الفصل 16
كان الوقت قد شارف على منتصف الليل حين خرج إدوارد من مقابلته مع السيّدة ميلر.
كانت لديّ أسئلة كثيرة وكلام يملأ صدري، لكنني كتمت كل شيء حين رأيت ملامح الإرهاق الجليّة على وجهه.
“لا بد أنك متعب، اذهب وارتح.. لا تفكر في شيء ونم فحسب.”
قلت ذلك بنبرة تحمل وعظاً خفياً وأنا أسير تجاه غرفة الصبية، حينها أطلق إدوارد تنهيدة قصيرة وناداني.
“أختي.”
“نعم؟”
التفتُّ لأرى وجهه المثقل بالأفكار المعقدة؛ تُرى بماذا يفكر؟ لا أزال عاجزة عن فهمه.
تحركت شفتاه وكأنه يهمّ بقول شيء ما، لكنه سرعان ما هز رأسه وأطبق فمه صامتاً.
وقعت نظراته للحظة على معصمي؛ هل يؤلمه معصمه؟ أم أنه التوى وهو يقاتل بالسيف؟
“ما الخطب؟ تحدث براحة.”
“… هل أنتِ مصابة في مكان ما؟”
“آه.. لا، أنا بخير. شكراً لقلقك.”
كانت كذبة؛ فمن يديّ إلى ركبتيّ، لم يكن هناك موضع في جسدي لا يؤلمني، لكنني لم أستطع التذمر وبث شكواي لصبي نجا لتوه من براثن تجار العبيد.
“يسرني سماع ذلك، إذن ارتاحي.”
“آه، حسناً.”
تجاوزني إدوارد وفتح الباب ليدخل، وقفتُ أحدق في طيفه المتواري خلف الباب ثم مِلت برأسي تساؤلاً؛ هل كان يقلق عليّ للتو؟ يا للهول..
‘يبدو أنني عشت حتى رأيت يوماً كهذا.’
إدوارد يقلق عليّ!
لم أشعر بالفرح بقدر ما شعرت بقشعريرة غريبة سرت في جسدي، فرحت أحك ذراعي وأنا أعود لغرفة الفتيات؛ استلقيت على السرير وفكرت.
بما أن إدوارد قد عاد، سأتمكن من النوم بعمق الليلة.
* * *
إدوارد من النوع الذي لا يتحدث عن نفسه أبداً؛ لذا وبينما كنت أنا ودانيال نسرد كل ما حدث في غيابه، لم ينبس هو ببنت شفة عن المكان الذي هرب إليه.
“أخي الكبير، اشتقت إليك.”
كان ليو سعيداً جداً برؤيته لدرجة أنه تعلق بظهره يتدلل عليه؛ في العادة كان إدوارد سينفضه عنه متذمراً، لكنه استقبله بوجه جامد وكأنه يقدر شوق أخيه بعد هذا الفراق.
“لقد كتبت رسالة أخرى لعرابتي هذا الصباح تحسباً لأي طارئ، فربما إذا علمت بوجودنا في إمبراطورية كيرزين تأتي لرؤيتنا ولو لمرة واحدة.”
“فهمت.”
“لقد فقدت الكثير من وزنك، أولئك الأشرار! كان عليهم إطعامك جيداً على الأقل.”
وبينما كنت أتذمر بغضب، ألقى دانيال سؤاله المباشر: “لكن أين كنت طوال تلك الفترة يا أخي؟”
لم يجب إدوارد، بل غرق في أفكاره بعينين هادئتين.
انتظرت أنا ودانيال إجابته، بينما كان ليو الوحيد المنشغل بالتمرغ على الأرض بشتات ذهنه المعتاد.
كنا نتحدث في الساحة الخلفية للدار، لذا حملت ليو بسرعة بين ذراعي؛ إذ لم أحتمل رؤية ثيابه تتسخ بالتراب، وعندها فقط، فتح إدوارد فمه ليتحدث.
“أختي، لا تكرري ما فعلته بالأمس أبداً، لقد كان الأمر خطيراً للغاية.”
“ماذا؟ لا، انظر.. لقد عدت سالمة.”
“لقد كان مجرد حظ.”
“ربما، لكنني سأنقذك مرة أخرى إن وقعت في مأزق مماثل.”
“حينها ستُباعين معي في المزاد.”
يا له من أمر يثير الحنق! بدلاً من أن يشكرني على إنقاذه، يطلب مني ألا أفعل ذلك مجدداً؛ ومن الذي ناداني بالأمس بحفاوة؟
وكأنه قرأ ما يدور في خلدي، بادر إدوارد بالشكر بلهجة أرستقراطية أنيقة: “لكنني أشكركِ من أعماق قلبي لأنك أنقذتني، يا أختي.”
“……”
ابتسم إدوارد ابتسامة خفيفة بدت في غاية الرقي، حتى تبادرت إلى ذهني كلمة “نبيل”.
‘يبدو أنني أنا من عانيت المشاق وليس إدي.’
شعرت برغبة في ليّ شفتي لأنه يتصرف كشخص بالغ رغم أنه أصغر مني.
“هل تحدثت مع السيّدة ميلر؟”
“نعم.”
للحظة خُيّل إليّ أن وجهه قد أظلم؛ قلت “خُيّل إليّ” لأن ملامحه تجمدت لبرهة خاطفة جعلتني أشك في دقة ملاحظتي.
“لقد سلمتها الرسالة أيضاً، فلا تقلقي.”
“شكراً لك، لقد تعبت كثيراً.”
“لا بأس، ولكن يا أختي.. لقد فقدتِ الكثير من وزنك.”
“آه.. هذا، حسناً.. أنا في مرحلة النمو.”
كانت كذبة؛ لم يكن السبب هو النمو بل الجوع.
فمنذ انهيار عائلتنا لم نأكل وجبة مشبعة قط، وخصوصاً منذ قدومي لهنا واحتجازي في تلك الغرفة اللعينة، ذبل جسدي تماماً.
‘ثيابي أصبحت فضفاضة.’
كنت نحيلة في الأصل، والآن أشعر بأنني صرت أنحل بكثير.
لكن قلقي الحقيقي كان على أخويّ الصغيرين؛ فأنا قد كبرت بما يكفي، أما هما ففي سن يحتاجان فيه للأكل كثيراً، وخصوصاً إدوارد الذي بدأ يزداد طولًا وبات في عمر يمكنه فيه أكل الحجر من شدة الجوع.
‘كان الفطور هذا الصباح مجرد قطعة خبز واحدة.’
ليو، الذي يملك شهية كبيرة بطبعه، ظل يتذمر من نقص الطعام، فانتهى بي الأمر بالتنازل له عن حصتي؛ كان يؤلمني قلبي لرؤية شعر دانيال الذي بدأ يفقد بريقه، وتذمر ليو من الجوع.
وليس هذا فحسب، بل إن رؤية إدوارد الذي عاد شاحباً كانت تؤذيني، ناهيك عن أنني أنا أيضاً أكاد أموت جوعاً.
“حسناً.”
“ماذا؟”
“ابقَ مع دانيال وليو وانتبه لهما، لديّ مكان أذهب إليه قليلاً.”
“أختي، إلى أين..؟”
“إن سألت السيّدة ميلر، قل لها إن معدتي تؤلمني وذهبت للمرحاض.”
تأكدت من عدم وجود من يتجسس علينا، ثم تسللت خارجة من دار الأيتام وركضت بأقصى سرعتي.
يبدو أنني صرت أركض كثيراً مؤخراً؛ ورغم أن هذا قدري كفتاة لم تعد ابنة عائلة ثرية، إلا أن لياقتي البدنية لم تتغير بتغير ظروفي، فسرعان ما انقطع نفسي.
“يا إلهي، سأموت.”
اختبأت بين الشجيرات وتفحصت المكان؛ رأيت أناساً يتحركون خلف نوافذ المستودع البعيد، لكن لم يكن أحد قريباً مني.
‘لحسن الحظ.’
المكان الذي قصدته لم يكن سوى بستان الفاكهة؛ هذا البستان الذي جئت إليه مع الفتيات سابقاً للمساعدة في بعض الأعمال، وكنت حينها أربي ديدان القز في المستودع الذي يلي حقل الفراولة.
‘أووه.. كان أمراً مروعاً.’
بمجرد تذكر تلك الحشرات المقززة، شعرت بقشعريرة تسري في كتفيّ.
‘أنا أكره الحشرات أكثر من أي شيء في العالم!’
مسحت ذراعيّ وراقبت النافذة؛ تأكدت من عدم وجود من يراقبني، ثم زحفت شيئاً فشيئاً نحو حقل الفراولة.
كان هدفي هو بعض الفراولة وأربع بيضات؛ كنت أتمنى إطعام الصغار الحليب والجبن أيضاً، لكن الحصول عليهما لن يكون سهلاً.
‘أنا آسفة، سأعوضكم عن كل شيء حين أكبر.’
وبينما كنت أقترب بحذر من حقل الفراولة…
“من الجيد أنه لم تكن هناك خسائر بشرية، يقال إن أحدهم أشعل النار عمداً.”
خرج العمال من المستودع وهم يتحدثون؛ فانبطحت بسرعة خلف الشجيرات.
“سمعت أن ذلك كان لتهريب العبيد؟ يقولون إن طفلاً ما فتح الأبواب وهربوا جميعاً، الخسائر فادحة.”
“يا له من شجاع، لا بد أنه متمرد بالفطرة.”
كادت تخرج مني شهقة، فكتمت فمي بيدي بسرعة؛ كانوا يتحدثون عني! لم يمر سوى يوم واحد وقد انتشر الخبر هكذا؟ ماذا أفعل..
“يقال إنهم يفتشون القرى المجاورة بدقة للبحث عنه، ويقال إن مالك العبيد، سواء كان باروناً أو كونتاً، يثور غضباً ويطالب بتعويضات.”
خفض العامل صوته وهو يتلفت حوله.
“لكن يبدو أن ذلك الشخص قد اختفى تماماً.”
كان قلبي يخفق بشدة لدرجة خفت معها أن يسمع العمال دقاته.
إن أمسك بي تجار العبيد، فلن ينتهي الأمر بأن أصبح عبدة فحسب، بل ربما يقتلعون شعري أو يجلدونني أو يعلقونني رأساً على عقب…
‘لا، لا تفكري في أمور مرعبة.’
هززت رأسي وراقبت العمال وهم يبتعدون؛ وحين اختفوا من الجوار، ركضت بسرعة نحو حقل الفراولة.
بدافع الضمير، اخترت أسوأ حبات الفراولة وقطفت القليل جداً منها؛ قطفت قدراً لا يكاد يُلاحظ ولففته في منديلي، ثم ركضت نحو خم الدجاج بجانب المستودع.
‘هاه.. هاه.. هاه.’
حين كنت أعيش في القصر، لم أكن أرى الدجاج أبداً؛ لذا وبينما كنت أخوض في خم يملؤه الروث لأخرج البيض، شعرت وكأنني أصبحت فتاة ريفية حقاً.
‘رغم أنني في الريف فعلاً.’
فتاة ريفية أم مدنية، ما يهم الآن هو إشباع بطون إخوتي بهذا البيض؛ وبينما كنت أخرج من الخم بحذر كي لا يتسخ حذائي وثيابي بالروث..
“أوه.. لا!”
تجمدت مكاني من الصدمة مما رأيته أمامي؛ فما كان يقف أمامي هو..
“غرررررر.”
كلب حراسة يحمي البستان؛ تمنيت لو كان كلباً صغيراً، لكنه للأسف كان بحجم دانيال، يكشر عن أنيابه الحادة ويزمجر بتهديد.
الكلاب التي عرفتها كانت صغيرة ولطيفة حتى وهي تزمجر.
“آه.. مـ-ـرحباً؟ سـ-ـعيدة بـ-ـلقائك..”
حاولت رسم ابتسامة على وجهي، لكنه لم يهدأ بالطبع؛ مددت يدي ببيضة واحدة نحوه، لكن لم يأتِ منه سوى نباح مدوٍّ!
كان من الواضح أنه يهمّ بالهجوم؛ رأيت لمعان أنيابه، وابتلعت ريقي بصعوبة.
استمرت المواجهة المتوترة للحظة قصيرة، ثم..
“آآآآآه!”
كنت أعلم أن الحصول على الفراولة والبيض لن يكون سهلاً؛ فبالنظر لحياتي المتعثرة مؤخراً، كان من المفترض أن أسقط في الخم وأتلطخ بالروث.
ركضت بأقصى ما أوتيت من قوة كي لا أُعض؛ فبإمكاني تحمل الجوع والأرق، لكنني أكره الألم بشدة، ومن الواضح أن تلك الأنياب ستمزق لحمي.
هربت حتى شعرت أن ساقي ستخذلانني، ثم تسلقت شجرة ما؛ لا أذكر كيف فعلت ذلك فأنا لم أتسلق شجرة في حياتي قط.
“هئ.. هئ..”
جلست على غصن الشجرة وأسندت رأسي إلى جذعها؛ كان نفسي مقطوعاً لدرجة شعرت معها بالدوار، وبدأ العالم يظلم أمام عينيّ ثم يعود، وكنت غارقة في العرق.
“واوف! واوف!”
كان الكلب في الأسفل يكشر عن أنيابه وينبح نحوي؛ حاولت التقاط أنفاسي وأنا أنفض ثيابي المبللة بالعرق، ثم أدركت الحقيقة.
“آه..”
لم يكن العرق وحده؛ أو بالأحرى، كنت غارقة في العرق فعلاً، لكن بلل ثيابي لم يكن بسببه فحسب.
“يا إلهي.. ما هذا..”
البيض الذي وضعته في حضني قد انكسر وتلطخت ثيابي به تماماً؛ فتحت المنديل بخوف لأتفحص الفراولة، ولحسن الحظ كانت سليمة.
أما كل شيء آخر، فلم يكن سليماً على الإطلاق.
نفضت قشور البيض العالقة بثيابي؛ كان الأمر مروعاً أكثر من تعرضي للضرب من السيّدة ميلر.
“واوف.. واوف..”
بدأ الكلب الذي كان ينبح بجنون يفقد اهتمامه بي تدريجياً حين رآني صامدة في الأعلى؛ أسندت رأسي بضعف إلى جذع الشجرة وراقبت الكلب وهو يبتعد.
لم أرد النزول؛ أو بالأحرى، لم أرد التحرك أبداً.
فكرة العودة إلى دار الأيتام بهذا المنظر المهين، ومن أجل بضع بيضات فقط، كانت فكرة مروعة.
‘أنا أكره هذا.’
حتى الدموع لم تعد تخرج؛ شعرت أنني لو استيقظت من هذه الحالة الذهنية سأشعر بواقع مرير يحطمني، لذا بقيت فوق الشجرة فحسب، أحدق في الفراغ حتى حلّ الغروب.
ترجمة: ميل
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 16"