الفصل 18
بسبب جسده الضعيف، أُرسل إدوارد إلى الريف فور ولادته، ونشأ في قرية زراعية تابعة لسييرا تُدعى غوديا.
هناك، حيث تمتد الحقول الشاسعة التي ترعى فيها الخيول والأبقار، وتزدهر السهول الخصبة بزراعة العنب والقمح، قضى إدوارد اثني عشر عاماً من حياته.
أحبَّ إدوارد والديه، لكنه كان يشعر بطمأنينة أكبر تجاه سماء غوديا العالية، وهوائها النقي، ورائحة العشب، أكثر مما يشعر به تجاه والديه اللذين كان يراهما بالكاد خلال عطلات الصيف.
كان لوفاة والديه وقع الصدمة عليه؛ فقد قضى عمره يشتاق إليهما، ولم يتجاوز الوقت الذي أمضاه معهما العام الواحد.
كان ذلك في وقت بدأ فيه للتو يتفهم طبيعة دانيال الحساسة، ويعاني يومياً من مشاكل ليو الذي يشبه مهراً جامحاً.
كما كان الوقت الذي بدأ فيه للتو يعتاد على أخته إليزابيث، التي كانت تبدو له غريبة دائماً، فهي ليست والداً له ولا حتى أخاً من جنسه.
–”لقد عرضت عائلة كوبر تبنيكِ كابنة لهم.”
كانت أخته إليزابيث هي الشخص الأكثر جفاءً وغرابة بالنسبة له في المنزل، لكنه لم يدرك لماذا وقعت تلك الكلمات عليه كالصاعقة.
كلا، في الحقيقة هو يعلم؛ فقد عاش سنواته الاثني عشر في ريف غوديا وهو يشعر بأنه منبوذ.
فمهما كان جسده ضعيفاً، أيُّ والدٍ يترك طفله وحيداً في الريف؟
–”أنا….”
لم يرد سماع الإجابة؛ فإليزابيث أيضاً ستتخلى عنهم وتنبذهم.
سيعود وحيداً مرة أخرى، يصارع الوحدة ويشتاق لعائلته.
وبدا أن هذا هو المستقبل القريب؛ فإليزابيث لم تستطع الإجابة بسهولة، وهذا يعني أنها مترددة، وقريباً سيجد الإخوة الثلاثة أنفسهم في دار للأيتام أو مشردين في الشوارع.
عندما راودته تلك الفكرة، فكر إدوارد في الهروب أولاً؛ فبدلاً من أن يُجر إلى دار أيتام أو يعيش مشرداً، كان العودة إلى غوديا اللعينة والتحاف أوراق الشجر أفضل بكثير.
وهناك، تكمن كل ركائز حياته؛ الطريق المألوف، والجيران المعروفون… هرب إدوارد إلى غوديا بحثاً عن السلام، ولكن…
“أنا آسف يا إدوارد.”
كان جوزيف بيرسون مزارعاً مستأجراً يفلح الأرض لحساب عائلة هيرينغتون، وهو الرجل الذي ربى إدوارد منذ صغره.
“لماذا جيش الإمبراطورية هنا….”
ارتجف حاجبا إدوارد؛ فمن الناحية المبدئية، لا يحق لجنود الإمبراطورية دخول سييرا.
ومع ذلك، ظهر جنود يرتدون زي جيش الإمبراطورية ويحملون السيوف والبنادق في هذه القرية الصغيرة.
تجنب جوزيف بيرسون النظر في عيني إدوارد بدلاً من الإجابة؛ كانت على معصمه ساعة ثمينة لا تتناسب مع مستوى معيشته، لكن إدوارد الصغير لم يدرك تلك الحقيقة حينها.
“دخول جيش الإمبراطورية إلى سييرا يعني خرق اتفاقية السلام معها، كما أفهم.”
حذر إدوارد الجنود، وطالبهم بمغادرة سييرا فوراً، ثم قال:
“هناك الكثير من الأمور المشبوهة في وفاة والديّ اللذين ذهبا إلى الإمبراطورية. حققوا في حادث والدِيّ.”
“حادث؟”
“هذا الصبي هو الابن الأكبر لعائلة هيرينغتون.”
تبادل الرجل الذي بدا قائداً للجنود وجوزيف بيرسون النظرات؛ ثم قام الجنود بتكميم فم إدوارد وتقييده من الجانبين لمنعه من المقاومة.
‘لماذا جيش الإمبراطورية…!’
لم يفهم إدوارد ما كان يجري؛ فلكي يدرك الحقيقة كاملة، كان لا يزال مجرد صبي في الثالثة عشرة من عمره.
قام جندي ذو شعر أشقر محلوق بحبس إدوارد في مكان ما.
“ممم! ممم!”
كان مستودعاً قديماً جداً تفوح منه رائحة العفن؛ وفي ذلك المكان المظلم الذي لا يصله ضوء، حيث لا يمكن معرفة مرور الوقت، قضى إدوارد فترة من الزمن، قبل أن يمسكه الجندي من ياقته ويجره إلى مكان ما.
وهناك، باعه لتاجر عبيد؛ وبينما كان إدوارد يشاهد الجندي وهو يتسلم بضع عملات فضية، راح يصرخ ويصرخ، لكن كمامته ابتلعت كل صرخاته.
وهكذا بيع إدوارد لتاجر العبيد ووضع في مكان يشبه القبو.
“من الأفضل أن تكف عن المقاومة.”
كان ذلك حين أُلقي به في السجن بعد أن تعرض لضرب مبرح من تاجر العبيد حتى كاد يفقد الوعي؛ سمع صوتاً مقاربًا لشخص بعمره ينبعث من الظلام.
كان قد تعرض لركل عنيف لدرجة أنه لم يعد يقوى على التنفس؛ فخرج صبي ذو شعر أشقر زاهٍ وطويل وربت على وجنة إدوارد بخفة.
“لا تمت.”
“…هيك.. لن… أموت.”
كان اسم الصبي فريد؛ وهو أيضاً من سكان سييرا مثل إدوارد، اختُطف فجأة وأصبح عبداً.
والفرق الوحيد هو أن إدوارد كان من سكان سييرا أباً عن جد، بينما كان فريد ابن هارب من الإمبراطورية لجأ إلى سييرا.
“لقد شعرت أن الأجواء في سييرا غريبة، لكنني لم أتخيل أبداً أن يختطف جيش الإمبراطورية السكان هكذا علنًا.”
قال فريد بصوت فاتر؛ كان فريد، بتعبير إليزابيث، شخصاً غريباً.
رغم أنه في مثل عمر إدوارد، إلا أن أسلوبه كان غامضاً، وكانت نظراته توحي بعمر أكبر من ملامحه الطفولية؛ كما كان يمتلك تلك الرزانة الماكرة التي لا يكتسبها إلا من صقلته الشوارع.
“سأتحين الفرصة للهرب.”
“لقد رأيت حالات قُتلت بسبب المقاومة.”
“اللعنة. هل تنوي إذاً أن تصبح عبداً بكل بساطة؟”
سأل إدوارد بغضب؛ لم يستطع فهم فريد الذي كان هادئاً حتى في هذا الموقف.
فمهما كان إدوارد هادئ الطباع، لم يكن ليحافظ على رباطة جأشه وهو يقف عند مفترق طرق العبودية.
“هذا أفضل من أن تُقتل ضرباً؛ ستأتي اللحظة المناسبة.”
“يا لك من مجنون. هل تنوي انتظار اللحظة حتى تصبح عبداً وتموت؟”
هز فريد كتفيه ثم استسلم للنوم؛ لقد كانوا يُنقلون إلى مكان ما لثلاثة أيام في عربة بضائع مغلقة من جميع الجهات.
كان إدوارد يحاول طوال اليوم قطع الحبال التي تقيد يديه باستخدام حجر حاد؛ لكن جهوده ذهبت سدى.
“هاه.”
قُتل الفتية الذين حاولوا الهرب قبل إدوارد أمام الجميع ليكونوا عبرة؛ ارتعشت عينا إدوارد الرماديتان، وبينما كان وجهه شاحباً من الرعب، قال له فريد بصوت منخفض: “ستأتي فرصة أخرى.”
كان فريد الذي قال تلك الكلمات متجمداً من الخوف هو الآخر؛ لاحظ إدوارد يد فريد التي كانت تمسك بذراعه بقوة، وقد شحب لونها تماماً.
“يبدو أن شيئاً ما يحدث بين الإمبراطورية وسييرا.”
رد إدوارد بجمود على كلمات فريد
“الأحداث تقع دائماً؛ منذ أن قاد إدغار ريفيرا حركة تحرير العبيد بنجاح قبل خمسة عشر عاماً، والأمور تضطرب كعربة مجنونة.”
لينا: للتذكير البنت الي ساعدت إليزابيث قبل كم فصل اسمها أوليفيا ريفيرا
بعد نجاح إدغار ريفيرا في حركة تحرير العبيد، أصبحت العبودية غير قانونية في الإمبراطورية، وبناءً عليه أصبح الكثير من العبيد أحراراً.
ومع ذلك، فإن عادة العبودية المتأصلة لا تختفي في لحظة، لذا عانت الإمبراطورية من نقص حاد في العبيد؛ وبسبب ذلك، ظل هناك طلب عليهم رغم عدم قانونية الأمر.
ولهذا السبب، بدا أنهم مدوا أيديهم حتى إلى سييرا ليختطفوا الأحرار ويحولوهم لـعبيد، لكن كانت هناك الكثير من الأمور المريبة التي تجعل المرء يشك في أن هذا هو الهدف الوحيد.
“أتمنى أن تظهر تلك اللحظة المناسبة التي تحدثت عنها قبل أن يتم بيعنا.”
كان كلامه يحمل نوعاً من السخرية، لكن الفرصة جاءت كما قال فريد؛ فقبل لحظات من بيعه في مزاد العبيد، ظهرت إليزابيث كالمعجزة.
لم يعرف إدوارد كيف وجدت إليزابيث مكانه، لكنه أدرك أن ظهورها أمامه لم يكن مجرد صدقة عابرة.
“إدوارد. اصبر قليلاً! سأنقذك!”
كان ذلك الصوت الذي يهمس من بين نوافذ المستودع يشبه شعاعاً من الضوء، وكان في الوقت ذاته أملاً يائساً.
فأي قوة تملكها إليزابيث لتنقذه؟
والأسرة قد انهارت ولا يملكون المال.
ومع ذلك، لم يستطع إدوارد التخلي عن الأمل؛ ونجحت إليزابيث في إنقاذه هو والآخرين. و….
“لا تضرب أخي!”
تلك اللحظة التي خاطرت فيها بحياتها واندفعت نحو تاجر العبيد لإنقاذه…
كانت مجرد لحظة عابرة، لكن إدوارد شعر بشيء يخترق كيانه من رأسه حتى قدميه.
‘أخي.’
بالمعنى الدقيق، إليزابيث هي أخته فعلاً، وهو أخوها.
لكنه شعر وكأنه يدرك هذه الحقيقة لأول مرة؛ بدا الأمر جديداً عليه، وشعر بدفء غريب يسري في داخله.
بينما كانت إليزابيث تمسك به ويهربان من تجار العبيد، كانت نظرات إدوارد تقع مراراً وتكراراً على معصمه الذي تقبض عليه أخته بقوة.
كانت قبضة يدها قوية جداً لدرجة أن الدم لم يعد يجري في عروقه، وحتى وسط ذلك الموقف العصيب، شعر بتنمّل في أطراف أصابعه.
“أختي، ماذا تفعلين هنا؟ نحن في إمبراطورية كيرزين.”
ما الذي مرت به بعد أن غادر هو المنزل؟
وقبل ذلك، لماذا إليزابيث التي كان من المفترض أن تذهب لعائلة كوبر موجودة هنا في إمبراطورية كيرزين؟
“أنت من يجب أن يُسأل عن سبب وجوده هناك! ألم تصلك الرسالة التي تركناها لك؟”
لم يستطع إدوارد الحديث بصراحة عما حدث في غوديا.
فحقيقة تسلل جيش الإمبراطورية إلى سييرا كانت مسألة حساسة للغاية؛ والبحث في هذا الأمر لن يؤدي إلا لزيادة خطر تعرضه للمشاكل.
أما خيانة المزارع المستأجر الذي كان والداه يحسنان إليه دائماً، فالحديث عنها لا يجلب إلا ألم القلب، ولم يكن بحاجة لذكر تعرضه للضرب و الجلد يومياً من تاجر العبيد لمقاومته.
لم يرد ذلك أصلاً.
لذا، أجاب إدوارد باختصار: “…لقد انتهى بي الأمر هكذا في غوديا.”
وبهذا التفكير، منع إدوارد فريد من محاولة تحية إليزابيث.
“…ولنحذر من أن نقع في العبودية مرة أخرى.”
ودعهم فريد وابتعد؛ لم يكن صبياً عادياً أبداً.
شعر إدوارد بالأمل في أنه إذا نجا كل منهما، فقد يلتقيان يوماً ما في مكان عظيم.
بعد رحيل فريد، بقي إليزابيث وإدوارد وحدهما.
تبادلا السؤال عن أحوالهما بمزيج من الجفاء الفطري والفضول والقلق، وأخبرته إليزابيث أنها لجأت لدار أيتام قريبة.
‘ألم تذهبي لعائلة كوبر؟ لماذا؟’
دار هذا السؤال في ذهنه؛ كلمات قصيرة لم يستطع النطق بها.
كلمات كثيرة، وأسئلة عديدة، ومشاعر معقدة طفت في صدره؛ وفي النهاية، وصل لنتيجة واحدة.
‘سأذهب الآن في طريقي الخاص.’
بما أنهم نشأوا منفصلين، لم تكن هناك روابط أسرية قوية تجمعهم؛ لا مع أخته إليزابيث ولا مع أخويه الصغيرين.
ومع ذلك، كان هناك سبب واحد منعه من قول ذلك.
الدم على كُم ثوبه.
كان ذلك الدم ناتجاً عن جراح كفي إليزابيث التي أصيبت وهي تحاول إنقاذه.
شعر إدوارد بشيء حار ومرتجف يملأ أعماق صدره.
‘كفى الآن….’
لننفصل عند هذا الحد.
أراد قول ذلك، لكن إحساس قبضة يدها على معصمه كان واضحاً جداً لدرجة منعته من الكلام.
كانت الجروح في كفي إليزابيث ظاهرة، وكُم ثوبها الملطخ بالدم في حالة مزرية.
شيء ما، ليس بالبهجة ولا بالحزن، أربك أنفاسه؛ فكتم إدوارد بكاءً يغلي في داخله وأجاب: “حسناً.”
أجل، هو يفعل كل هذا من أجل نفسه؛ هكذا أضاف تبريراً لاختياره.
“بما أن دار الأيتام يرتادها الكثير من الأطفال، فستكون مكاناً جيداً للاختباء.”
لكن أمام ابتسامة أخته إليزابيث التي تلت ذلك، تخلى إدوارد عن كل تلك التبريرات.
كانت ابتسامة إليزابيث المليئة بالفرح هي ابتسامة لا تُرسم إلا لأن الشخص الذي استعادته اليوم هو “عائلتها”.
في السابق، كان وجود والديه هو ما جعل إليزابيث أخته ودانيال وليو إخوته، أما الآن، فقد شعر أن إليزابيث هي أخته ولذا سيشعر بأن الصغيرين هما عائلته.
حينها فقط، أدرك إدوارد من جديد أنهم عائلة.
–”العائلة هي من تبقى معاً دائماً، في الشدائد والمسرات يا بُني.”
العائلة التي اشتاق إليها كثيراً طوال فترة عيشه في الريف؛ في ذلك اليوم، اجتمع إدوارد بعائلته من جديد.
ترجمة: ميل
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 18"