كانت هونغ يونغ ريونغ، التي طالما لاقت المديح لحدسها الحاد أثناء خدمتها السيدة مو يونغ، متأكدة تمامًا هذه المرة، رغم عدم وجود أي دليل مادي، أن كل الخيوط تقود إلى كيم سول ها.
صرخت بانفعال:
“لماذا تفعلين هذا بي؟!”
ابتسمت كيم سول ها بسخرية وهي تنظر إليها.
“أليست هذه الجملة من حقي أنا؟”
فهي لم تكن البادئة، بل كانت هونغ يونغ ريونغ هي من بدأت أولاً.
كلما تذكرت يو إيون سول التي ما زالت فاقدة لوعيها، كانت النار تشتعل في صدرها.
“لا تسيئي الفهم، سيدتي هونغ.”
“ما الذي تقولينه؟”
“من بدأ أولاً لم يكن أنا، بل أنتِ.”
تقدمت كيم سول ها نحو السرير وأمسكت بالكتاب الذي حاولت هونغ يونغ ريونغ أن تنتزعه.
“أهذا ما كنتِ تثيرين كل ذلك الشغب من أجله؟”
اتسعت عينا هونغ يونغ ريونغ وكادت تتمزقان من الذهول.
لقد بدا الكتاب بوضوح أنه دفتر حساباتها المفقود.
صكّت أسنانها حتى برز فكها.
زاد اتساع ابتسامة كيم سول ها خلف الكتاب، إذ بدا من رد فعل خصمتها أنها وقعت بالفعل في الفخ.
“أنصحك بإعادته إليّ فورًا، سيكون هذا أفضل لكِ.”
قالت هونغ يونغ ريونغ ذلك وقد استعادت توازنها بسرعة، لمجرد أنها أدركت أن الدفتر في متناولها.
“لا أعرف كيف حصلتِ عليه، لكن صدقيني هذا ليس شيئًا يمكنك تحمله.”
ثم أضافت بلهجة تحذيرية:
“فكري جيدًا يا آنسة، خلفي تقف السيدة مو يونغ.”
لكن كيم سول ها ضحكت بخفة.
“وماذا في ذلك؟”
ارتفعت نبرة هونغ يونغ ريونغ:
“إن علمت بالأمر فلن تدعكِ وشأنك!”
غير أن رد فعل كيم سول ها كان باهتًا، ما دفع خصمتها لتغيير أسلوبها:
“أعيديه إليّ، وسأتخلى عن كل ما يخصك. لن أتدخل بعد الآن في أي شأن من شؤونك.”
رفعت كيم سول ها حاجبيها باهتمام لأول مرة.
“وما معنى ذلك؟”
“سأمنحكِ كامل الصلاحيات في شؤون نفقاتك وخدمك وما يخص دارك.”
لمعت عينا كيم سول ها قليلًا، إذ بدا العرض مغريًا بالفعل، لكنها لم تتردد في الرد:
“فات الأوان، كان عليكِ قول هذا منذ البداية.”
“آنسة!”
قاطعتها كيم سول ها ببرود:
“تظنين أن السيدة مو يونغ ستؤذيني؟ تظنين أنها ستتخلص مني؟”
أمالت رأسها بلا مبالاة، فيما ظهر الاضطراب على وجه خصمتها.
ابتسمت وهي تضيف:
“لقد قلتها مرارًا، حتى لو أبغضتني ورأتني عيبًا وعقبة، فإنها لن تلوث يديها بي.”
لم يكن الأمر رأفة منها، بل لأن المسألة تتعلق بمكانة أسرة كيم نفسها.
“أنا حفيدة كيم الكبرى ووريثة دم كيم. من سيتجرأ على تجاوز ذلك؟”
أدركت هونغ يونغ ريونغ تمامًا أن الأمر صحيح.
لو مُسّت حياتها بشكل مباشر، فلن يقف الجد مكتوف الأيدي، ليس حبًا لها، بل حفاظًا على هيبة العائلة.
“هل تعتقدين أن السيدة مو يونغ رحيمة بطبعها؟”
بالطبع لا.
إنها فقط تتجنب خلق مشاكل قد تتحول إلى نار يصعب إخمادها.
“أنا على الأقل قادرة على حماية نفسي، لكن هل تظنين أن بإمكانكِ أنتِ ذلك؟”
ابتسمت كيم سول ها بخبث، فيما شحب وجه هونغ يونغ ريونغ.
“هل… هل تهددينني؟”
أجابتها ببرود:
“أنا فقط أوضحت أن أي فضيحة ستسبب لكِ المتاعب أكثر مما تسببها لي، إن كان هذا تهديدًا في أذنكِ فهذا شأنكِ.”
تنفست هونغ يونغ ريونغ بحدة، وهي تدرك أنها مجبرة على حل الأمر بهدوء ودون فضائح.
“ما الذي تريدينه إذًا؟”
ابتسمت كيم سول ها وهي ترفع أصابعها واحدة تلو الأخرى:
“ما ذكرتِه قبل قليل يكفيني الآن: استعادة مخصصات نفقاتي كاملة، وأريد أن أختار خدم داري بنفسي.”
أدركت خصمتها أنها تعني إزالة جميع العيون التي زرعتها حولها.
قبضت يدها غيظًا ثم قالت:
“حسنًا… لكن عليكِ إعادة الدفتر إليّ.”
هزت كيم سول ها كتفيها ولوّحت بالكتاب في يدها.
“حتى لو لم يكن ما تبحثين عنه.”
تقدمت وأشارت برأسها إلى ها دو ون، فأفلت هونغ يونغ ريونغ.
مدت يدها بسرعة وانتزعت الكتاب من يدها.
لكن وجهها تجمّد فجأة.
“هذا….”
قالت كيم سول ها بابتسامة واسعة:
“كما ترين، مجرد كتاب روايات للصغار.”
لقد وقعت في الخديعة.
كان الغلاف نفسه تقريبًا، حتى الخدوش متشابهة، لكن المحتوى مختلف تمامًا!
“هل ما زال لديكِ ما تقولينه لي؟”
عضّت هونغ يونغ ريونغ شفتيها وهي تنظر إلى كيم سول ها التي ابتسمت بخفة ماكرة.
كانت تعلم أن ما في يدها ليس دفتر الحسابات، لكن…
‘أن تجرؤ على إخراج شيء يشبه الدفتر تمامًا في هذه اللحظة بالذات…’
هذا يعني أنها تعرف شكل الدفتر الحقيقي.
بما أنها لم تحصل عليه، لم تستطع هونغ يونغ ريونغ التهور أكثر.
لو ارتكبت أي خطأ، فقد تكون نهايتها على يد السيدة مو يونغ نفسها.
‘الآن عليّ أن أتراجع.’
كان هذا هو الحكم البارد الذي سمح لها بالبقاء إلى اليوم كأقرب خادمة عند مو يونغ.
قالت بصوت منخفض:
“سأنسحب… الآن.”
رغم أن ظلًا من الغيظ خيّم على ملامحها، لم تُضف كلمة أخرى، بل استدارت وغادرت.
تابعتها كيم سول ها بنظرات تنمّ عن الإعجاب ببرود أعصابها.
وعند عتبة الباب، توقفت شفاه سول ها لتتمتم ببطء:
“الأفضل أن تحسني اختيار من تضعينهم بقربك. فالمودة التي تُشترى بالمال… تنهار أمام من يدفع أكثر.”
توقفَت السيدة هونغ لحظة، وشدّت قبضتها بقوة، فيما أخذت الأفكار السوداء تسيطر على ذهنها:
الهدايا الثمينة التي وزعتها سول ها على الخدم، والتصورات المرعبة التي أوحت بها كلماتها. ثم أغلقت الباب بعنف ورحلت.
عندما تلاشى صوت خطواتها، التفتت سول ها وقالت بهدوء:
“دو وُن.”
فأجاب:
“لقد غادرت الدار تمامًا.”
عندها فقط ارتاحت وألقت جسدها على السرير بغير اكتراث.
دخلت سو يونغ مسرعة وسألت بقلق:
“أجواء السيدة هونغ لم تكن طبيعية، هل أنت بخير يا آنسة؟”
ابتسمت سول ها وقالت:
“أنا من انتصرت هذه المرة.”
ترددت سو يونغ:
“انتصرتِ؟ لكن السيدة هونغ معروفة بأنها تمحو المعروف بسرعة، بينما لا تنسى الضغينة أبدًا… ألا تقلقين؟”
ضحكت سول ها وربّتت على كتفها:
“اطمئني، لن يحدث شيء في الحال. لديها ما يشغلها أكثر مني الآن.”
“يشغلها؟”
“كانت تراقبني عن قرب دومًا وتحصي كل حركاتي. الآن ستبدأ تفكر: ألا يمكن أن تُعامل بنفس الأسلوب؟”
اتسعت ابتسامة سول ها وهي تتابع:
“من الآن فصاعدًا، ستبدأ بالشك في كل من حولها.”
“بسبب كلماتكِ الأخيرة؟”
“بالطبع. لن تعود تثق حتى بمن يعرفون أمر الدفتر.”
أومأت بثقة وأضافت:
“كلما نظرت في وجوه أتباعها، ستسأل نفسها: هل اشتراهم أحد؟”
كانت هونغ يونغ ريونغ بارعة في السيطرة على الناس لكنها لم تكن محبوبة حقًا.
وقد ضربت سول ها هذا الوتر الضعيف.
“الخيانة لا تأتي من بعيد، بل دائمًا من أقرب الناس إليك.”
ارتجفت سو يونغ وقالت:
“لا أريد أن أكون في صف أعدائك أبدًا يا آنسة.”
لقد زرعت سول ها بذرة الشك في عقل خصمتها.
عندها فقط فهمت سو يونغ عمق خطتها، فارتسمت على وجهها ملامح صدمة.
“لكنها ستعود لتشك بكِ أنتِ أيضًا.”
تكلم هادو وُن، الذي كان صامتًا طول الوقت:
“هذا مؤكد.”
ثم أضاف محذّرًا:
“أينما ذهبتِ، لا تتحركي وحدك أبدًا.”
ابتسمت سول ها :
“أنا أقدر جيدًا قيمة حياتي.”
لكن ها دو وُن تنهد وقال بجدية:
“يبدو أنكِ لا تعرفين بعد كم يمكن أن يصبح الفأر المحاصر وحشيًا… ولا كم قد يغدو أهل المقاتلين قساة إذا حُشروا في الزاوية.”
التعليقات لهذا الفصل " 35"