كانت عيناه زرقاوين، ومع ذلك شعرتُ أن في عمقهما سوادَ هاوية.
كلما حدّقتُ فيهما، انتابني إحساس بأنني أغرق شيئًا فشيئًا في مستنقع لا قاع له.
وفي لحظة، خطر لي أن الرجل الذي واجهته قديمًا في الحانة، ذاك الذي كان يرتدي غطاءً أسود، ربما يكون هو نفسه هذا الرجل.
“إينرهان ليانير كروْلين الرابع.”
تمتم بصوت منخفض.
“ملك العفاريت.”
خرجت الكلمات من بين شفتيه الحمراوين ثقيلةً حدّ الاختناق.
“الملك…”
طار صوتي الصغير واهنًا في الفراغ ثم تلاشى.
نظرتُ إليه.
امتلأ بصري به، فبدا لي ضخمًا إلى حدّ خانق، كأن صدري ينهار من شدة الضغط… فأغمضتُ عينيّ دون وعي.
* * *
“كما ذكرتُ في المرة السابقة، يولد جميع العفاريت حاملين روحًا مقدّسة.”
تابع الشرحَ عفريتٌ ذكر بصوت جافّ حادّ.
بعد أن احتُجزتُ في قلعة العفاريت، كنتُ أتلقى كل يومين درسًا عن عالم العفاريت على يد هذا العفريت المسمّى جيان.
كانت الدروس تتناول المعارف العامة عن العفاريت، وقوانين هذا العالم، وكيفية التصرّف داخل القلعة.
قدّم جيان نفسه على أنه عالم البلاط.
كان واضحًا امتعاضه من تعليم إنسانة مثلي، لكنه لم يُظهر ذلك صراحة؛ اكتفى بإلقاء ما عليه من واجب تعليمًا لا أكثر.
“كلما كان الدم أشرف، كانت الروح أقوى.”
“…وما الذي يُعدّ شريفًا، وما الذي لا يُعدّ كذلك؟“
ارتبك جيان قليلًا عند سؤالي، ثم واصل الشرح.
“دم الكاهنات، ودماء العائلة الملكية، هي الأشدّ شرفًا.”
“الكاهنات…؟“
“الكاهنات يتلقّين الوحي جيلاً بعد جيل، ويقدّمن النبوءات للعفاريت. هنّ عفاريت، ولكنهنّ في الوقت ذاته لسن عفاريت تمامًا. لهنّ ثلاثة رؤوس وثلاثة قرون، ولا عيون لهنّ، فلا يستطعن الرؤية. تعيش الكاهنة سبعمائة عام، وبعد انقضائها تموت ثم تولد من جديد، فتعيش حياةً من التناسخ.”
“إذن… الشخص نفسه، لا بل الكاهنة نفسها، تموت وتُبعث مرارًا؟“
أومأ جيان برأسه.
“إنها حياة مباركة.”
‘مباركة؟‘
لم أستطع الجزم بأن التناسخ اللانهائي سعادة حقًّا.
نظرتُ إليه وهو يتحدث بثقة بنظرةٍ مشوبة بالنفور.
“وهل الأمر نفسه ينطبق على العائلة الملكية؟ هل يموت الملك ويعود ليحكم من جديد؟“
هزّ جيان رأسه نفيًا.
“العرش يُورَّث بالدم. لا يخلّف الملك سوى وريث واحد في حياته، وحين يرغب في تسليم العرش، يُنهي حياته بيده.”
كنتُ قد سمعتُ سابقًا أن العفاريت ينجبون كما البشر عبر العلاقات، ويطلقون على ذلك “تبادل الأرواح“.
ويقولون إن من يتبادلون الأرواح تُنقش أقدارهم في بعضهم، فيلتقون مجددًا إذا عادوا في دورة التناسخ.
لكن… أن يُسلَّم العرش عبر إنهاء الحياة؟
ظننتُ أنني أسأتُ السمع، فعقدتُ حاجبيّ وسألت:
“إنهاء الحياة…؟“
أهو المعنى نفسه الذي أعرفه؟
“لا يستطيع أحد قتل الملك. لذلك، حين يحين الوقت ويرغب في تسليم العرش، لا بد أن يقتل نفسه. لكن لا داعي للقلق؛ فروح الملك قوية، وستولد من جديد في عالم آخر بمرتبة سامية. إن إنهاء الحياة ليس سوى أداءٍ للواجب، واستراحة قصيرة.”
تحدث جيان بهدوءٍ جعل القشعريرة تسري في جسدي.
أن يقتل الملك نفسه كي يسلّم العرش؟ أيُّ ابنٍ يقبل عرشًا ورثه بعد أن أقدم أبوه على ذلك؟
لم أستطع الفهم، ولم أرد أن أفهم.
“البشر يتعاملون مع الموت بحساسية مفرطة.”
تابع جيان ببرود.
“وذلك لأن أعمارهم قصيرة جدًّا. الملك يعيش أكثر من ألف عام. أليس من الطبيعي أن يستريح حين يشاء؟ إن إنهاء الحياة ليس من أجل الوريث، بل من أجل الملك نفسه.”
تخيّلتُ وجه ملك العفاريت إينرهان البارد.
هل سيأتي يوم يسلّم فيه العرش ويختار الموت بيده؟
بدا الأمر مستحيلًا، غير معقول.
* * *
هووو—
تهبّ رياح باردة.
مرّ الوقت على عجل، وحلّ الشتاء.
عالَم أبيض عميق، خطوة واحدة كفيلة بأن تُسقطك في هاوية بلا قاع.
بدا العالم وقد صار أبيض بالكامل كقصر الملك مخيفًا.
في مكان كهذا، قد أفقد الاتجاه وأدور بلا نهاية.
ربما لا أخرج من هنا أبدًا.
مددتُ يدي التي امتلأت قليلًا عبر نافذة صغيرة ذات قضبان.
سَرَتْ…—
لامست رقائق الثلج الكبيرة أطراف أصابعي، ثم ذابت في لحظة واختفت. وبرودةٌ انتشرت في يدي كما ينتشر الحبر في الورق…
“ذلك…”
كأنه لمسةُ الملك.
لم أُكمل الكلمة وأطبقتُ فمي.
غطّيتُ وجهي بيديّ الباردتين، لكن العجز الذي بداخلي فاض رغم ذلك.
وفي النهاية، تمايلتُ وسقطتُ جالسةً على الأرض.
أتلقى تعليمًا كل يومين، وآكل كل يوم طعامًا لذيذًا يناسب ذوق البشر، وأنام كل ليلة في فراش دافئ.
أعيش في رفاه بين أقمشة وأشياء فاخرة، لكن المشكلة واحدة: لا أستطيع مغادرة هذا المكان.
كلما تحرّكت، رنّت القيود الفضية في كاحلي.
لماذا أحضروني إلى هنا أصلًا؟
في اليوم الأول، حين قال لي إنه ملك العفاريت، قلتُ له:
“أنا… لستُ سارقة. لم أسرق شيئًا.”
ابتسم الملك ابتسامة باردة صامتة.
“أرجوك صدّقني. الشيء الذي فُقد لا علاقة لي به…”
وبعد صمتٍ طال، فتح فمه أخيرًا.
“إذن، ذلك الوقت وذلك الانتظار… من الذي أخذهما؟“
كلمات غريبة كأنها لغز.
أدركتُ بفطرتي أنني لم أُؤتَ إلى هنا بسبب ذلك الشيء المسروق.
كان يتحدث عن أمرٍ آخر، عن كلمات لا أفهمها.
“ما معنى هذا…؟“
“حتى لو سُلب مني، فما زال لديّ وقت كثير.”
ابتسم ابتسامة لا تُفهم.
ألقى عليّ لغزًا لا أملك حله، ولم يمنحني حتى خيطًا واحدًا.
“يبدو أنكِ تعيشين حياةً محتملة، يا يون…”
انعكس في المرآة جسدي وقد اكتسب شيئًا من الامتلاء.
وتحت فستان الحرير الأبيض الفاخر، بدا القيد الفضي اللامع في كاحلي مشهدًا غريبًا.
“تحاولين الهرب مرارًا.”
حين أُلقي القبض عليّ في محاولة الهروب العاشرة، قالها بوجهٍ جافّ، ثم قيّدني بيديه.
قيّدني بنفسه، ثم نظر إليّ بملامح متألمة.
لم أفهمه.
كان هو نفسه من قيّدني، ثم راح ينظر إليّ بوجهٍ متألّم.
لم أستطع فهمه.
لم أفهم لماذا يسجنني، ولماذا يقيّدني.
لم يخبرني بشيء.
وسط أسئلة لا أملك لها جوابًا، لم يكن لي سوى أن أتوسّل في قلبي أن يُطلَق سراحـي.
حتى في اليأس، تستمرّ الحياة في الدوران كعجلة لا تتوقف.
شعرتُ كأن حياتي قلمٌ أحمر يرسم بلا توقف على ورقة فارغة، يضعف شيئًا فشيئًا مع كل حركة، إلى أن ينكسر فجأة دون إنذار.
وهكذا مضت حياتي، يومًا بعد يوم، متشابهة، تدور في الدائرة نفسها.
“يون، غني لي.”
لم يكن إينرهان يزورني كل يوم، لكنه كان يأتي كثيرًا.
لا يظهر نهارًا، لكنه حين يحلّ الليل يأتي ويطلب مني أن أغنّي.
‘هل جُلبتُ إلى هنا فقط لأغنّي؟‘
شعرتُ كطائرٍ في قفص، يُجبر على الغناء.
ومع ذلك، لم أستطع عصيانه.
كان له حضور ضاغط لا يُفهم، وفي كلماته قوة غامضة.
قوة تجعل المرء يذعن، ولا يملك إلا الطاعة.
ذلك الرفض الذي كان يتفجّر في أعماقي، ما إن أواجهه حتى ينكمش جسدي على نفسه ويخمد كالسحر.
فأغنّي، لا لشيء، سوى لأنّه قال ذلك.
بعد أن ينتهي من الاستماع إلى أغنية واحدة، كان يغادر الغرفة بصمت.
لم يكن يهمّه أيّ أغنية أؤديها.
أغنية واحدة فقط، لا أكثر.
كان يتكئ دائمًا على الكرسي نفسه، يحدّق فيّ وأنا أغنّي بنظرة ثابتة.
أحيانًا كنت أشعر أن أنفاسي تختنق تحت تلك النظرة. وحتى الآن، ما زال صدري ينهار كلما التقت عيناي بعينيه فأشيح بنظري عمدًا.
خطوات لا خفيفة ولا ثقيلة.
عشر خطوات يتردّد صداها في الممر.
صوت اليد وهي تمسك مقبض الباب.
صوت الباب وهو يُفتح، لا ببطء ولا بعجلة.
ثم هُبوب عطره.
حتى وأنا مغمضة العينين، كنت أشعر بقدومه.
* * *
“تعبت… سئمت…”
حياتي التي توقّفت عند الاعتياد على ما لا أريده أنهكتني في لحظة.
الغناء ليس صعبًا، لكن البقاء محبوسة في هذا المكان الخانق كان يدفعني إلى الجنون.
لم يكن للمستقبل أيّ ملامح.
ماذا لو اضطررتُ أن أبقى هنا، أغنّي طوال حياتي حتى أشيخ وأموت؟
مجرد التفكير جعل صدري يبرد.
هل عليّ أن أدور بلا رغبة ولا فرح، محبوسة هنا أغنّي لملك العفاريت؟
الهرب مستحيل.
كل ما حصدته من محاولاتي المتكرّرة كان القيد ومراقبة أشدّ.
“يون.”
صوته الثقيل البارد، لكنه على نحو غريب يحمل لطفًا تردّد في الغرفة.
صوت الملك.
كرهتُ ذلك اللطف الغامض الذي يخصّني وحدي.
تلك النبرة التي تشبه مخاطبة شخصٍ عزيز.
مشاعره الأحادية المنصبّة عليّ وحدي، كانت خانقة.
امتلأت الغرفة بضوء قمرٍ أزرق.
دون أن أشعر، كان الليل قد حلّ.
رفعتُ ببطء وجهي المدفون بين ركبتيّ أمام المرآة.
كأن صوت صرير خرج من عنقي.
كأنني صدئتُ حتى أوشكتُ على الانكسار.
لم أكن بحاجة حتى لأن يطلب مني الغناء اليوم.
وكما في كل مرة، لم أرد أن أنظر إلى عينيه.
تجاهلتُ نظرته وحدّقتُ شاردة في السقف المعتم.
“في مدينةٍ رماديّة…”
فتحتُ فمي قبل أن يجلس حتى على الكرسي الذي اعتاد الجلوس عليه.
وحين خرج الصوت متمتمًا، توقّف في مكانه ونظر إليّ.
“ينهمر مطرٌ أسود…”
غنّيتُ بصوتٍ يكاد يتهشّم.
حنجرتي الواهنة لم تعد تملك القوة لضبط اللحن، فانبعثت أغنية غريبة، نشاز، كما شاءت.
“صرتُ… ظلًّا.”
انسابت الدموع على وجهي من عيونٍ جفّت منذ زمن.
سقطت الدموع من على ذقني، طَق… تُدُق، فلوّنت الأرض.
“سرتُ في مدينةٍ يلمع فيها النهار، لمعةً صغيرة في قلب الليل…”
تمنّيتُ فقط لو يتوقف هذا الصوت عن الخروج.
لو يتصلّب جسدي كلّه.
لو أتحوّل من أطراف أصابعي حتى رأسي إلى خشبٍ محترق، قاسٍ وأسود، فيرمي بي جانبًا.
لا يهم إن كان الخارج جحيمًا أبيض.
لا يهم إن أُلقيتُ وسط الثلج.
“في الحقيقة… لم يكن هناك نهارٌ من الأساس…”
أطلق سراحي.
“فالشمس لا تشرق في المدينة.”
أوخ—
اندفعت كتلة كبيرة من الدم من فمي.
المرض الذي لم أُظهره للملك ولو مرة منذ قدومي إلى هنا، وجد فرصته أخيرًا.
سقط الدم وقد وجد مخرجًا، تُدُق… فلوّن السجادة البيضاء.
لم أكن أنظر إلى وجهه منذ البداية، لذا لا أعلم أيّ تعبير كان عليه، لكنني ابتسمتُ ابتسامة خفيفة.
لأنني شعرتُ أخيرًا أنه قد يتخلّى عني… عن هذا الشيء المعيب الذي أنا عليه.
التعليقات لهذا الفصل " 12"