1 - ريحٌ عابرة
【التمهيد】
“كان هناك عفريتٌ صغير ينتظر طويلًا… طويلًا جدًا فتاةً تجلب نارًا حمراء دافئة تذيب عنه برده.”
كانت الحكاية التي ترويها الجدة أشبه بقصة خيالية تدور حول أذن الطفلة كأنها تهويدة.
وقد استسلمت الطفلة لعبق البطاطا الصفراء الدافئة المتصاعد بالبخار، وفي تلك الليلة الصيفية الهادئة حين كان النسيم باردًا على غير العادة، انجرفت إلى عالمٍ وهميّ يشبه الحلم.
كان جسدها الشفاف يرتفع خفيفًا في الهواء يطفو كما لو كان طائرًا صغيرًا يحلّق في سماء الليل ويدور بين مئات الملايين من النجوم الجميلة ثم في النهاية رفرفت بجناحين غير موجودين وهبطت برفق على الأرض.
في سهلٍ تفتّحت فيه الأزهار على مدّ البصر، التقت الطفلة بصبيٍّ من العفاريت ذي قرنين فضيّين كان يبكي وحيدًا.
“لا تبكِ. سأصبح عروسك. سأبقى إلى جانبك. أعدك.”
وخلال تلك الليالي المتتالية من الأوهام الغريبة، أرادت الطفلة أن تواسي ذلك الصبي الذي بدا وحيدًا إلى حدٍّ موجع، فنطقت بوعدٍ لن تستطيع الوفاء به… دون أن تعلم أن ذلك الوعد سيصبح انتظار عمرٍ كامل بالنسبة له، وأنه سيغدو الغاية الوحيدة التي يعيش من أجلها……
* * *
𑁍 الفصل 1 𑁍
【1. ريحٌ عابرة】
وضعتُ يدي بصمت على صدري الذي كان يخفق بعنف.
كان قلبي يؤلمني وكأنه يتمزّق، والهواء الحادّ الذي يخترق أعماقي كاد يجعلني أفقد الوعي في أي لحظة.
انهمر عرقٌ بارد غزير، وعندما خفّ الألم أخيرًا أطلقتُ زفرة ارتياحٍ خافتة.
خرجت آهة “آه—” وانتشرت في الغرفة الزرقاء التي لم يطلع فيها الفجر بعد، ثم تلاشت في لمح البصر.
كنتُ أتحطّم.
روحي وجسدي… كانا يتداعيان ويتكسّران.
ذلك التآكل الذي بدأ ببطء دون أن أشعر به، صار الآن واضحًا إلى حدٍّ لا يمكن تجاهله.
من قال إن الروح تنقسم إذا ارتكب الإنسان جريمة قتل؟ إنها تتمزّق إلى أشلاء.
لم أقتل أحدًا قط، ولم أؤذِ حيوانًا صغيرًا عن قصد، ومع ذلك كنتُ أتحطّم.
ففي هذا المكان الذي لم تُغرس فيه جذور ميلادي، كل شيء سامّ: الهواء، الطعام، وكل ما يحيط بي.
قسوةٌ تدفعني بعيدًا بلا توقف وترفضني بعنف.
لم أُرِد هذا أبدًا.
نعم، لم آتِ إلى هنا بإرادتي، ومع ذلك كان كل شيء باردًا إلى هذا الحد.
“استعدّوا جميعًا!”
على صوت كاميلا الهستيري القادم من خلف الباب، نهضتُ أخيرًا من الزنزانة الصغيرة التي لم يكن يتّسع فيها حتى لتمديد جسدي كما ينبغي.
كانت كاميلا صاحبة هذا المسكن الذي أعيش فيه، ورئيسة شركة خدمات تتكوّن من فتيات في مثل عمري.
تمتلك جسدًا ضخمًا، وملامح حادّة، وأخلاقًا قذرة.
أن أستيقظ على صوتها منذ الصباح… أمرٌ أعيشه كل يوم، لكنه مع ذلك كان يفسد مزاجي بشدّة.
في زاوية الزنزانة، تراكمت نفايات لم تُنظَّف وبينها كانت شظايا مرآة مكسورة متناثرة على الأرض.
حدّقتُ في قطع المرآة المكسورة بصمت، ثم صرفت بصري وبدأت أرتدي ملابسي على عجل.
نعم، أنا شظية مكسورة.
قطعة مرآة تحطّمت إلى أشلاء، لا تعكس شيئًا كاملًا، ولا حتى نفسي.
“اليوم سنتوجّه إلى المنطقة الرابعة. وزّعوا الحصص كما ينبغي، وإن حصل شجار مجددًا مثل المرة السابقة، فلن أمرّره هذه المرة!”
على صراخ كاميلا الهستيري المليء بالعبوس منذ الصباح، أجاب الجميع بصوتٍ واحد “نعم—”.
“وأنتِ بالذات يا يون! انتبهي. لو تكرر الأمر مرة واحدة فقط، سأرميكِ في الحبس الانفرادي مجددًا!”
رمقتني بنظرة قاتلة أخيرة، ثم لوّحت بيدها بضجر.
“هيا، اخرجوا من هنا!”
كان هواء الفجر قبل شروق الشمس باردًا لاذعًا، كأن أحدهم أفرغ دلاءً من ماءٍ مثلّج ممزوج بطلاءٍ أزرق فوق العالم ثم رحل.
خرجتُ من السكن وسط نحو عشرة من الزملاء.
كان كل واحدٍ منهم يحمل صندوقًا ثقيلًا يحتوي على علب غداء العمّال.
حدّقتُ بلا اكتراث في الصندوق الذي يخصّني.
“أمم… يون، هل أنتِ بخير؟ أنا… بسببي أنا… أنا آسفة.”
بعد عشرين دقيقة من التردّد، أطلقت ييها التي كانت تمشي إلى جانبي وأنا صامتة اعتذارها الخامس.
وحين نظرتُ إلى وجهها، رأيتُ عينيها الكبيرتين وقد امتلأتا بالدموع من جديد.
“…أنا بخير.”
أجبتها بهدوء، لكن رغم ذلك لم تتوقف يها عن البكاء المكتوم.
“أنا… بسببي أنا… لقد… قضيتِ أسبوعًا كاملًا في الحبس الانفرادي……”
‘قلتُ إنني بخير. أكان كلامي لا يصل إليها؟‘
لم تكن لديّ طاقة لأواسيها بلطف الآن.
تجاهلتُ كلمات ييها، ونظرتُ إلى الشمس التي بدأت تشرق في البعيد.
كان المشهد لا يختلف عن العالم الذي كنت أعيش فيه، ومع ذلك شعرتُ بضيقٍ يخنق صدري.
هل سأتمكّن من رؤية تلك الشمس مجددًا في العالم الحقيقي؟
هل سأخرج عند الفجر يومًا ما وأنا مغمورة بفرح بداية صباحٍ جديد لا بغضبٍ بارد؟
“يـ… يون……”
ازداد نشيج ييها حدّة.
كان الحادث قد وقع قبل أسبوع.
أحد العمّال أطلق نكاتٍ فاضحة، ثم لمس صدر ييها بوقاحة.
لم أستطع أن أقف مكتوفة اليدين وأنا أراها ترتجف عاجزة عن الكلام.
أمسكتُ بيده وقلتُ له كلمة واحدة فقط:
‘من أين لك الجرأة لتلمس الناس بيدٍ قذرة كهذه؟‘
بعد ذلك، لا أذكر الأمر بوضوح.
شتائم انهمرت من فمه القذر، ويده التي هوت فجأة على خدي.
شفتاي المتشققتان، وخدي الذي احترق كأنه يشتعل.
صرخاتٌ لا أدري من أين جاءت، وهمهمات من حولنا… كان ذلك كل شيء.
وصل الخبر إلى كاميلا، فاتهمتني بإثارة الفوضى في موقع العمل وحبستني في الزنزانة الانفرادية أسبوعًا كاملًا.
سألتها إن كان هذا ذنبي، لكن بلا جدوى.
كل ما قالته: ‘ماذا لو وقعتِ في نظر العفاريت بسبب هذه الضجة؟‘
مكانٌ كهذا.
لو كان فيه أناسٌ عاقلون منذ البداية، لما كان الحال على هذا النحو.
قرية البشر في هذا العالم قاحلة خالية من الحياة.
بيوت رمادية كئيبة ووجوه قاتمة.
لم يكن هناك سوى استسلامٍ ثقيل في عيون من يعيشون يومًا بيوم ولا أثر لأي أملٍ بالمستقبل.
مكانٌ بلا تطوّر يراقب فيه البشر مزاج العفاريت وهم يزحفون لالتقاط أنفاسهم… هذا هو المكان الذي أعيش فيه.
لم أندم على أنني واجهت ذلك الوغد.
كل ما خطر ببالي هو أنه كان ينبغي أن أضربه أنا أيضًا، بل أن أنهال عليه ضربًا أشد… ثم أدركتُ عبثية هذا التفكير وأفرغتُ قلبي منه.
ما الذي يمكن أن أفعله بهذا الجسد الذابل أصلًا؟
تسرّبت ابتسامة سخريةٍ واهنة بين شفتيّ، اللتين ما زالتا تؤلمانني من أثر قبضته.
هل للظلم والغضب أي معنى في هذا المكان؟
مشاعري، ظروفي… تصبح بلا قيمة، كقمامةٍ ملقاة على جانب الطريق.
عديمة المعنى، وعديمة الوزن.
لا أدري إن كنتُ قد فتحت فمي دفاعًا عن ييها لأنها أول صديقةٍ لي في هذا العالم الغريب، أم لأجل نفسي.
هل شعرتُ أن ما تعرّضت له كان موجّهًا إليّ أنا أيضًا؟
ربما كان الأمران معًا.
وهل يهم السبب أصلًا؟
“أنا بخير حقًا، فلا تقلقي.”
قلتُ ذلك مبتسمةً ابتسامة خفيفة.
هذا الأمر لا يساوي شيئًا.
لا يستطيع أن يترك حتى خدشًا صغيرًا في غضبي العميق ويأسي وألمي الذي لا ينتهي.
ابتسمتُ كمن يطلق زفرة، ويبدو أن ابتسامتي طمأنتها أخيرًا، إذ تمتمت ييها قائلة “شكرًا“، وأمسكت بيدي.
كانت يدها دافئة.
دردردرد—!
كوم!
كوانغ! كوانغ!
هل مشينا قرابة ساعتين؟
وأخيرًا ما إن دخلنا المنطقة الرابعة حتى ظهر أمامنا من بعيد معبد العفاريت الذي كان لا يزال قيد البناء.
أعمدة حجرية بيضاء شاهقة يبلغ ارتفاعها نحو ثمانية أمتار، كانت كفيلة حتى وهي مجرد هيكل بأن توحي بعظمة البناء الهائلة.
على عكس منطقتنا الثامنة، كان هذا المكان مليئًا بالمباني الفاخرة والمنحوتات الجميلة، لكن العفاريت أصحاب كل ذلك لم يكونوا موجودين.
“يقولون إنهم جميعًا ذهبوا إلى مهرجان يُقام في منطقة أخرى.”
قالها أحد الزملاء، فهزّ الآخرون رؤوسهم فهمًا.
أمرٌ بديهي.
فهم لا يرغبون حتى في الاختلاط ببشرٍ وضيعين.
بدأ الناس يتحدثون عن مدى فخامة مهرجانات العفاريت وجمالها.
لم يكن مسموحًا للبشر بالمشاركة، وكل ما استطاعوا فعله هو المشاهدة من بعيد، لكن حتى من هناك، كانت الألوان الزاهية وأسراب الضوء التي تملأ السماء تُرى بوضوح.
الموسيقى لا تنقطع، والزهور والشرارات اللامعة تتناثر في السماء.
قال أحدهم إن مهرجانات العفاريت تعجّ بكل ما هو نادر، وبالحيوانات الجميلة، وإن الجواهر والعملات الذهبية تُنثر بلا حساب، وإن الضحكات لا تتوقف.
وقالوا إن ذلك هو الجنّة بعينها إن وُجدت جنّة.
كان كلامهم مضحكًا إلى حدٍّ مثير للسخرية.
كلما أُقيم مهرجان للعفاريت، تذكّر الناس مجددًا كم هو شاسع الفرق بين حال البشر وحال العفاريت.
كنتُ كلما سمعتُ عن مهرجانهم، أفكر…أليس مجرد وسيلة للسيطرة على البشر ولترسيخ الفارق الطبقي بين النوعين؟
وإلا، هل كانوا سيسمحون للبشر بمشاهدته ولو من بعيد؟
إن لم يرغبوا العفاريت في أن يُرى شيء، يخفون حتى نسمة الريح.
العفاريت سلالة متعالية مغرورة.
قرناهم الفضيّان اللامعان المنتصبان فوق رؤوسهم، وجوههم الجميلة بلا استثناء.
بشرتهم البيضاء الصافية كأنها من حرير تشعّ نورًا، وعيونهم الزرقاء كالأحجار الكريمة لا تشبه عيون الغربيين على الأرض بل كأنها مغموسة بطلاءٍ أزرق صافٍ حتى الامتلاء.
أما شعرهم الفضيّ اللامع، فكأنه مصهور من فضة خالصة، فيضفي عليهم هيبةً طاغية لا تضاهى.
ولأن جميع العفاريت جميلون، فلا وجود لعفريتٍ قبيح—على الأقل في نظر البشر.
كان البشر في هذا العالم يرون العفاريت كائناتٍ كاملة، بل آلهةً لا يمكن الاقتراب منها.
وبقدر جمالهم، كانوا مهووسين بالجمال.
لمن يعيشون أكثر من خمسمئة عام، لم يكن ثمة ما يثير اهتمامهم سوى الجمال ذاته. وما عداه كان مملًا وباعثًا على السأم.
ومن الطبيعي أن يكون مظهر البشر في نظرهم دون المستوى.
ولهذا لم يكن البشر سوى خدمٍ يؤدّون الأعمال الشاقة التي لا يرغب العفاريت في القيام بها، أعمالًا يرونها دون مقامهم.
لا يمكن التخلّي عن البشر لحاجتهم إليهم، فيجب السيطرة عليهم، ومع ذلك كانوا لا يرغبون حتى في التعامل معهم.
ورغم خضوع البشر لسيطرة العفاريت وتمييزهم ضدهم، لم يكن فيهم غضب.
يبدو أن نظام الهيمنة المتجذّر منذ زمنٍ طويل قد سلبهم حتى إرادة المقاومة.
كان هذا المشهد مثيرًا للشفقة ومؤلمًا، ومع ذلك لم أشعر أنه يخصّني.
كل شيء بدا وكأنه لا علاقة له بي.
لأن هذا… ليس العالم الذي أنتمي إليه.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ترجمة بوني ✶
Chapters
Comments
- 3 - ريحٌ عابرة منذ 7 ساعات
- 2 - ريحٌ عابرة منذ 9 ساعات
- 1 - ريحٌ عابرة منذ 9 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"