لكن قبل أن أتقدّم مسافة تُذكر، أمسكت يدٌ باردةٌ قليلًا بمعصمي.
كان تباينُ أصابعه المتفحّمة وهي تُمسك بذراعي الشاحبة كدميةٍ من شمع، تباينًا صارخًا حدّ الغرابة.
كانت مفاصل أصابعه غليظة تغصّ بالمسامير لكنها طويلة في الوقت ذاته. ( تغص بالمسامير يعني ايده متل ايد العاملين او السيافين تكون قوية وعليها علامات جروح واثار )
حدّقتُ في تلك اليد بلا رمش كأنني فقدتُ الوعي، ثم رفعتُ رأسي ببطء لأتطلع إلى صاحبها.
“…….”
ماذا عليّ أن أقول؟
لم يكن رأسي معقّدًا بقدر ما كان خاليًا تمامًا؛ بياضٌ مصطنع، كأنك فركت صفحةً بممحاةٍ رخيصة حتى أوشكت أن تتمزّق، ثم إذ لم يكفِ ذلك سكبتَ عليها دلواً كاملًا من طلاءٍ أبيض لتُخفي كل شيء قسرًا.
لكن ما إن تخدش السطح بأظفرك قليلًا حتى تتدفّق الحروف التي لم تُمحَ.
لم أستطع أن أنطق باسمه.
أفلتَ يده عن معصمي ببطء.
واحدًا… اثنين… كان موضعُ كل إصبعٍ يبتعد يترك فراغًا غريبًا.
ابتعد عنّي، وجمع أصابعه قليلًا في قبضةٍ خفيفة، لا هي قبضة مشدودة ولا مرتخية، ثم سحب يده إلى الخلف.
بعد ذلك التقط الغطاء الذي كان قد سقط عن كتفي حين مددتُ ذراعي، وقد تجعّد هنا وهناك، ولفّه عليّ حتى غطّى عنقي بإحكام.
“كيف…”
تلفّظتُ بالكلمات التي بالكاد تميّزها ذاكرتي، واحدةً تلو الأخرى.
كان صوتي المتشقّق الأجشّ غريبًا عني.
“كيف… وجدتني؟“
اعوجّ وجهه على نحوٍ يصعب تفسيره؛ لا أدري أكان يبتسم أم يكاد يبكي.
ظلّ واقفًا هناك شامخًا.
“…كما أنكِ.”
كان ينظر إلى أطراف قدميه، ثم رفع رأسه.
“كما أنكِ أنتِ وجدتِني، هكذا وجدتُكِ.”
قالها بعد صمتٍ طويل، ثم ارتفعت زاوية فمه قليلًا بابتسامةٍ باهتة.
شعر بنظري إليه، فرفع يده الكبيرة الطويلة وغطّى بها عينيه.
تناثرت خصلات شعره القصير ذي اللون الفضيّ البنيّ.
“آسهان.”
حين نطقتُ باسمه أخيرًا بصوتٍ خافت ارتجفت كتفاه ارتجافةً طفيفة.
“أنا…”
لم أبحث عنك قط.
كل ما فعلتُه بك لم يكن شيئًا يُذكر.
لا أفهم كيف وجدتني ملقىً في تلك الغابة كالميّت، وكيف حملتني إلى هذا الكهف.
تقول إنك وجدتني كما وجدتُك، لكنني… لا أستطيع أن أفهم.
غير أنّ تلك الكلمات التي كانت تدور في حلقي، عجزتُ عن قذفها في وجهه بتلك السهولة.
فأطبقتُ فمي في النهاية.
مع أنه صار أطول قامةً وأكثر نضجًا منذ آخر مرة رأيته فيها، بدا وقوفه هناك هشًّا على نحوٍ مؤلم.
كأنه كان يقمع مشاعره المتدفّقة بالقوة، فاهتزّ جسده قليلًا كصندوقٍ حُشرت فيه الرياح، ثم بعد زمنٍ طويل أنزل يده عن وجهه ونظر إليّ.
“يون.”
حين نطق باسمي، فاحت منه رائحة الريح.
“في ذلك الوقت…”
امتلأت عيناه بوحدةٍ تشبه شجرةً يابسة تُركت وحيدة في سهلٍ مقفر.
عضّ شفته بخفّة.
“أندم… لأنني مع علمي بكل شيء، لم أُمسك بكِ.”
قالها كأنها زفرة ندم ثم انحنى ببطء حتى جثا وجعل عينيه في مستوى عينيّ وأنا جالسة ملفوفة بالغطاء.
احمرّت حوافّ عينيه.
“إلى حدٍّ لا تكفيه الكلمات.”
ومدّ ذراعيه ببطء وضمني إليه.
“اشتقتُ إليكِ…”
* * *
كانت الغابة شاسعة.
غابة العائلة الملكية المقدّسة التي تضاهي في اتساعها عدّة مدن.
لا يُرى فيها حتى حيوانٌ صغير؛ إذ لا يُسمح بدخولها إلا لمن نال الإذن.
كيف تمكّن آسهان من دخول هذا المكان؟
“كيف دخلتَ هذه الغابة؟“
“…لم أفعل سوى أن تبعتُ روحكِ.”
أجابني بكلماتٍ لم أفهم معناها.
رغبتُ في السؤال أكثر، لكنني قررتُ ألا أُمعن التفكير.
ما الذي يهمّ، حقًا؟
كنتُ على ظهر آسهان؛ نسير نهارًا لنخرج من الغابة، ونخيّم ليلًا في الكهوف.
هل كان الملك يلاحقني؟
وسط هذا القلق، لم أستطع النوم بعمق.
كلما أغمضتُ عينيّ، كنتُ أستيقظ فَزِعةً من أثر يده البيضاء الباردة التي تضيق حولي في الظلام.
“هاه!”
حين أفتح عينيّ، أجد نفسي دائمًا في الكهف المظلم في جوف الليل، وتتماوج على سقفه ظلال نارٍ صغيرة.
عندها فقط أتنفس الصعداء، أزفر الهواء المحبوس ببطءٍ شديد، ثم أنكفئ على نفسي.
“يون…”
وكالعادة، تمسك يدي الصغيرة يدٌ كبيرة خشنة.
“لا بأس. كل شيء سيكون بخير.”
أرتجف للحظة من هذا الإحساس الغريب، ثم ألبث أن أستكين داخل تلك الكفّ.
كان آسهان يرقد على مسافة نحو خمسة أشبار منّي.
لا أدري أكان مستيقظًا أم أنني كنت أتمتم في كوابيسي، لكنه كان دائمًا هناك حين أحتاجه، يمسك بيدي—كما الآن.
فأهدأ، وأرخّي توتري.
وبعد أن ينتظم نفسي وتطول السكينة تُغمض عيناه اللتان كانتا تراقبانني.
تسدل رموشه الفضية البنيّة الطويلة ظلًا صغيرًا فوق جفنيه.
أحدّق في ذلك الظل، ثم أغفو.
“يون، الجوّ بارد.”
في الصباح، كان يلفّ جسدي النحيل بإحكام بثيابه، ثم يمضي في الطريق.
وحين أفتح عينيّ، كان يتبعني كظلٍّ لا يفارق، كأنه يحاول تعويض الزمن الضائع.
يدور حولي كالريح.
“ركوبك على ظهري أسرع.”
كان جسدي الصغير يغوص في الثلج عند كل خطوة، فربما كان محقًا.
بدت ذراعاه وهو يحملني مشدودتين قليلًا، لكنني شعرتُ بفرحٍ دافئ ينبعث من ظهره العريض.
طَق… طَق—
تشقّ ساقاه الطويلتان الثلج بلا تردّد.
مع أنه لا يستطيع رؤيتي وأنا على ظهره، شعرتُ وكأنه ينظر إليّ بجسده كلّه.
إلى هذا الحدّ، كان يوليَني اهتمامًا دائمًا كالتنفّس.
انظري إليّ.
كأنه يقول ذلك.
والعجيب أنني لم أشعر بالقرف أو الضيق.
كل ما كان هناك شعورٌ غامض بالذنب يضغط على صدري.
ألم أكن أنا أول ما انعكس في عينيه حين خرج من البيضة؟
أنا التي لا أستحق؟
ألم يكن اقترابي منه في ذلك اليوم في موقع البناء بدافع إحسانٍ ساذج لا قيمة له هو ما عقد كل شيء في حياته؟
مع أنني لا أستطيع تحمّل مسؤوليته، ومع أنني أوضحتُ أنني لا أريد ذلك، كان يبدو لي كفرخٍ صغير يتبع أمه أينما ذهبت.
كنتُ أظنّ أنني أفهم مشاعره.
لا، بل أنا أفهمها حقًا.
فمشاعري وأنا ألاحق عائلتي البعيدة في ذلك العالم الواقعي كانت كذلك تمامًا.
تتبعهم بعينيك حتى وإن لم تَرَهم، تشتاق إليهم بلا نهاية حتى تُشلّ رأسك وقلبك معًا وكل ما فيك يغرق في ذلك التفكير في رسم تلك الوجوه في ذلك الشوق الفيّاض المؤلم.
والشوق يفيض دموعًا ومع ذلك مهما أفرغتَه، لا ينقص.
عضضتُ شفتي في الظلام.
“آسفة.”
همستُ بها، لكنها لم تصل إلى آسهان.
ماذا عليّ أن أفعل؟ ومن أين بدأ الخطأ؟ لماذا بحثتُ عن هذا الطفل أصلًا؟
ألم أصبح بالنسبة إليه لعنةً أشدّ من الموت؟ ألن يظمأ لحبٍّ لا يُكافأ ثم يلتوي ثم يتحطّم في النهاية؟
أنا لا أستطيع أن أقدّم له ما يريده.
أيا يكن ذلك، فأنا شخصٌ سيغادر حالما يصل إلى الباب.
ربما كانت أوهامي قد بالغت.
ربما هو في الحقيقة لا يحمل لي ذلك الشوق كله، وربما كنتُ أنا وحدي من يسيء الفهم.
ابتسمتُ بمرارة.
ليتَ الأمر كان مجرّد وهم.
ليت تلك المشاعر التي تفور من جسده كله بلا كلمات لم تكن سوى سراب، أي حلمٍ عابر.
أنتَ بالغ، أليس كذلك؟ نعم، يا آسهان؟
أنتَ فقط تمرّ بنوبةٍ أخيرة، بحمّى أخيرة.
وسرعان ما ستدرك أن كل ذلك لم يكن إلا وهمًا، خيالَ طفولة.
تلك اليد التي مددتُها لك يومًا كأنها دخان، لم تكن سوى حبلٍ متعفّن، ومع مرور الوقت ستفهم ذلك أنت أيضًا.
بعد أن أقنعتُ نفسي بهذا، استطعتُ أخيرًا أن أجمع قوتي وأبتسم.
لم يعد فتى في طور العبور.
لقد صار شابًا مكتملًا وجميلًا.
وفي مستقبلٍ غير بعيد، سيفهم كما تمنّيتُ له وسيذهب ليبحث عن عائلته الحقيقية.
رفعتُ يدي ببطء وربّتُّ على رأسه كما يُربَّت على طفل.
انزلقت خصلات شعره الفضية البنيّة الناعمة بين أصابعي.
لم أستطع أن أتأمّله جيدًا في النهار، لكنني سرقته الآن في الليل.
كتفاه العريضتان، ظهره الواسع، وهيكله الذي ازداد رجولة؛ خطّ فكّه الحاد، أنفه المرتفع، وعضلاته الدقيقة—جميعها كانت تشهد على نموّه.
كان طوله الفارع يفوق حتى طول الملك، ومع ذلك لم يكن حضوره مُهيبًا على نحوٍ ضاغط.
وعيناه…
تلك العينان الزرقاوان كزهرة البنفسج اللتان لا أراهما الآن وقد غطّتهما الجفون.
حين تدقّق النظر، فهما مختلفتان تمامًا، ومع ذلك كنتُ أخلط بينهما وبين عيني الملك لمجرّد أنهما باللون الأزرق نفسه.
ضحكتُ ضحكةً قصيرة ساخرة.
كيف يمكن أصلًا مقارنة تلك العينين بعيني آسهان؟
إذا كانت عينا الملك تُوصفان بـ تملّكٍ بارد، سجنٍ أزرق، فإن عيني آسهان يمكن وصفهما بـ جوهرةٍ تحتضن الريح، بحرِ ربيع.
أنزلتُ يدي من على رأسه، ومسحتُ جفنيه بحذر.
كان لديّ الكثير مما أودّ سؤاله: عن ماضيه، ولماذا كان في موقع البناء منذ البداية، وكيف وصل إلى المنطقة التي كنتُ أنتمي إليها، وكيف اتخذ ذلك القرار.
هل كان حقًا ما سرقه هو الماء المقدّس؟
وهل أعطاني حقًا جزءًا من روحه…؟
لكن، ماذا سيُجدي السؤال؟
هل سأشعر براحةٍ أكبر إن عرفتُ الحقيقة؟
لا.
ماذا لو كان قد علم بمرضي ولهذا سرق ذلك الماء؟ ماذا لو كان قد تقاسم معي جزءًا من روحه بسببي؟
حين أواجه تلك الحقيقة المزعجة، قد يغمرني ذنبٌ أعظم مما أشعر به الآن.
“أنانية.”
تمتمتُ بمرارة.
“أليس كذلك؟“
لم يُجب. لعلّه كان غارقًا في نومٍ عميق.
“آسهان.”
آسهان……
كما فعل هو، همستُ باسمه كالريح.
الملك يلاحقني.
وإن ساءت الأمور، فقد تموت أنت أيضًا.
قال مرارًا إنه إن وجدك فسيمزّقك إربًا، وحذّر بأنه سيحطّم حتى روحك.
التعليقات لهذا الفصل " 18"