1
انتهت الحربُ الطويلةُ التي استمرّت ثلاثَ سنوات.
تناثَرَ غبارُ الزهور في الشوارع، وانطلقت ألحانٌ مُبهِجةٌ في كلِّ مكان.
“انتهت الحرب! انتهت أخيرًا!”
أفرغَ الناسُ ما في صدورهم من غيظٍ ومرارة.
وكان الجميعُ يتمنّى أن يدومَ هذا الفرحُ الذي جاء بعد عناءٍ طويل.
فشلُ المفاوضات مع دولةِ لاندو.
حربٌ صامتة: الحربُ لم تنتهِ بعد.
لكن، كيف كان الواقعُ حقًّا؟
تورامد ولاندو.
بين دولتَينِ مختلفتَيِ العقيدة، ظلّ التوتّرُ الحادّ قائمًا دائمًا.
وبلغ ذلك التوتّر ذروتَه حين أُعلِنَ للعالَم عن سلاحِ الدمارِ الشامل “نوك وان” (NOK-ONE).
قنبلةٌ واحدةٌ كفيلةٌ بمحوِ دولةٍ كاملةٍ من الوجود.
ومُطوِّرُ ذلك السلاح… نيرغال غالين.
لسوء الحظّ أو لحُسنِه، مات نيرغال قبل اكتمال السلاح، وهكذا توقّف مشروع “نوك وان”.
〈……إيّاكَ أن تُخبِرَ أحدًا بما رأيتَه.
أبدًا.〉
ذلك هو الحدُّ الذي بلغه ما عرَفَه العالَم.
لكن، ويا للأسف، ثمّة حقيقةٌ أخرى لم يعرفها الناس.
ففي حياته، كان نيرغال قد أتمَّ المخطّطاتِ الكاملةَ لـ”نوك وان”، وقد اطّلعت عليها ابنته الصغيرة الوحيدة.
وكانت تلك الطفلة تملك قدرةَ الذاكرةِ الكاملة¹.
—
بعد أربعةَ عشرَ عامًا.
مدينةُ كينيري الساحليّة، في تورامد.
“أمم.”
شقَّ ضوءُ الشمسِ القويّ سكونَ المكان.
وبينما كنتُ أتقلّب، راودني شعورٌ بالغرابة حين لم تخرج يدي من حافّة السرير، رغم أنّني مددتُ ذراعي إلى أقصاها.
“……؟”
في العادة، كان ينبغي أن يتجاوز معصمي حافّةَ السرير.
فتحتُ عينَيّ على مهل، فإذا بسريرٍ واسعٍ يمتدّ أمامي.
……هاه؟ أين أنا؟
شـاااا.
توقّفَ تفكيري عند صوتِ الماء القادم من الداخل.
هناك شخصٌ آخر هنا، غيري.
تذكّرتُ أنّني شربتُ البارحة مع السيّد كوستانس،
ثمّ بعد ذلك……
ثمّ…… يا إلهي.
لا أتذكّر ما حدث بعد ذلك.
وهذا يعني أنّ ذاكرتي انقطعت.
طَقّ.
توقّف صوتُ الماء.
وبعد أن تحرّكت عقربُ الدقائق ثلاثَ مرّات، فُتِحَ بابُ الحمّام المغلق بإحكام، وتسلّل منه بخارٌ أبيضُ خفيف.
“……السيّد كوستانس.”
كما توقّعت، كان الخارجُ من الحمّام هو السيّد كوستانس.
وبسبب شعره المبلّل، بدا لونُه أغمقَ من المعتاد.
وجهٌ صغير، وملامحُ حادّةٌ بعينَينِ وأنفٍ شديدَيِ الوضوح.
كلّما انفرجَت شفتاه الحمراوان قليلًا، ازداد سحرُه،
وكانت عيناه الرماديّتان جميلتَين إلى حدٍّ مُربِك.
أين يمكن أن يوجد رجلٌ بهذه المثاليّة؟
ما زالت ملامحُ الصبيّ الغضّ باديةً عليه،
لكنّ جسدَه كان جسدَ رجلٍ مكتمل.
وقبل أن أُمعِنَ النظر، أسرع كوستانس بارتداء قميصٍ أسود،
فالتصق ما تبقّى من الماء بثوبه، كاشفًا عن الجزء العلويّ من جسده.
“هل استيقظتِ؟”
قالها بصوتٍ لطيف.
“ا-ا-السيّد كوستانس……؟”
“هل أنتِ بخير؟ هل تشعرين بألمٍ في أيِّ موضع؟”
اقتربَ السيّد كوستانس من السرير.
وتوقّفت يدُه قبل أن تلمسني، ثمّ وضعها على جبيني بدلًا من ذلك.
ارتجفَ جسدي عند دفءِ لمسِه.
“إن كان هناك موضعٌ يؤلمكِ، أخبريني يا بيبي.”
كانت نظرتُه وهو يحدّق بي غيرَ مطمئنّة.
“آه، لا-لا يؤلمني شيء.
أنا-أنا بخير.
إذن…….”
“حقًّا؟ لا يوجد أيُّ ألم؟”
“نعم. لا-لا يوجد.”
“هذا مُطمئن.”
قالها وهو يزفرُ بارتياح.
“لكن، السيّد كوستانس. بخصوص البارحة…….”
“البارحة…… كنتُ سعيدًا.
ما قلتُه كان جيّدًا جدًّا…….”
انتهى أمري……
—
بدأ مجيءُ السيّد كوستانس إلى المكتبة منذ أيّامٍ قليلة.
كوستانس.
اسمه الكامل: كوستانس ديتي أورسي.
ولم يُعرَف بين الناس إلّا قبل عامٍ واحد،
بسبب مقالٍ صحفيّ واحد.
خريجُ الأكاديميّةِ العسكريّة الأوّل على دفعته،
الملازمُ كوستانس أورسي يُنقِذُ العالَم.
كان الخوفُ من الحرب لا يزال مخيّمًا على القلوب.
وأفادت الصحيفةُ بوقوعِ احتكاكٍ بين السفينة التي كان يستقلّها كوستانس وسفينةٍ معادية.
كان وضعًا بالغَ الخطورة.
لم يُرِد أيٌّ من الطرفَينِ الحرب،
لكنّ التراجعَ أوّلًا لم يكن خيارًا ممكنًا.
……(حُذِفَ بعضُ المحتوى)
خطأٌ واحدٌ فقط كان كفيلًا بإشعال حربٍ عالميّةٍ جديدة.
……لكنّ من حلَّ هذا الموقف لم يكن سوى ملازمٍ لم يمضِ على خدمته البحريّة أكثرُ من ثلاثِ سنوات.
وكان ذلك الملازم هو كوستانس ديتي أورسي، وريثُ عائلةِ المركيز.
“سأبذلُ قصارى جهدي من أجل سلامِ البلاد.”
كان حوارُ كوستانس عاديًّا للغاية.
وعُرِفَ لاحقًا أنّ دارَ الصحافة تردّدت في نشر المقابلة،
خشيةَ أن يُصاب المواطنون الذين لم ينسوا رعبَ الحرب بالهلع.
لكن، ماذا حدث بعد النشر؟
نَفِدت الصحفُ في لحظات.
كوستانس ديتي أورسي.
البطلُ الجديدُ للإمبراطوريّة.
الجميعُ كان مهووسًا بكوستانس……
كان كوستانس أورسي رجلًا كهذا.
خريجُ الأكاديميّة الأوّل،
سليلُ دمٍ نبيل،
ابنُ أميرال،
وإلى جانب ذلك كلّه، وسيمٌ على نحوٍ لافت.
حتّى المواطنون الذين كانوا يحملون نفورًا من العسكريّين، كانوا يرحّبون به متى ظهر.
فهل يُعقَل أن يأتي كوستانس أورسي إلى المكتبة منذ أيّام؟
“أوقِفوا تطويرَ أسلحةِ الدمار!”
“حظرُ تطويرِ نوك (NOK)!”
“أوقِفوا تطويرَ السلاح!”
“أوقِفوه! أوقِفوه!”
“لا مزيدَ من الحروب!”
“لا! لا!”
طَقّ.
انغلقَت الستائرُ بصوتٍ واضح.
“أولئك المتظاهرون اللعناء،
لماذا يُثيرون هذه الفوضى أمام المكتبة؟
هل يظنّونها مكانًا سهلًا؟”
قال المديرُ وهو لا يُخفي غضبَه.
“سيّدي المدير، شش!
السيّد كوستانس يتحدّث الآن مع بيبي.”
……كلُّ شيءٍ مسموع.
“أبحثُ عن كتبِ المؤلّف تشيردو…….”
نظرتُ إلى السيّد كوستانس الواقف أمامي.
كينيري مدينةٌ كبيرة، وكان يرتاد المكتبةَ أحيانًا أشخاصٌ غريبون، لكنّ هذه المرّة كانت الأولى التي أرى فيها شخصيّةً مشهورة.
“……تمثالٌ يتكلّم.”
“حقًّا. أمرٌ عجيب.”
همسَت زميلاتي بصوتٍ خافت عند سماع صوته العميق.
أجل، أسمعكنّ.
أمّا كوستانس، فكان يُحدّق بي وحدي.
“أقصد كتبَ المؤلّف تشيردو.”
“آه، عذرًا.
هل تقصد المؤلّف الذي كتب في علمِ الأديان؟
لدينا خمسةُ كتبٍ له.
أيَّها تبحثُ عنه؟”
“أريدُها جميعًا.”
“هل تنتظرني لحظة؟”
ارتجفَت يدي.
كان الزيُّ العسكريُّ نادرَ الظهور في المكتبة،
فكيف إذا كان يرتديه ضابطٌ مشهور؟
لا بُدَّ أنّ مقرَّ القيادة البحريّة يضمُّ مكتبةً جيّدة،
فلماذا جاء بنفسه إلى المكتبة الوطنيّة في البلدة؟
“كتبُ الديانات في تصنيفِ المئتَين من هناك.”
“…….”
“وإن كنتَ مهتمًّا بعلمِ الاجتماع الديني، فهذا الرّفّ مناسب.”
انحنيتُ وأخرجتُ كتابًا من الرفّ السفليّ.
كلُّ العناوين كانت مليئةً بمصطلحاتٍ دينيّةٍ معقّدة.
لكنّه لم يُبدِ أيَّ ردّةِ فعل.
وحين نظرتُ إليه، وجدتُه لا ينظر إلى الكتب، بل إليّ.
“السيّد كوستانس؟”
“لا شيء.”
ارتبكَ قليلًا، ثمّ أخذ الكتاب من يدي.
“هل هناك أيُّ مشكلة؟”
تصفّحَ الكتب وقال:
“نعم، هناك.”
يا للأسف. كنتُ أتمنّى ألّا يكون.
“ما-ما هي المشكلة؟”
“قلتِ إنّها خمسةُ كتب، لكنّ واحدًا منها غير موجود.”
“……آه، ذاك بحثٌ أكاديميّ، ولا يُسمَح بالاطّلاع عليه للعامة.”
“وكيف يمكن الاطّلاع عليه؟”
“الأمرُ معقّدٌ قليلًا.”
كان معقّدًا،
لكنّه يصبح سهلًا إن قرّر أمينُ المكتبة ذلك.
هل أتهرّبُ وأدفعُ الأمرَ إلى إحدى الزميلات بحجّة الانشغال؟
فالجميعُ يتمنّى الاقترابَ من كوستانس.
“سأطلبُ من أمينٍ آخر المساعدة.
هل تنتظر قليلًا؟”
“لا بأس. ليس ضروريًّا.
هذه الكتب كافية.
شكرًا لكِ…… بيبي.”
قال اسمي بعد أن لمحَ بطاقتي.
كاد قلبي يسقطُ من صدري.
تماسكتُ بصعوبة.
“نعم، نعم.
إن احتجتَ أيَّ مساعدةٍ أخرى، فأخبرني.”
بعد تحيّةٍ قصيرة، عدتُ مباشرةً إلى مكتبي.
“إذن؟ كيف كان؟”
“هاه؟”
“ما بكِ؟ لماذا أنتِ متفاجئةٌ هكذا؟”
كانت الزميلاتُ ينتظرنني عند مقعدي.
“إنّه أكثرُ وسامةً عن قرب، أليس كذلك؟”
نسِينَ تمامًا أنّهنّ أميناتُ مكتبة.
وعند الضجيج، عبسَ المديرُ الذي كان يراجع الكتب خلفنا.
“لم يكن هناك شيءٌ يُذكَر.
والمدير ينظر إلينا بنظرةٍ مخيفة،
ألا يجدر بكنّ العودةُ إلى أماكنكنّ؟”
“آه!”
عادَت الزميلاتُ مسرعات.
لكن، لماذا السيّد……
‘يجلسُ هناك؟’
اختار أقربَ مقعدٍ إليّ.
‘لا تقل إنّه…….’
هل جاء السيّد كوستانس لأنّه عرف حقيقتي؟
“سيّدي المدير.”
لم أستطع الاحتمال، فناديته بحذر.
“ما الأمر يا بيبي؟”
“هل……
هل تحتاجونني في المخزن؟”
“المخزن؟
لا، لا تقلقي. ليس اليوم.”
فشلتُ في الهروب بحجّة المهمّات.
“إذًا، هل من مشوارٍ ما؟”
“لا يوجد.”
فشلٌ آخر.
“ربّما يجب تنظيفُ الممرّ؟”
“أبدًا.”
“ترتيبُ غرفةِ الأرشيف……؟”
“بيبي.”
“آه! إذًا هناك عملٌ في غرفةِ الأرشيف!”
هل نجحتُ أخيرًا؟
لكنّ المدير زفرَ بعمق.
“قلتُ لا يوجد.
اجلسي في مكانكِ واعملي بهدوء.”
“ماذا؟”
“ولا تفكّري في الخروج.”
“……حسنًا.”
الذاكرة الكاملة: القدرةُ على تذكّر ما يُرى مرّة واحدةً كما لو كان صورةً فوتوغرافيّة.
التعليقات لهذا الفصل " 1"