الفصــ ٤ ــل
في حياتها السابقة لم تكن إيلا تهتم بما يفعلهُ بايرون .
كل ما كان يشغلُها هو إتمام ما يطلبه منها بدقة لتنال ثناءه البسيط فتشعر بسعادة لا مثيل لها .
لكن حتى في هذه الحياة لن يكون من السهل كشف خططه إن أبدت اهتماما مفاجئا بِه .
فبايرون لن يشارك كلبة صيد مثلهـا أسرار خططه أبدا .
كان عليها أن تستخدم المهارات التي علّمها إياها لتكون سلاحا للإنتقام لتكتشف الحقيقة بنفسها .
من المفارقة أن المهارات التي درّبها عليها لقتل رودريك ستصبح السلاح الذي يكسرُ ظهره .
لم يكُن لبايرون أن يتوقع هذا أبدًا .
هل يجب أن تشكره على ذلك ؟ إبتسمت إيلا بسخرية .
” لنبدأ بتسخين خفيف .”
أشار كلاود برأسه إلى ساحة التدريب ليطلب منها الركض .
كانت هذه عادة يومية فلا حاجة للكلام .
رغم أنها لم تتدرب معه منذ زمن طويل إلا أنها فهمت قصده على الفور .
أغلقت إيلا فمها بإحكام وبدأت تركض في ساحة القلعة المُغبرة .
كانت تعتقد أنها إذا ركضت بجد لبضع جولات سيتركها كلاود ليُشغل نفسه بأموره .
كان هذا نتيجة ثقة بنتها على مدار سنوات من التدريب المستمر .
كان يثق أنها ستواصل تدريب جسدها حتى لو لم يراقبها .
في الماضي كانت تركض في الساحة بأسنان مشدودة فقط لتنال رضا والدها وحبهُ .
تذكر هذا المشهد جعلها تشعر بانزعاج لا حدود له .
لكن ذلك كله مضى . لم يعد عليها أن تفعل هذا بعد الآن .
رغم أن بناء اللياقة البدنية ليس أمرا سيئا إلا أن هناك ما هو أهم الآن .
“بما أنني عدت إلى طفولتي يجب أن أتحقق من مستوى لياقتي الحالية “
عندما دخلت بيت الدوق كانت قد تجاوزت مهارة معلمها كلاود .
كانت قادرة على تتبع أحدهم خفية والتجسس عليه وقتله دون أن يشعر .
لم يكُن هناك من يضاهيها في هذه المهارات .
لكنها كانت تسخر من نفسها . أليست هذه مهارات مخجلة لا يمكن التباهي بها ؟
ومع ذلك كانت هذه المهارات ضرورية لإيلا .
كانت تحتاجها لتكتشف ما يخطط له بايرون .
لكن هذا يتطلب قوة جسدية تدعمُها .
لذا كان عليها أن تتحقق من لياقتها الحالية .
نظرت إيلا حولها أولا لتتأكد أن لا أحد يراقبها .
كان الصباح هادئا في القلعة مع بداية اليوم .
كان هناك حراس عند المدخل لكن يبدو أن لا أحد يراقبها في الساحة المحاطة بالأسوار .
في الماضي كانوا يراقبونها دائما لكن الآن يبدو أن المراقبة خفيفة بسبب صغر سِنها .
” حسنًا “
بعد التأكد من خلو المكان تسلقت إيلا شجرة قريبة من ساحة التدريب بحركات خفيفة ودقيقة لتقليل الضوضاء .
ابتسمت بارتياح وهي تقف على الشجرة .
يبدو أن صغر جسمها جعلها أكثر رشاقة .
لم تمسك خنجرا بعد لكنها شعرت أنها قادرة على استخدام السيف بسهولة .
وقفت على غصن قوي وحاولت محاكاة حركات السيف بيدها الفارغة .
كانت حركات ذراعيها وتوازنها مثاليين .
في هذه الأثناء أصبحت السماء المغيمة مُشرقة تمامًا .
رأت لورا تفتح الباب وتخرج . يبدو أن وقت التدريب الصباحي انتهى .
لم تكن إيلا تريد أن يراها أحد هكذا فنزلت بسرعة من الشجرة .
رغم ارتفاع المكان هبطت دون أي صوت تقريبا .
عدلت ملابسها وبدأت تركض في الساحة مجددا كأن شيئا لم يكُن .
” آنستي انتهى التدريب . يجب أن تستحمي قبل تناول الطعام مع السيد “
كانت إيلا معتادة على الاستحمام بمساعدة لورا بعد التدريب لتتأنق قبل مقابلة بايرون .
في الماضي كانت تفعل ذلك بحماس لتبدو جميلة في عيني والدها لكنها الآن شعرت بالاشمئزاز .
كان الجميع وخاصة لورا مهووسين بشعر إيلا .
شعرها الفضي الذي يشبه شعر أوفيليا .
“شعرُكِ رائع حقا يا آنسة . السيد سيكون فخورا جّدًا به “
كانت لورا تهمس بكلمات حلوة وهي تمشط شعر إيلا بعناية .
حتى في حياتهم المتقشفة بين القلاع المهجورة لم ينقطع زيت الشعر الفاخر أبدًا .
في الماضي كانت إيلا تعتقد أن هذا دليل على حب والدها لها .
لكنها أدركت لاحقا أن هذا لم يكن سوى هوس مريض بأوفيليا والدتُها .
” ألستِ سعيدة ؟”
سألت لورا باستغراب إذ كانت إيلا دائما تبتسم خجلا عندما يمدحون شعرها .
“… أنا سعيدة “
كبحت إيلا رغبتها في البصق على وجه لورا وابتسمت بخجل .
عندها عادت لورا لتمشيط شعرها بتمعُن .
كان موعد الإفطار مع بايرون أقرب إلى الغداء .
كان دائما يستيقظ متأخرا بعد أن تُشرق الشمس عاليًا .
بعد أن أنهت إيلا تدريبها الصباحي واستحمامها جلست عِند الطاولة .
دخل بايرون الغُرفة بخطوات واثقة وهوَ يبدو كمن استيقظ للتو .
في الماضي كانت إيلا تحب مظهره .
شعره الأحمر الناري وعيناهُ الذهبيتان المتلألئتان وملامحهُ الوسيمة .
رغم أنها لم تشبهه أبدا كانت مُقتنعه بِأنهُ والدها الحقيقي .
كانت تعتقد أن هالته النبيلة التي لا تُقاوم تجعلها فخورة بكونِه والدها .
لكن الآن كان عليها أن تبذل جهدًا عظيما لتتجنب إشمئزاز وجهها أمامهُ .
كانت تريد أن تنقض عليه وتمزق أطرافه وتسأله لماذا فعل بِها هذا .
لكن كان عليها أن تتحمل .
لتكتشف ما يُخطط لهُ بايرون ولتعود بأمان إلى رودريك وأوفيليا .
كان عليها أن تجعله يعتقد أنها لا تزال تتبعه بإخلاص .
” لذا يجب أن أتحمل “
أجبرت إيلا عضلات وجهها على رسم ابتسامة مشرقة .
ثم فتحت فمها بصوت مرح وقالت :
” صباح الخير يا أبي هل نمتَ جيّدًا ؟”
كان عليها أن تكون الفتاة السعيدة التي تلتقي بوالدِها المحبوب .
” نعم يا ابنتي . تعالي إلى هُنا .”
جلس بايرون على كرسي فخم كأنهُ عرش وأشار إليها بغرور .
كانت هذه عادته اليومية .
بغض النظر عن مزاجه كان دائما يبدأ يومه بمداعبة شعر إيلا .
في الماضي كانت إيلا تهرع إليه بسعادة وتركع أمامه .
كانت تشعر أنها محبوبة حقا في تلك اللحظات .
لذا كان عليها أن تفعل ذلك الآن أيضا .
كانت تعلم أن التردد ممنوع .
لكن معرفتها وحدها لم تكن كافية لتحريك جسدها .
في الماضي عندما كانت لا تزال تثق ببايرون وتعتبر رودريك عدوا كانت تكذب أمام رودريك وأوفيليا بسهولة .
كانت تعتقد أنها قادرة على فعل ذلك أمام بايرون أيضا .
” لا، الوضع مُختلف هذه المرة “
كان رودريك وأوفيليا يغمرنِها حُبًا رُغم أي تصرف غريب لأنهما وجدا ابنتهما .
لكن بايرون مختلف .
أي إشارة اشتباه ستجعلهُ يحذر منها .
كان هذا الوضع أخطر بكثير .
كان عليها أن تذهب إليه . مهما كان ذلك مقززا كان عليها أن تتحمل لمسته .
” ابنتي لماذا لا تأتين ؟”
لاحظ بايرون ترددها اللحظي وارتسم على وجهه تعبير السخط .
كان ذلك متوقعا إذ لم تتردد من قبل .
أدركت إيلا أنها لا تستطيع ارتكاب المزيد من الأخطاء .
هرعت إليه وركعت أمامه وأسندت ذراعيها على ركبته وكأنها تطلب منه مداعبة شعرها .
” هكذا جيد يا ابنتي الصغيرة “
رغم ترددها الطفيف بدت إيلا كالمعتاد فمد بايرون يده الوحيدة وبدأ يمسح على شعرها برضا .
مع كل لمسة كانت إيلا تشعر بقشعريرة تملأ جسدها .
كان إحساسا مقززا .
كم كانت غبية في الماضي ! كيف اعتقدت أن هذا حب أب لابنته ؟
ربما يشبه هذا الكلبة التي تتدلل لسيدها ليس أكثر .
” قالت لورا إنك نمتِ حتى الصباح ولم تتدربي كثيرا “
سأل بايرون بابتسامة لكن يده التي تمسح شعرها كانت لطيفة بينما صوته حاد .
” آسفة يا أبي .”
كيف أخبرت لورا بهذا بسرعة ؟ كانت تخدمها طوال الوقت عدا أثناء التدريب . متى وجدت الوقت لتخبره ؟
” حتى عِندما دعوتُكِ لم تأتي فورًا . ما الذي يحدث ؟ هل هناك شيء ما ؟”
توقف بايرون عن مداعبة شعرها ونظر إليها بعينين باردتين .
كان من الواضح أنه غاضب .
عمــل عــلى الفصــل : 𝒻𝑒𝒻𝑒
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"