إن كان فتحُ الباب المؤدي إلى عالم البشر سيكون نهايتي، فقد تمنّيتُ سرًّا أن أرى في رحلة الوصول إلى تلك النهاية زهرةً متفتّحة.
تمنّيتُ أن تنتهي لا بشتاءٍ قارس، بل بربيعٍ دافئ.
فلو حدث ذلك، أفلا يمكنني حتى إن لم أُبعث إنسانةً في الحياة التالية أن أزهر زهرةً إلى جوار عائلتي؟
لا يهمّ أن تكون زهرةً تُربّى في أصيصٍ صغير، أو زهرةً خفيّة تتفتّح في زاوية من الفناء.
حتى لو كانت زهرةً اشتُريت من محلّ، أو زهرةً بريّة على قارعة الطريق، فلا بأس.
كلّ ما أردته أن أتفتّح إلى جوار عائلتي فصلًا قصيرًا ثم أذبل.
“آه……”
تراقصَ بخارُ أنفاسي الأبيضَ في الهواء.
كان المكان الذي أقيم فيه أشبه بقصرٍ جانبيّ للملك، لكن كان عليّ بدافع العزل، أن أذهب إلى معبدٍ صغير يقع في ركنٍ من أركان القصر، بعيدًا عن ذلك القصر الجانبي.
كلّما وطئت قدماي الصغيرتان الطريق المرصوف بحجارةٍ بيضاء ناصعة، تناثر الثلج الناعم كالغبار مبتعدًا عنهما في كلّ اتجاه.
ظللتُ أحدّق شاردةً مرارًا في رقائق الثلج وهي تلتفّ صعودًا كأنها ترسم دوّامات.
كان الهواء البارد يملأ صدري مع كلّ نَفَس، فيجعلني أرتجف.
ومع ذلك، كان يكفيني أن أستطيع التفكير بالحرّية ولو لوهلةٍ وجيزة.
لكن مهما حاولتُ استرجاع الطريق الذي سلكته، ومهما التفتُّ بحذرٍ هنا وهناك متجنّبةً نظرات العفاريت الذين يراقبونني ويتبعونني، لم أجد مخرجًا.
هل أستطيع حقًّا أن أفرّ من هنا إن ظللتُ أركض طوال اليوم؟
قصورٌ بيضاء مهيبة، ومعبدٌ مركزيّ في القلب، كانت جميعها تبعث على رهبةٍ تطغى على المرء.
وباستثناء المعبد الشاهق الذي يكاد يطعن السماء، بدت الأبنية متشابهةً في هيئتها، حتى خُيّل إليّ أنّني محبوسة داخل متاهةٍ عملاقة.
رفعتُ رأسي بضيقٍ أنظر إلى السماء، فإذا بالثلج المتساقط كالضباب يحجب ضوء الشمس، فيغدو العالم كلّه مصبوغًا بلونٍ أصفر ضبابي.
وحين أنزلتُ بصري إلى الأمام، لاح لي عن بُعد للمرّة الأولى شيءٌ ليس أبيض.
بقعٌ متفرّقة من الخضرة، تحمل في طيّاتها الحياة.
وأخيرًا وصلتُ إلى المعبد الصغير، وكان مكسوًّا بأشجارٍ كثيفة وارفة.
“ستقيمين هنا وحدكِ لمدّة أسبوع. جسدكِ في طور تلقّي روح جلالته كاملة، ولذلك لا يمكننا نحن العفاريت البقاء إلى جوارك. في الداخل ستجدين كلّ ما تحتاجينه، بما في ذلك الطعام. وبعد دخولكِ المعبد ستُقام حواجز، فلا يستطيع الخروج منه إلا أفراد العائلة المالكة. وسيقف الجنود للحراسة على بُعد مئة متر، متّخذين المعبد مركزًا لهم، ولن يتراخوا في الحراسة. وإن طرأت حالة طارئة، فالمسّي الكرة الزجاجية الموجودة داخل المعبد.”
كانت التي تشرح لي امرأةٌ جميلة بدت كأنها كبيرة الوصيفات.
أكانوا يظنّون أنّني سأهرب؟ حواجزٌ وحراسة…
شعرتُ أنّ الأمر أقرب إلى التهديد، فابتسمتُ في داخلي ابتسامةً خاوية.
كان المعبد الذي سأقيم فيه على هيئة قبّة.
وبالمقارنة مع المعبد الهائل في قلب القصر، بدا أصغر حجمًا بلا شك، لكنه مع ذلك كان بارتفاع مبنى من أربعة طوابق تقريبًا.
وما إن وطئتُ داخله حتى سمعتُ أصوات مغادرة بقية الحرس والوصيفات.
“حواجز إذن……”
تمتمتُ بخفوت وتقدّمتُ خطوةً خطوة داخل المعبد.
وكلّما لامست قدماي الرخامَ المائل إلى الصفرة، ترك دفؤهما أثرًا خفيفًا عليه.
كان الداخل معتمًا في العموم، غير أنّ المصابيح المثبّتة على الجدران كانت تشعّ نورًا هادئًا.
وعلى السقف العالي رُسمت جدارياتٌ زاهية تشبه تلك التي تُرى في كتب الفنون القديمة.
وفي مركز المعبد، كان هناك مذبحٌ جميل.
توقّفتُ في مكاني أحدّق في المذبح الذهبي.
فوق منصّةٍ دائرية نُحت تمثالٌ إلهيّ ضخم من البلّور.
أهذه هي إلهة هذا المكان؟
اقتربتُ منها كأنّ شيئًا يجذبني، ورفعتُ بصري إلى وجهها شاردة.
في منتصف رأسها كانت ثلاثة قرونٍ عظيمة من الجواهر تتلألأ ببريقٍ أخّاذ.
بدت مغمضة العينين، مسالمةً وسعيدة.
غبطتُها على ذلك، فابتسمتُ بمرارة.
“أنتِ……”
تحدّثتُ إليها كما لو كنتُ أخاطبها، وأطلقتُ صوتي ببطء وثبات.
“أأنتِ إلهة هذا المكان؟“
أأنتِ الإلهة التي أرسلتني إلى هنا؟ إنّ هيئتكِ تختلف قليلًا عمّا اعتدتُ الإيمان به في عالمي الأصلي.
لم أتخيّل يومًا أن يكون للإله قرون.
ابتسمتُ ابتسامةً مُرّة.
“لكن إن كنتِ……”
إن كنتِ مجرّد صورةٍ من صور الإله المتعدّدة، وإن كان بوسعكِ سماع كلماتي هنا…
“أرجوكِ.”
جثوتُ ببطءٍ تحت المذبح، ونظرتُ إليها.
“أعيديني إلى موطني.”
【3. نَفَس】
خال لي للحظةٍ أنّ التمثال ابتسم.
ظننتُ أنّها ابتسمت لي حتى وهي مغمضة العينين.
لكنّ تلك اللحظة كانت خاطفةً جدًّا؛ إذ ظللتُ أحدّق فيها بعينين ساهرتين طوال الليل، ولم تبتسم لي ثانية.
طلع الصباح.
تراءى الضوء متردّدًا من نافذةٍ صغيرة عالية.
ظللتُ منكمشةً في مكاني أحدّق في السماء خلف النافذة طويلًا، حتى صار النهار عصرًا مشرقًا يغمره ضوء الشمس الأبيض، عندها فقط نهضتُ ببطء.
“سأخرج… من هنا.”
همستُ لنفسي.
ورغم أنّ لم يكن أحد يسمعني، كرّرتُ أنّني سأخرج، ثم أطبقتُ فمي بإحكام.
كانت القيود التي في كاحلي قد أُزيلت في الطريق إلى هنا، لكنّ الآثار الحمراء القانية التي خلّفتها ظلّت شاهدةً على وضعي غير الحرّ.
ماذا سيحدث إن أُمسكتُ؟
مددتُ يدي أتحسّس كاحلي ببطء.
لا يفارقني إحساس المعدن البارد.
هل سيحبسني مجدّدًا في غرفةٍ صغيرة، ويعيد القيود إلى قدميّ، ويُبقيَني إلى جواره إلى الأبد بذلك الضغط الخانق؟
وهل سيملّ مني يومًا ما؟ وإن ملّ مني، هل سيطلق سراحي؟
“لا… لا……”
قال إنّ ذلك منقوش في الروح.
قال إنّ عليّ أن أبقى إلى جواره حتى بعد انتهاء الحياة.
وحين صعد الخوف من أسفل عمودي الفقري حتى بلغ رأسي، أخذ جسدي يرتجف بعنف.
كأنّه يخنق عنقي.
مهما حرّكتُ أصابعي لأبعد يديه الوهميتين، لا جدوى.
بعد نحيبٍ طويل، جررتُ قدميّ كأنّي أنتظر شيئًا، واقتربتُ من تمثال الإلهة.
على الرغم من غياب القيود، كان كاحلاي ثقيلين كأنّ أحدًا يمسك بهما ولا يتركهما.
الملك… كلّما خطر ببالي، غمرني العجز.
تحت وطأة هيبته أصغر فأصغر، حتى أشعر أنّني لا شيء.
يجب أن أعود إلى الأرض، يجب أن أذهب إلى البوّابة الغربية.
هذا هو الهدف الوحيد… ومع ذلك فقدتُ ثقتي بنفسي.
ألم يكن خواري هذا رضوخًا لكلماته؟
ألم أكن قد غُسلتُ دماغي شيئًا فشيئًا بتكرار قيوده؟
اقشعرّ جسدي.
“وأنتِ… هل تظنّين ذلك أيضًا؟ أنّني… أنّني لن أستطيع الإفلات؟ أنّني لن أخرج من هنا أبدًا……؟“
هل جننتُ؟ أم أنّ البقاء بعقلٍ سليم في عالمٍ لا يشبهني أصلًا أمرٌ مستحيل؟ منذ متى بدأتُ أن انهار؟
“كُحّ… كَحّ… كححح―!!”
عاد السعال الذي كان قد هدأ منذ زمن. انهرتُ وأنا أسعل بعنف كأنّي سأحطّم جسدي كلّه.
ارتجفتُ وأنا أختنق، ثم بكيتُ متكئةً على يديّ المضمومتين حتى كاد الدم ينقطع عنهما، وانحنيتُ حتى أوشك ظهري أن ينكسر، أتقلّب وأسعل حتى امتلأ جسدي بالكدمات.
ليتني متّ… ليتك قتلتني من البداية.
لو أنّني سقطتُ يومها من الجبل ومِتُّ هناك، لما جئتُ إلى هنا.
لما تهتُ هكذا في هذا المكان……
أنا…….
ثم أنهمرت دموعها.
السعال توقّف، لكنّني ما زلتُ أعجز عن التنفّس.
كلّ شيءٍ كان خطأ منذ البداية.
دخلتُ متاهةً عن طريق الخطأ، ولا سبيل للخروج منها.
“لا أريد……”
لا أريد ذلك.
لا أريد البقاء هنا.
لا أريد أن أُقيَّد في هذا المكان.
أريد أن أعود… أرجوك……
“أرجوكِ… أعيديني من حيث أتيتُ……. أرجوكِ……”
لعلّ توسّلات قلبي وصلت، إذ إنّ التمثال، وقد امتلأت عيناه المتلألئتان بالضوء، أخذ يبتسم ببطء.
كان ينظر إليّ ويبتسم.
لم تكن هلوسة.
ذلك الدفء توجّه إليّ وحدي بوضوح.
“آه……”
مددتُ يدي نحوها بلا وعي.
لم ترتفع زاوية فمها، ولم تنحنِ أطراف عينيها، ومع ذلك كنتُ أشعر بابتسامتها.
عيناها المغمضتان كانتا تحدّقان بي.
كأنها تقول لي بلطف إنّها ستعيدني، وإنّ خروجي من هنا ممكن.
مسحتُ دموعي ونهضتُ مترنّحة.
لقد فقدتُ صوابي أصلًا، فلا بأس إن وُصفتُ بالتهوّر، ولا بأس إن قيل إنني لستُ بكامل عقلي.
تراجعتُ إلى الخلف ببطء، ثم رفعتُ رأسي أنظر إليها مرةً أخيرة، وما لبثتُ أن استدرتُ واندفعتُ راكضة.
التعليقات لهذا الفصل " 16"