𑁍 الفصل 14 𑁍
“آه…“
في كل مرة كانت الروح تتحطّم، كان قلبي يُعصر بقسوة.
حتى من دون أن أفهم ما يحدث تمامًا، أدركتُ أن شيئًا كان يحميني قد اختفى.
اندفعت فجأةً موجةُ فقدانٍ خانقة من صدري، تحوّلت إلى دموع، وتبعها ألمٌ هائل اجتاحني.
* * *
لا أعلم كم من الأيام مرّ.
كان ذهني مشوشًا وبصري لا يثبت على شيء.
عفاريت كثيرون كانوا يمرّون أمام عيني، لكنهم بدوا مشوّهين وضبابيين عاجزةً عن تمييزهم بوضوح.
لم أكن نائمة ولا يقِظة.
السعال الذي يداهمني بلا انقطاع لم يتوقف، ولم يعد لديّ حتى القوة لأغلق فمي.
كلما سعلتُ، انحنى ظهري كقوس، ثم ارتجف جسدي كله بعجزٍ مع ألمٍ شديد.
كان صوت السعال يمزّق رأسي كأنه يحطّمه.
كالعادة، كان النفس يختنق في صدري، وتسقط الدموع المتجمعة فجأةً.
بدا أن حلقي تقرّح، فلم يعد صوتي يخرج.
بل حتى لو خرج، ماذا عساي أقول؟
بعقلٍ مضطرب وجسدٍ منهك، لم أعد قادرة على فعل شيء.
طنينٌ متواصل يملأ أذنيّ.
كان هناك من يتحدث إلى جواري، لكن صوته بدا كأنه يأتي من تحت الماء.
ومع ذلك، كان في الأمر عزاءٌ صغير: إحباطي العميق وحنيني القاسي كانا يختفيان قليلًا أمام هذا الألم الطاغي.
فكلما ارتفع الشوق والقلق إلى رأسي، كنتُ أتقيأ دمًا، فلا يبقى مجال للتفكير في شيء آخر.
في تلك اللحظة شعرتُ كأنني تحرّرتُ من القيد الذي كان يشبه السجن.
العائلة، وكلام الملك، وهذا العالم، وحتى وجودي نفسه—كل ذلك بدا تافهًا أمام هذا الألم الهائل.
مرّت أيام لا أعرف أهي ليل أم صباح.
عيناي الشاردتان لم تعودا تمسكان بجريان الوقت ولا بوجود أحد.
لكن مع الوقت، بدأتُ أسمع الأصوات التي لم أكن أسمعها من قبل بوضوح، واشتدّ عبق الأعشاب الطبية الذي يملأ الغرفة فتسلّل الخوف إلىقلبي.
وحين بدأ السعال الذي كان يظهر بلا انتظام يقلّ، ازداد خوفي عمقًا.
ولو صار بصري أكثر وضوحًا، لغرقتُ في يأسٍ أشد.
كان تحسّن جسدي مخيفًا.
ورغم أن الألم خفّ قليلًا، فإن الحزن واليأس اللذين كبتهما طويلاً عادا ليطفوا على حافة وعيي، وهذا ما أرعبني حقًا.
حتى لو عشتُ من جديد، سأرسم صورة عائلتي في جحيمٍ من العذاب، بشوقٍ أقسى من الموت، وسأقضي أيامي بين اليأس والحزن.
نعم، كان الألم النفسي أقسى من الجسدي.
لم أكن أريد الشفاء.
كلما حاولوا إدخال دواء أو ماء إلى فمي، كنتُ أطبقه بإحكام.
أقاوم بكل قوتي، وأتعمد السعال بعنف.
تقيئي الدم كما في السابق كان أفضل.
فليؤلمني الأمر.
عندها فقط لا أفكر.
عندها فقط أحصل على هدنة قصيرة.
ليتني أتألم قليلًا… قليلًا فقط أكثر…
وبحسب أمنيتي، بدأ الجسد الذي كان يتحسن يسوء من جديد.
لكن ذلك لم يتكرر.
إن أغلقتُ فمي، فتحوه بالقوة.
وإن حاولتُ أن أسعل عمدًا، كبّلَتني أيدٍ كثيرة ومنعتني.
جسدي الذي كان يضرب الأرض متلوّيًا كمنحنيات متكسّرة، عاد يتحسّن مرة أخرى.
انفجرتُ بالبكاء.
الأفكار التي كنتُ أحبسها بصعوبة لم تعد تحتمل، فاندفعت كالسيل تغزو رأسي.
أشتاق… أحنّ… أشتاق لعائلتي.
أخاف أن أبقى محبوسة هنا.
يجب أن أذهب إلى الغرب.
يجب أن أفتح الباب.
متى؟ كيف؟ كيف أهرب من هنا؟ كيف أتحرر من الملك؟ لماذا كانت روح عفريت في جسدي؟ هل هو آسهان؟ هل كان بسببه؟
لم أقم بعلاقة مع آسهان.
أليست الأرواح تُتبادَل عبر العلاقة؟ أم أن ذلك يخصّ العفاريت فقط؟ وهل يمكن للعفاريت والإنسان أن يتبادلا الروح؟
هل كانت قبلته حينها هي ما أثّر فيّ؟ هل شعوري بالتحسّن كان بسبب ذلك؟
هل الشيء الذي قيل إنه سُرق في تلك القرية هو الماء المقدّس الذي ذكره الملك؟ وهل الدواء الذي أعطاني إيّاه آسهان هو نفسه؟ وهل لآسهانعلاقة بكل هذا؟
لماذا أنا؟ ماذا عليّ أن أفعل الآن…؟
كاد رأسي ينفجر.
توقّف! أرجوك توقّف!
تكاثرت الأفكار بلا نظام تتوالد بسرعة لا تُلحَق، حتى خُيّل إليّ أن رأسي سيمزَّق.
مئات، آلاف الأصوات كانت تصرخ مطالبة بأن تُسمَع.
سدَدتُ أذنيّ بيديّ المرتجفتين وأغمضتُ عينيّ، لكن شيئًا لم يتحسّن.
سيتحطّم… رأسي سيتحطّم…
“افتحي عينيك.“
صوتٌ بارد قاسٍ اخترق رأسي كإزميلٍ من جليد.
في لحظة، تجمّدت كل تلك الأفكار الصاخبة.
عندها فقط شعرتُ بالبرودة التي تمسك معصمي.
رفعتُ جفنيّ، فرأيتُ الملك في بصري المتمايل.
كانت أشعة الشمس الراقصة مع حركة الستائر تلامس أطراف شعره، فتلمع ببهرٍ.
بدت عيناه الملوّنتان بلون الشفق كأوراقٍ خضراء محبوسة في الجليد.
“لم تكن هناك علاقة.“
انحنى نحوي بانسياب وحشيٍّ كسول بعدما رأى تصلّب نظرتي.
“لا يهمّ ما الذي أُخذ مقابل ذلك. ثمن سرقة الماء المقدّس هو الموت. من العفريت الذي منحكِ الروح؟”
عجزتُ عن الكلام كأن صوتي سُلب.
لم أفهم ما الذي يقوله.
ابتسم الملك ابتسامةً مالحة.
“أهو ذاك المدعو آسهان؟”
لم يترك كتفي المتشنّج.
“هو لم يفعل شيئًا…“
لا يمكن أن يكون.
لم أرَ يومًا ما يُسمّى بالماء المقدّس.
حتى لو كان الدواء الذي أعطاني إيّاه هو الماء المقدّس، فلا يصحّ أن يكون كذلك.
حاولتُ الاحتجاج، لكنه قاطعني ببرود.
“إذن هو. سأمزّقه حتى لا يعود قادرًا على التناسخ.“
انحبس صوتي في حلقي.
لا… مهما ادّعيتُ أنني نسيته، لا أستطيع أن أتركه يموت.
لم يكن ذنبه.
كان خوفي عليه—على ذلك الفتى المسكين—يفوق الوصف.
“لا…“
أنكرتُ بجنون.
لا، أرجوك… لا.
لكن مهما أنكرتُ، واصل الملك ببرود:
“لا يهمّ إن أنكرتِ. سأقتله.“
ابيضّ بصري.
من قال إن العفاريت عادلون؟ كان هذا إكراهًا محضًا.
في عيني الملك الباردتين المظلمتين مع حلول المساء، رأيتُ آسهان يتمزّق إربًا.
لم أستطع أن أكون متماسكة.
كان ذلك بسببي.
حين غمرني الخوف والذنب، أمسكتُ يد الملك بكلتا يديّ.
“أرجوك…“
تساقطت الدموع.
ارتميتُ تحت يده أستعطفه.
صوتي المرتجف تسلّل بين خصلات شعري المنسدلة.
“أرجوك، ارحمه…“
لم يتكلم الملك.
“أرجوك لا تقتله… أرجوك… أرجوك يا مولاي… أرجوك…“
ومع تتابع نشيجي، ضحك الملك أخيرًا ضحكةً خافتة، ثم همس بلطفٍ مريب:
“حسنًا، سأُبقيه على قيد الحياة.“
“لا تقتله…… لا تقتله… أرجوك……“
لكن كلماتي التالية جعلت ملامحه تتجمد من جديد ببرود.
نفض يدي التي كانت تقبض على يده بقوة، ثم أمسك برأسي المنحني ورفعه قسرًا إلى الأعلى.
“سأمنحكِ نعمةً ملكية.“
ابتسم الملك ابتسامةً قاسية.
“كنتِ لي منذ البداية، كما كنت لكِ. لم يعد لديّ متسع للانتظار.“
ثم حسم الأمر بلا رجعة:
“في اليوم الذي يطلع فيه القمر الثاني، سأشارككِ الروح.“
حتى وإن حاولتُ ألا أفهم، فإن كلماته القاسية شقّت صدري كسكين، وتوغلت في عقلي واقفةً هناك في وضوحٍ متعمد تفرض وجودها.
عمّ أفكر غير ذلك؟
* * *
“إن مشاركة الروح بين العفاريت تعني ما يسميه البشر عادةً علاقة جسدية. لكنها، بخلاف البشر الذين يفعلون ذلك لمجرد التكاثر أو اللذة،فعلٌ بالغ السمو.“
العلاقة الجسدية.
كان ذلك يعني العلاقة الجنسية.
تذكرتُ كلمات جيان.
عندما قال الملك إنه سيشاركني الروح، بقيتُ فاتحة فمي في ذهول، كأميرة حورية سُلب صوتها.
راقب الملك منظري هذا، فارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ مريرة، ثم مال نحوي متكئًا بخفة على شعري الذي كان يمسكه بيده.
“أنا لا أحب الأشياء المعيوبة.“
تشابكت خصلات شعري الأسود بين مفاصل أصابعه الطويلة البيضاء.
“ما يخصّني يجب أن يكون دائمًا في القمة.“
ومسح شعري برفق.
“ولهذا، لن أمنحكِ ذلك الشيء الوضيع، بل سأمنحكِ روحي أنا.“
انسلت خصلات الشعر المبعثرة بهدوء من قبضته، وانسابت لتستقر فوق كتفي.
“ستعيشين معي حياةً أبدية، وحتى بعد الموت…“
كانت كل كلمة ينطق بها تضغط عليّ بثقلٍ هائل.
“لن تتمكني من مغادرة جانبي أبدًا.“
وأمام رأسي الذي انحنى أخيرًا، ابتسم ابتسامةً هادئة.
“أليس في ذلك شرفٌ عظيم؟”
* * *
كلما تمنيتُ أن يتوقف الزمن، اندفع مسرعًا أكثر.
كان عامي الأول في هذا المكان طويلًا كدهرٍ لا ينتهي، أما الآن، فتمر الأيام مع كل رمشة عين.
عندما أفتح عيني، أجد الغرفة البيضاء غارقةً بخادمات عفاريت مجهولات الأسماء.
وحين أفتحها مجددًا، أكون في فضاءٍ مظلم لا يضيئه سوى الملك المتوهج بلونٍ أزرق.
كان يأتيني كل ليلة.
يأتي، ويضيّق عليّ بأنظاره الزرقاء، ويحدثني عمّا ينتظرني من جحيمٍ قادم.
وكلما توسلتُ من أجل حياة أَسْهان، ازدادت كلماته وضوحًا وقسوة.
في أحلامي، كان أَسْهان مغطّى بالدماء، يرفع نحوي عينيه الزرقاوين كما فعل يوم التقينا أول مرة، وكأنه يلومني.
كان يبدو وكأنه يقول:
“بسببكِ.“
مددتُ يدي نحوه، لكنني سقطتُ في مكاني.
لم أستطع الاقتراب.
بسببي أنا.
نعم، بسببي.
أنا بداية كل شقاء ويأس.
أنا.
تدخلتُ في حياتك من دون أن تطلب، ودمّرتُ حياتك أيضًا.
لم أرد ذلك، ومع ذلك بدا كل شيء وكأنه حدث بسببي.
غاصت عينا أَسْهان الزرقاوان في ظلامٍ حزين مغمورٍ بالدم.
وحين ابتلع الظلام حتى ما تبقى من بريق الحياة فيهما، تُركتُ وحدي غارقةً في اليأس.
كانت حياته المحطمة كماءٍ أُريق… لا يمكن استعادته.
لم يكن بوسعي أن أفعل شيئًا.
كما قال الملك، في اليوم الذي يطلع فيه القمر الثاني، سأفقد عفّتي له، وسأتلقى روحه في جسدي.
قيل إن العفاريت الذين تجري في عروقهم دماء ملكية نقية يعيشون حياةً تقترب من الخلود، بخلاف غيرهم.
فإلى أن يسلّم الملك العرش لوريثه، يتوقف عمر وريثه كساعةٍ معطلة؛ لا يشيخ، ولا يمرض، ويمضي ذلك الزمن الطويل الممل على حاله.
وقيل أيضًا إنه إن قبلتُ روحه، فإنني وأنا إنسانة — سأعيش زمنًا طويلًا مثله.
“القرين هو هكذا. أن تكونا معًا.“
قال إن عليّ أن أقضي معه زمنًا طويلًا لا يُعرف متى ينتهي.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
التعليقات لهذا الفصل " 14"