبعدتُ نظري عنه لحظةً واحدة أن ينكسر فجأة هكذا وينهار.
على الرغم من أنّني قضيتُ الليل كلّه إلى جواره أعتني به محاوِلةً خفض حرارته، لم يُظهر أيّ تحسّن.
في اليوم الثاني نادى اسمي بصوتٍ خافت.
“يُون، يُون“
كان يناديني ويقبض على يدي كطفلٍ صغير.
أمّا الآن، فلا استجابة منه على الإطلاق.
هل السبب هو الروح؟ لأنّه أعطاني حياته؟
الدموع التي ظننتُ أنّها جفّت عادت لتفيض بلا بدايةٍ ولا نهاية كأنّها تريد إغراقي كأنّها تدفعني إلى أعماقٍ لا أستطيع فيها التنفّس.
مسحتُ جسده المبتلّ بالعرق البارد مرارًا وضممته إليّ، لكنّه لم يعد يبتسم لي تلك الابتسامة الخجولة.
“آسهان… أرجوك……”
أرجوك افتح عينيك.
أرجوك قُل إنّك بخير.
أرجوك قُل إنّك ستتحسّن إن صبرتَ قليلًا.
كان جسده المنكمش من الألم يبدو صغيرًا جدًّا، صغيرًا إلى درجةٍ أخشى معها أن يتقلّص أكثر فأكثر، ثم يتحوّل إلى نقطةٍ صغيرة ويختفي.
في ذلك اليوم، حين بدا لي وكأنّه سيتفتّت وهو ينظر إلى خارج الكهف، لماذا لم أسأله؟ لماذا لم أسأله حقًّا إن كان بخير؟
ضممتُ وجهه وقبّلتُ شفتيه اليابستين كأوراق الشتاء مرارًا ولكن بلا جدوى.
لماذا لا ينجح الأمر؟ لماذا؟
لماذا مهما توسّلتُ واشتهيتُ لا أستطيع؟
تمنّيتُ أن تعود روحه المستقرّة في صدري إلى جسده كما تعود الطيور المهاجرة إلى أوطانها.
دعوتُ بذلك وقبّلتُه مرارًا بلا عدد، فلماذا، لماذا لا يتحرّك؟
“عُد، أرجوك عُد من جديد……. أرجوك!!”
صرختُ كأنني أمزّق صدري، واهتزّت كتفاي.
ماذا عليّ أن أفعل؟ كيف يمكنني إعادة روحك؟
لا شيء.
لم أعد بحاجةٍ إلى شيء.
“أرجوك…….”
حتى حين قبّلته مرةً أخرى كما فعل هو، ومررتُ داخل فمه بقبلةٍ مرتبكة لا أُحسنها، لم تعد روحه.
وحتى حين رفعتُ قبضتي وطرقتُ صدري المتكدّم، لم يُجدِ ذلك نفعًا.
من فمه لم يكن يتصاعد سوى نَفَسٍ حارٍّ متقطّع، كآلةٍ بخاريةٍ معطوبة.
ماذا يحدث للغلاية حين ترتفع حرارتها؟ ماذا لو لم يُطفأ اللهيب؟
سيجفّ الماء، وتحمرّ الغلاية من شدّة السخونة، ثم تحترق وتسودّ في النهاية.
وإن اسودّ هو، ذاك الذي كان كزهرةٍ تفتّحت تَوًّا، وتأكسد حتى لم يبقَ منه سوى رماد… فماذا بعد؟
كان ثقل الذنب الذي يسحقني يزداد عشرات المرّات كلّما واجهتُ دموعه، وعرقه البارد، وألمه، فيطأني ويحطّمني.
هذا مؤلم.
مؤلم كثيرًا.
كان ألمي وحدي ثقيلًا إلى هذا الحد، لكنني أدركتُ أنّه لم يكن شيئًا يُذكر.
كحلوىٍ مصفوفةٍ في خيط، كانت المصائب تتّصل ببعضها،
تصل إليّ رغمًا عني، وتُظهر جبروتها وهي تحطّم كلّ شيء بمرحٍ قاسٍ.
كان الأمر فوق الاحتمال.
فوق الاحتمال حقًّا.
دفنتُ وجهي تحت كفّه الكبيرة.
نعم، ألم أكن أعلم منذ البداية أنّ الأمر سينتهي هكذا؟
في النهاية، إلى أن أعود إلى عالمي الأصلي، لن أستطيع أن أكون سعيدة ولو قليلًا.
الأمل يتحطّم دائمًا إلى شظايا، والتوقّعات لا تمتّ للواقع بصلة.
الأحلام كانت دائمًا تجعلني حزينة.
هل هذا عقابٌ لأنني طمعتُ فيما ليس لي؟
كلمته “أحبّك” التي حفرت في أعماق صدري زعزعتني للحظة.
السلام الذي عشته معه في الأيّام القليلة الماضية كان دافئًا إلى حدٍّ موجع، سعيدًا إلى حدٍّ يقطع القلب، حتى إنني رغم قولي إنني سأرحل، كنتُ أُغلق قرار الرحيل مرارًا خلسة.
كطفلةٍ جشعة، مددتُ يدي أطمع في سلّة الحلوى الحلوة التي كانت تُلقى في حضني.
فكّري جيّدًا يا يون.
أنتِ لا تحبّين آسهان.
نعم.
أومأتُ برأسي، لكن صدري آلم كما لو أنّ جرحًا قد انفتح فيه.
ألمٌ لا يُحتمل.
لماذا تؤلمني هذه الحقيقة أكثر؟ لماذا توجعني كأنها شظايا زجاجٍ حادّة تغرز فيّ؟
[أنتِ تحلمين.]
أنا التي كنتُ قبل لقاء آسهان، أنا ذات اللون الرمادي الداكن التي كانت تهيم في يأسٍ جحيمي، خرجت من الماضي وخاطبتني.
[رغم أنّ الأحلام تؤلمكِ، ما زلتِ تُصرّين على إغماض عينيكِ وسدّ أذنيكِ والاستمرار في الحلم.]
قالتها بوحشية، ثم صرخت غاضبة في وجهي كأنّ صمتي أثار حنقها.
[ستعودين!! أنا سأعود، أقول لكِ!! فلماذا تماطلين؟! لماذا تظلّين عالقة؟! لماذا تُشوّشين كلّ شيء؟! كلّ هذا بسبب طمعكِ!! خطؤكِ أنّكِ لم تتركي آسهان منذ البداية!!]
كانت النسخة الرمادية تبصق دمًا، تكشف لي جسدها المليء بالجراح، ثم تضحك ضحكةً هستيرية.
[انظري! انظري جيّدًا!!]
الحزن، والغضب، والحقد، وتلك الكتل السوداء اللزجة التي ترفع رؤوسها بعنف، كانت تغطّي صدري كالعفن.
حتى الأرواح الفضّية التي كانت تهيم في قلبي كضباب تلك التي كانت لآسهان تعفّنت هي الأخرى، تحوّلت إلى لونٍ أرجواني، وسقطت منكمشة.
[ظننتِ أنّكِ ستتحسّنين؟ ظننتِ أنّكِ بعد أن تلقيتِ روحه لن تعودي تتألّمين؟ لا، لا! هناك طريقٌ واحد فقط. طريقٌ واحد للخروج من هذا الجحيم!!]
“أنا أعرف… أنا أعرف……”
اختنق صوتي.
أنا أعرف.
أعرف جيّدًا.
وبينما أصرخ متوسّلةً لها أن تتوقّف، كانت النسخة الرمادية تحدّق بي بنظرةٍ شرسة.
[اتركيه الآن. قبل أن يرفع طمعكِ الدنيء رأسه مجدّدًا، قبل أن يكبر إلى حدٍّ يشلّكِ تمامًا، اتركيه.]
“كيف……”
كيف أفعل ذلك؟ كيف يمكنني؟ أن أتركه وهو يحتضر؟ ثم ماذا؟ سأعيش بقيّة عمري غارقةً في الذنب، وأنا… وأنا ماذا أفعل؟
عضضتُ شفتيّ كأنني أمزّقهما.
وحين رأتني أهزّ رأسي رافضة، انفجرت النسخة التي في داخلي ضاحكة بصوتٍ عالٍ.
[انظري! يا يون، انظري إلى نفسكِ! في النهاية، أنتِ لا تهتمّين إلا بنفسكِ. لا يشغلكِ سوى خوفكِ من الذنب الذي سيعذّبكِ! نعم، فلماذا؟ لماذا لا تستطيعين؟ أنتِ قادرةٌ على ذلك وأكثر! إن لم تقطعيه الآن، إن توقّفتِ هنا، ستظلين تدورين في المكان نفسه. هو سيمسك بقدميكِ، ويحبسكِ كمستنقعٍ هائل. سيجعلكِ تلتفتين إليه دائمًا، ولن تقدري حتى على الركض.]
لم أستطع الإنكار.
ولا كلمةً واحدة.
نعم، أنا سيّئة، أنانية إلى حدٍّ مقزّز.
يأنتِ فتاةٌ بالغة السوء يا يون.
كان يجب ألّا تقبلي روحه من البداية.
كان يجب ألّا تفعلي.
أليس كذلك؟ كان يجب ألّا تلتقيه أصلًا، ألّا تكلّميه بدافع شفقةٍ سخيفة.
كان يجب ألّا ترمي إليه المال حين التقيتما مجدّدًا.
وبينما كنتُ أضحك ضحكةً ساخرة، نهضتُ مترنّحة.
“آه……”
أنّ آسهان من أعماق عذابٍ جحيمي.
حتى في ألمه كان يبحث عني؛ الأصابع التي كنتُ أمسكها قبل لحظات ارتفعت بصعوبة في الهواء، ثم سقطت كآلةٍ صدئة.
“آسهان… سيصبح كلّ شيء بخير……. سأعيده، سأعيد كلّ شيء إلى نقطة البداية. إلى البداية تمامًا. عندها سيكون كلّ شيء على ما يرام.”
حتى من أجل نفسي، لم أعد أستطيع أن أحملك أكثر.
خرجتُ من الكهف وركضتُ كالمجنونة.
نعم، كنتُ أنتمي إلى الثلج البارد أكثر من انتمائي إلى ظهر أحد.
التعليقات لهذا الفصل " 20"