ومن دون توقّعات ، كانت تستطيع تقبّل أيّ شيء يحدث ثم التراجع عنه.
حتّى لو خافت ، أو تفاجأت ، أو ذُهلت ، أو شعرت بالظلم ، كان بإمكانها دائمًا أن تخطو خطوة إلى الخلف.
لقد أتقنت ذلكَ من كثرة الممارسة.
لذا ، حين فتحت عينيها ، لم تكن لتتزعزع مهما كان ردّ فعل بيون.
أليس هذا حال شخصٍ مصاب بمرضٍ عضال ينتظر الموت؟
“يمكنكِ أن تنامي أكثر.”
لكن من بين كلّ ردود الفعل التي أعدّتها كايلا في ذهنها من بيون ، لم يكن جلوسه إلى جانبها مرتديًا رداءً فقط ، ينظر إليها و يبتسم ، واحدًا منها.
ألم يكن الاستيقاظ وحيدةً في غرفة فارغة هو السيناريو الأكثر ترجيحًا و الأكثر تمنّيًا؟
بيون ، بملابس غير رسميّة على غير عادته ، جالسًا على السرير ، حطّم كلّ الاحتمالات التي بنتها كايلا اعتمادًا على بيون الذي تعرفه و حياة أزواج نبلاء المعتادة.
“هل نمٕتِ جيّدًا؟”
إن لم تتوقّع ، فلن تشعر بالخيبة أو تُجرَح.
و إن لم تتوقّع ، فقد تُفاجأ أكثر.
أدركت كايلا هذا الآن فقط.
البارحة ، لم يكن بيون في وعيه الكامل بوضوح.
قليلًا… لا ، ربّما كان بعيدًا جدًّا عن وعيه.
كانت عيناه تمامًا مثل تلك الليلة التي سرقت فيها كايلا نظرةً إليهما قبل أن تموت.
لم يكن في حدقتيه السوداوين المنقبضتين عموديًا و لا في قزحيتيه البنفسجيّتين الداكنتين أيّ عقل.
لذا حتّى لو استيقظ و ابتعد عنها ، أو تظاهر بأن شيئًا لم يحدث كما بعد تلكَ الليلة ، لما كان ذلكَ ليهمّ.
“في الواقع ، حان وقت الغداء.”
لكن بيون كان يلاطف خدّها و يبتسم.
كانت عيناه حنونتين ، و لمسته لطيفة ، و شفتيه منحنية بابتسامة.
هل هذا حلم؟
آه ، صحيح.
كانت كايلا تفكّر أحيانًا أنّ كلّ يومٍ انقضى منذُ استيقاظها في منزل دوقية أوستين بعد موتها قد يكون حلمًا.
لم يكن سيّئًا أن تحقّق كلّ ما كان محرّمًا عليها ، و لو في حلم فقط.
إن لم تفعل ذلكَ هذه المرّة ، فسيكون ظلمًا.
الدّوقة الكبرى التي كانت يومًا مثاليّة و مستقيمة كانت تنغمس الآن في نوعها الخاصّ من الانحراف.
إن حدث خطأ ما ، فهناك حلّ.
لقد اختبرت بالفعل الحلّ النهائيّ.
لذا ، لا بأس.
إن لم يكن حلمًا بل واقعًا ، فعليها أن تهرب.
لكن الآن ، بدا الأمر كحلمٍ حلوٍ أكثر من اللازم.
“هل نأكل ثم ننام أكثر؟”
ربّما لأن جسدها كان متعبًا جدًّا ، فقد نامت بعمق.
كانت قد دعمت الخطوط الخلفيّة لخمسة أيّام من المعركة ، ثم أُنهكت بعودة بيون ، فغطّت في نوم عميق.
كان من المدهش أنها لم تنم يومًا بهذا العمق في لوسنفورد.
و بينما كانت كايلا تفكّر أنّ عليها تحريك جسدها قليلًا ، قبّـل بيون وجهها بعادةٍ مألوفة و ألصق جبينه بجبينها برفق.
بعد أن اغتسل أوّلًا ، كان بيون ذا رائحة منعشة ، يحدّق فيها بثبات.
و مع تلامس جبينيهما و ثبات نظره ، شعرت كايلا بالحرج فأشاحت بعينيها بخفّة.
لم تكن تعرف كيف تتعامل مع مواقف كهذه.
ربّما كانت بياتريس ستُحسن التعامل مع الرجال بمهارة ، فلا تدعهم يشيحون بنظرهم في مثل هذه اللّحظات ، لكن كايلا لم تكن تعرف كيف تفعل ذلك ، و كانت تفتقر إلى هذا النوع من الجاذبيّة أصلًا.
لذا ، حتّى إن أرادت التمسّك ، لم تستطع.
و بما أنّ المحاولة لن تؤدّي إلّا إلى تفاقم الوضع ، كان الثبات هو الخيار الأفضل.
“لِننهض الآن.”
بينما ينظر إليها و يقبّلها بلا توقّف ، تمتم بيون و شفتاه على خدّها.
كان عليها أن تنهض و تبدأ يومها بصفتها الدّوقة الكبرى على أيّ حال.
أومأت كايلا بصعوبة و أخذت تنهض سريعًا.
أو بالأحرى ، حاولت.
“آه…!”
لكنها اضطرت إلى الاستلقاء مجدّدًا. لم تشعر إلّا الآن بمدى ألم جسدها و تيبّسه.
“ألا تستطيعين النهوض؟”
“أين تشعرين بالألم؟”
أسندتها يدان كبيرتان دافئتان فورًا.
و أثناء ذلك ، ضغط بدقّة على قدميها و خصرها الذين كانا يؤلمانها. غطّت كايلا وجهها بكلتا يديها و انكمشت.
“بعد كل شيء ، دوقتنا الكبرى كانت مشغولةً كثيرًا في الآونة الأخيرة.”
بعد ليلةٍ كاملة من الاشتعال ، و حتّى في اللّحظات القصيرة عند الاستيقاظ و تلاقي النظرات عند الفجر ، كانت العضلات المستخدمة حديثًا قد توتّرت كثيرًا.
“أنا آسف.”
عند هذا الاعتذار غير المتوقّع ، نظرت كايلا إلى بيون من بين أصابعها.
كان يدلك كلّ عضلة متشنّجة بعناية ، و هو يبدو متأسّفًا للغاية.
“كان ينبغي أن أحتفظ بعقلي حتّى النهاية ، أنا آسف.”
هزّت كايلا رأسها من دون أن تشعر.
يقال إن المرّة الأولى للمرأة تكون كذلك ، لكن حتّى التجربة الوحيدة التي خاضتها قبل موتها لم تكن سيّئة إلى هذا الحدّ ، و هذه المرّة كانت أقلّ ألمًا.
اعتقدت أنّ ما حدثَ كان أمرًا جيّدًا.
لم تندم عليه إطلاقًا.
“لأعطيكِ عذرًا ، كانت المرّة الأولى لي أيضًا ، لذا لم أكن أعرف جيّدًا. حاولتُ فقط بناءً على ما سمعته.”
“كيف كان الأمر؟”
أكثر رجلٍ تحفظًا تعرفه أخذ يسأل سؤالًا محرجًا و هو يبدو قلقًا.
“هل كان سيّئًا؟”
“لماذا…؟”
ما إن خرج صوتها مبحوحًا ، حتّى أسرع بيون إلى جلب الماء من الطاولة الجانبيّة و وضعه على شفتيها.
لم يكن أمام كايلا خيار سوى أن تُرفع بين ذراعيه و تشرب الماء الذي قدّمه لها.
كان جسدها يؤلمها إلى هذا الحدّ.
أمام أنين كايلا ، لم يستطع بيون حتّى أن يرفع رأسه.
كان قلقًا و حذرًا إلى درجة جعلت ادّعاءه بأنّها كانت المرّة الأولى له يبدو صادقًا إلى حدٍّ ما.
“لقد ساعدتكِ على الإستحمام ، هل تتذكّرين؟”
هزّت كايلا رأسها و هي تدفع الوعاء الفارغ. الآن بعد التفكير في الأمر ، باستثناء الألم ، كانت تشعر بالنظافة و الانتعاش.
“أنا آسف. لقد انقضضتُ عليكِ كطفل متوحّش.”
مع أنه عاش حتّى الثانية و الثلاثين في حياته السابقة و كان عمره العقلي في أوائل الثلاثينات ، فقد فقدَ عقله حين عانق أخيرًا المرأة التي كان يتوق إليها بشدّة.
و مع المعركة و ذلك السُمّ التافه الذي استخدمته بياتريس ، أصبح جسده ، الذي لم يبقَ فيه سوى الغريزة ، بلا أيّ كبح.
في الحقيقة ، بات من المستحيل الآن التمسّك بالعقل أمام كايلا.
لذا كان قلقًا بعد ذلك.
ماذا لو شعرت كايلا بالاشمئزاز منه ، هي التي كانت تُصرّ دائمًا على الآداب ، و احتقرته لأنه انقضّ عليها كوحش؟
كان قد عقد العزم على معاملتها بأقصى قدر من الرقة ، لكنه لم يستطع كبح قلقه.
“إن أخبرتِني كيف كان الأمر ، يمكنني أن أتحسّن.”
قبل عودته بالزمن ، لم يكن يقول شيئًا.
الزوج الذي لا يتواصل و يُحرّكه الآخرون فقط هو الأسوأ.
لذا هذه المرّة ، أراد أن يتواصل بصدقٍ أكبر. حتّى إن لم تسمح كايلا بذلك ، فقد عزم على المحاولة بكلّ ما أوتي. هذه المرّة ، كان عليه أن يبذل جهده.
الدّوقة الكبرى الشابّة ، التي فقدت كلّ شيء — إرثها ، لقبها ، عائلتها الوحيدة — و بقيت بلا أي شيء ، كانت قد حاولت بأقصى ما تستطيع ، و هو تجاهل كلّ ذلك.
لذا هذه المرّة ، كان هو الشّخص الذي عليه أن يبذل قصارى جهده.
إن حاول ، فربّما…..
و بينما يُخفي أمله البائس ، شدّ بيون حبل الجرس لينادي خادمًا و همس.
“إن أخبرتِني ، فيمكنني أن أفعل ما هو أفضل ، لذا أرجوكِ أخبريني.”
ابتسم و هو يرى زوجته ، التي كانت محمرّة طوال الليل ، تحمرّ مجدّدًا.
كانت جميلةً جدًّا.
بيون ، الذي كان يبتسم لها بسعادة ، اعتذر قليلًا و اختفى نحو الباب.
ثم عاد و معه وعاء كبير من الطعام.
“هل نتحدّث و نحن نأكل؟”
وضع صينيّة على السّرير و وضع الوعاء عليها ، ثم ضمّها إلى ذراعيه و بدأ يطعمها بنفسه من أصناف متعدّدة.
“أ ، أنا أستطيع أن أفعل ذلكَ بنفسي…!”
“حسنًا.”
بوصفها سيّدةً مهذّبة ، كان إطعامها من قِبل شخصٍ آخر مخالفًا للآداب.
سحب بيون يده فورًا و راقبها بصمت.
كان إفطارًا كبيرًا إلى حدٍّ ما.
كان هناك طبقان من البيض الطريّ ، و خبز أبيض محمّص ، و دجاج و سلمون مطهوّان جيّدًا ، و صلصة كريميّة ، و حساء خاصّ من إعداد الطاهي الجديد المفضّل لدى كايلا ، إلى جانب مربّى الفاكهة و النبيذ لتعزيز الطاقة.
ارتجفت الملعقة الفضّيّة. غاصت في طبق الحساء ، و نجحت في التقاط ملعقة ، لكنها ارتجفت مجدّدًا. و في النهاية ، سقط الحساء عائدًا إلى الوعاء.
لماذا يحدث هذا؟
نظرت كايلا إلى الملعقة بريبة.
“هل تقومين بفحص الأداة الفضّية؟”
“لا ، إنها ثقيلة جدًّا. أظنّ أنها ممزوجة بشيءٍ غير الفضّة.”
الملعقة ثقيلة إلى درجة لا يمكن رفعها.
لماذا يحدث هذا؟
و بينما كانت ترمش و تنظر إلى الملعقة التي سقطت مجدّدًا بحيرة ، سمعت ضحكًا من فوقها ، و التقطت يدٌ كبيرة الملعقة بدلًا عنها.
“ذلكَ لأنّ كلّ قوّتكِ قد نفدت. دعينا لا نفعل شيئًا اليوم و نرتاح فقط. سأطعمكِ بنفسي.”
نفدت كلّ قوّتها؟
هذا مستحيل.
رفعت كلتا يديها و حدّقت فيهما بوجهٍ فارغ بجدّية ، فتعالى صوت الضحك أكثر.
ثم انهالت القبلات على جبينها ، و بين حاجبيها ، و على خدّيها و صدغيها.
لماذا يتصرّف هذا الشّخص هكذا؟
و عندما رفعت نظرها ، قبّلها على شفتيها هذه المرّة.
“لماذا؟”
“لأنكِ جميلة جدًّا.”
كانت عيناه البنفسجيّتان الصافيتان ، اللتان تحرّرتا الآن من السحر الأسود ، تنظران إليها طويلًا و تبتسمان.
كانت جميلةً و لطيفة إلى هذا الحدّ.
كايلا ، التي كان ينظر إليها برؤية صافية و حالة منتعشة بلا ضجيج في رأسه ، كانت فاتنة لدرجة أنه أراد إخفائها عن الآخرين ، و جميلة إلى حدٍّ يجعله يرغب في التفاخر بها في الوقت نفسه.
لذا أراد فقط أن يدفن كلّ شيء و يتظاهر بعدم المعرفة.
لم يُرد كسر هذا السلام ، هكذا فحسب.
لهذا ظلّ يعد نفسه بالمرّة القادمة.
في المرّة القادمة ، سيفعل ما هو أفضل ، لذا مرّةً أخرى فقط.
الآن ، كانت كايلا تملك كلّ زمام المبادرة في هذه العلاقة.
كان هو فقط يحاول أن يبدو جيّدًا أمامها ، آملًا ألّا تُبعده.
مع أنه كان يعلم أنّه لا ينبغي أن يطلب المزيد بعد أن نال هذا القدر بوقاحة ، إلّا أنه ظلّ يلتفت إلى الخلف ، و يتردّد ، و يجلس.
لكن الوضع لم يكن ليسمح لمذنب مثله بالراحة.
・ 。゚✧: *. ꕥ .* :✧゚. ・
ما إن انتهت المعركة ، حتّى خرج بيون ، الذي بقي طويلًا في الغرفة مع الدّوقة الكبرى ، بوجهٍ نظيف و منتعش و بدأ يتعامل مع تبعات ما بعد المعركة.
معظم الأوامر الهادئة التي أصدرها و هو في الغرفة مع كايلا كانت قد نُفّذت بالفعل أو كانت قيد التنفيذ.
و ما إن افترق عن كايلا ، حتّى واجه مرّةً أخرى القضايا الثقيلة و خطاياه الخاصّة المختبئة بينها.
“أخي”
“لا بحقّ لي أن أقول هذا ، لكن أظنّ أنّ الإصلاحات الشاملة ضروريّة.”
حتى إيسيدور ، مفتّش الإمبراطور ، كان حذرًا بما يكفي ليضع لقبه جانبًا و يتحدّث بتروٍّ عن الحالة السيّئة لحصن فويتن و لوسنفورد.
لقد مرّوا بمعركة ، و الذين جاؤوا من كرانيا كانوا شهودًا ، لذا هناك مبرّر واضح.
لكن حين يتعلّق الأمر بالتنفيذ ، كان الماضي يضغط بثقلٍ مخيف.
لم يكن مجرّد ثقل ، بل كان مرعبًا.
[نحتاج إلى توسيع القلعة.]
نظر الفقراء في القلعة إلى الدّوقة الكبرى ، التي قالت هذه الكلمات أوّلًا ، بأعينٍ متّسعة.
كان بيون يعتقد أنّ ما قالته كان صائبًا.
ففي النهاية ، كان هو أكثر مَنْ شعر بالحاجة الملحّة إلى التوسّع. و كان سعيدًا لأنه وجد مَنْ يشاركه الرأي حين قالت كايلا ذلك.
يبدو أنّ غسيل دماغه بدأ يختلّ بسببِ تلكَ السعادة.
أراد أن يصدّق أنّ دعوة كايلا للتوسّع كانت خالصة بصفتها دوقة لوسنفورد الكبرى ، لا بصفتها جاسوسة للإمبراطور.
لا ، لقد صدّق ذلكَ فحسب.
و لهذا أثارت بياتريس ، التي تظاهرت بأنها جاسوسة بيون من كرانيا ، ضجّةً و أرسلت أدلّة مفصّلة بعناية على أنّ كايلا كانت تسرّب المعلومات إلى الإمبراطور.
كانت بياتريس قد حكمت بأن الأمر سيكون صعبًا ما لم تكن الأدلّة مُنشأة في وقتٍ كان فيه غسيل الدماغ على وشكِ أن يزول.
لم يكن ينبغي له أن ينخدع بتلكَ الأدلّة.
“إنها تنهار بسرعة كبيرة.”
“لقد بُنيت على عجل من الأساس.”
مجرّد كلمة “توسعة” وحدها تُثير في هذا الحيّ نوبة هلع عند التفكير في المال.
فأيّ عنايةٍ يُمكن أن تكون قد بُذِلت في قلعةٍ بُنِيَت على عجل؟
لا بدّ أنّهم وفّروا المال و الجهد و الوقت قدر الإمكان.
“لو جاء التنّين الشّرّير و نفث نَفَسَه فقط ، لذاب كلّ شيء. أنا لا أقول هذا سخريةً ، بل حقًّا. أنّني قلق بصدق ، يا أخي.”
ابتسم بيون ابتسامةً خفيفة.
حسنًا.
لا أظنّ أنّ هناك حاجةً للقلق بشأن التنّين.
ما دام الابن هنا ، فلن يأتي الأب ليحوّل هذا المكان إلى بحر من النار ، أليس كذلك؟
مع أنّ الإمبراطور الذي وضع بيون هنا ، و هو يعلم ذلكَ ، كان أكثر الأوغاد قسوةً.
عندما يرفع الابن سيفه في وجه أبيه ، و هو واقعٌ تحت تعويذةٍ تمنعه حتّى من فهم الكلام ، تُرى ماذا يكون شعور الأب في تلك اللحظة؟
“أخي ، ألا تخاف من التنّين الشرير؟”
نظر إيسيدور إلى بيون كما لو أنّه غريبٌ الأطوار.
فهو ، رغم تداخل الحدود مع منطقة التنّين الشّرّير ، كان يتجوّل هناك كأنّه لغز ، مكتفيًا بحصانٍ واحد.
“هناك ما هو أكثر رعبًا من التنّين الشرير.”
“هل تقصد القبائل الأجنبيّة؟ حسنًا ، بما أنّهم شكّلوا تحالفًا هذه المرّة ، يبدو أنّ الأمر خطير فعلًا.”
“حين تعود ، أرجوك ارفع تقريرًا موجزًا إلى جلالة الإمبراطور.”
“بالطبع!”
لكنّ إيسيدور لم يقل إنّه سيساعد أكثر من ذلك.
ففي الأصل ، كانت تلكَ حدود العلاقة بين أبناء العمومة.
بالنّسبة لعائلة داكيتين ، كان وجود بيون أشبه بشيءٍ من الأفضل ألا يكون موجودًا.
“متى ستعود؟”
“حتّى لو بقيت أكثر، فسيكون ذلك إزعاجًا. و بالمصادفة ، فإنّ معظم مَنٔ كانوا موضع التحقيق قد ماتوا في هذه المعركة.”
لقد ماتوا دون أن يتمكّنوا حتّى من إطلاق صرخة ، بعدما سُحِقوا و مُزِّقوا عند الجدار الأيسر لقلعة فويتن.
“لكن ، كما ذكرتُ أمس ، فإنّ كبير الخدم…”
انخفض صوت إيسيدور ، و فهزّ بيون بهدوء و استمع. و بعد دقائق قليلة ، غادر إيسيدور و بقي بيون وحده.
حواسّ البشر باهتةٌ على نحوٍ مذهل.
مجال الرؤية ضيّق ، و لا يمكنهم الرؤية بعيدًا ، و السمع محدود.
مع أنّه عاش طوال حياته بحواسّ محدودة ، إلّا أنه قبيل عودته بالزمن ، و كما أشارت بياتريس من البرج الشماليّ ، فإن ‘الكائن غير البشري’ كان مختلفًا.
عندما يتذكّر ما قبل العودة ، يشعر بضيقٍ شديد لدرجة أنّه لا يريد الرجوع إلى هناك أبدًا ، بعدما تطوّرت حواسّه إلى ذلك الحدّ.
لذا ، لاحظ البداية المشؤومة.
كان عليه أن يلاحظها.
كانت تبدأ دائمًا بالمشروب الذي يتناوله الدّوق الأكبر كلّ ظهيرة.
غالبًا ما كان شايًا.
نظر بيون إلى الشاي المخمّر باعتدال في فنجانٍ مناسب.
قبل عودته بالزمن ، كانت كايلا قد حاولت تحسين جودة ذلكَ الشاي و طريقة تخميره.
كان أهل القصر ، بمَن فيهم كبير الخدم و رئيسة الخادمات ، يسخرون من الأميرة الجنوبيّة الساقطة لمحاولتها التصرّف برقيّ رغمَ فقر الحال ، متشبّثةً بعاداتها القديمة.
كان ينبغي له أن يتعامل مع تلكَ الأفواه النمّامة أوّلًا.
لكن غسيل الدماغ ازداد قوّةً و ترسّخًا مع تلكَ الكلمات ، ذلك السُمّ الذي زرعته بياتريس هنا مرّات عدّة.
كان الأمر غبيًّا و مثيرًا للشفقة إلى حدٍّ مُخجل.
بصوتٍ تشقّق ، ظهر صدع في فنجان الشاي.
نظر بيون إليه بصمت.
كان الشاي الذي لم يشربه سواه بالكاد قد لُمِس.
لسع طرف لسانه.
‘سُمّ.’
ليس سُمًّا بمعناه السحريّ ، بل سُمّ حقيقيّ يؤذي الجسد البشريّ إن ابتُلِع.
لكن هذه الكميّة لم تكن كافية لإحداث ضررٍ جسيم.
في أقصى الأحوال ، كانت ستسبّب ألمًا في المعدة و مرضًا ما.
هناك شخصٌ ما يريد أن يبقى فيون مريضًا حتّى اللحظة التي تسبق موته فقط.
“…كم هذا مملّ.”
حين نطق بها ، أدرك أنها كذلك فعلًا.
لقد اختبر هذا الأمر مرّةً من قبل.
كان هناك سُمّ في الشاي الذي حضّرته الدّوقة الكبرى بنفسها ، فشربه الدّوق الأكبر ، فأصبحت الدّوقة الكبرى مجدّدًا المرأة الشريرة ، و غضب الدّوق الأكبر.
إنّه يتكرّر من جديد وفق نصٍّ محدّد سلفًا.
ليس لدى أحدٍ ذرّة خيالٍ أو إبداع.
أو ربّما لأنّهم بلا ذكريات ، فهُم لا يعرفون كيف يُطبّقون التغيير.
أمّا بيون ، الذي يمتلك الذكريات ، فقد ظلّ ينظر بلا مبالاة إلى الشاي المتسرّب من بين شقوق الفنجان المتصدّع.
لا بدّ أنّ السمّ موجود في الشاي داخل إبريق الشاي.
إنه يعرف كلّ شيء الآن.
لكنّ ما لا يجرؤ على الإدّعاء بأنّه يعرفه ، هو ذلك الظلم الذي شعرت به الدوقة الكبرى حين كانت تضع قلبها حتّى في أبسط الأمور.
أخفض بيون رأسه بعمق.
إذا كان الأمر يتعلّق بالسمّ ، فإنّ طرف لسانه الذي يميّزه تلقائيًّا ظلّ يلسعه.
كان ذلكَ الإحساس المؤلم يخبره أنّ ليلة الأمس كانت حلمًا ، و أنّ صباح اليوم كان وهمًا بعيدًا ، و أنّ الوقت الحاليّ هو الواقع.
كان يضرب مؤخرة رأس المذنب الغارق في الأحلام الجميلة ، ليجبره على مواجهة الخطايا التي ظلّ يتجنّبها.
التعليقات لهذا الفصل " 64"