وصل خبر انتهاء المعركة خلال خمسة أيّام إلى لوسنفورد.
كايلا ، التي لم تنم جيّدًا طوال الأيّام الخمسة الماضية بينما كانت تجمع الإمدادات بجنون لإرسالها إلى حصن فويتن ، أطلقت تنهيدة ارتياح دونَ وعي.
انتهى الأمر بسرعة.
كان ذلكَ محظوظًا حقًّا.
بالطبع ، ستواصل لوسنفورد مواجهة غاراتٍ كبيرة و صغيرة في ظروفٍ صعبة ، و لم يكن بوسعها فعل الكثير حيال ذلك.
أدارت كايلا نظرها بعيدًا عن قلعة لوسنفورد التي كانت بحاجةٍ واضحة إلى التوسعة و إعادة البناء.
مع توحّد البرابرة و شنّهم هجماتٍ شاملة ، كان عليهم الاستعداد و التركيز على الدفاع.
“سمعتُ أنّ المعركة انتهت.”
“نعم. لحسن الحظّ.”
أطلق إيسيدور ، الذي كان يلمّع سيفه بهدوء كلّ ليلة رغمَ معرفته بوجوب التزامه بواجباته ، تنهيدةً عميقة.
“لم أتخيّل أنّكِ ستؤدّين دور الدّوقة الكبرى بهذه الدقّة. كنتُ أعلم أنّكِ ستُحسنين ، لكنّكِ تقومين بعملٍ أفضل ممّا توقّعت.”
‘حسنًا ، لأنّ لديّ أربع سنوات من الخبرة.’
أجابت كايلا في ذهنها فقط.
“لكن هذا المكان قاسٍ جدًّا عليكِ ، كايلا.”
كان أمرًا مدهشًا أن ترى سيّدةً نبيلةً جنوبيّةً تربّت برفقٍ تتحقّق من كمّيّة الزيت المحمَّل على العربات و تناقش حصصًا عسكريّة مغذّية و جاهزة للأكل مع الطاهي.
لم يستطع حتّى لوم بيون على جعل كايلا تعاني ، لأنّ هذا الزواج كان زواجًا سياسيًّا بحتًا رتّبه الإمبراطور.
و هذا ما جعله أكثر إحباطًا.
“إذا كانوا سيهاجمون هكذا منذُ الربيع ، فينبغي لنا على الأقلّ توسيع القلعة. إذا سقط حصن فويتن ، فسنُحاصَر هنا مباشرةً.”
كانت لوسنفورد حصنًا طبيعيًّا وهبته الطبيعة ، لكن القلعة المبنيّة على عجل كانت هشّة في بعض المواضع بحيث لا يمكن الاعتماد على البيئة الطبيعيّة وحدها في الحصار.
أيّ شخصٍ ذي عقلٍ سليم سيشعر بالحاجة إلى التوسعة. لكن كايلا لم تكن تنوي مطلقًا طرح كلمة “توسعة” رسميًّا.
“صحيح.”
تمتمت بوجهٍ بدا و كأنّه رأى كلّ شيءٍ من قبل.
قبل موتها ، حاولت كايلا جهدها توسيع لوسنفورد بأيّ طريقة.
قالت إنّ البقاء أهمّ ، حتّى لو اضطرّوا إلى جمع أموالٍ غير موجودة.
و كأنّ مثل تلكَ الكلمات ستنجح.
بالنّسبة لأهل الشمال ، كانت الدّوقة الكبرى التي تتحدّث بلكنَة أوستين ممزوجة بلكنَة كرانيا مجرّد وجودٍ ساذجٍ جاهلٍ يثير الغضب.
“عند النظر في الدفاتر التي كان يديرها كبير الخدم ، يبدو أنّنا نستطيع تحمّل بعض الإصلاحات على الأقلّ.”
“حقًّا؟”
مع اتّهاماتٍ بأنّها لا تفكّر إلّا في إنفاق المال حين لا يوجد مال ، و كيف تجرؤ على محاولة التوسعة ، أصبحت امرأةً مزعجة تتحدّث عن العمارة و العلوم العسكريّة دون معرفة.
و علاوةً على ذلك ، لأنّها تطرّقت إلى مسائل تتعلّق بأسرارٍ عسكريّة تخصّ الحصن ، زادت الشكوك حول احتمال إفشائها أسرار لوسنفورد المهمّة عندما يهجم الإمبراطور لاحقًا.
تذكّرت كايلا بوضوحٍ كيف خرج ذلكَ الوضع الرهيب عن السيطرة بسرعةٍ لم تستطع فعل شيءٍ حيالها. و مع شعورٍ رهيبٍ بالعجز ، شعرت كأنّها لم تعد سوى قمامة.
“ألا يملك الأخ الأكبر خططًا أيضًا؟”
عندما بدأت تلك الشائعات تنتشر لأوّل مرّة ، قال لها بيون بغضبٍ ألّا تتفوّه بأمورٍ غريبة و حاول إسكاتها ، لكن كان الأوان قد فات.
كان الدّوق الأكبر نفسه أوّل مَنٔ تجاهل الدوقة الكبرى ، موفّرًا أرضًا خصبةً لنموّ الكراهية و عقدة النقص تجاه الدّوقة التي بدت ضعيفة.
زرع أهل لوسنفورد بذور الشكّ في تلكَ التربة و رعَوها.
بطبيعة الحال ، بدأت شتّى الاتّهامات الباطلة تنهال على كايلا ، و في اللّحظة التي أدار فيها بيون ظهره لها أيضًا ، حُبِست بهذا الشّكل.
و كانت البداية الحاسمة مسألة تحسين و توسيع المرافق داخل القلعة.
“مَنٔ يدري؟ ما الذي قد أعرفه أنا؟”
كان من المدهش أنّها تملك الآن مسكنًا أفضل بكثير ، و طاهيًا ، و رئيسة خادمات مقارنةً بتلك الأيّام.
كان الأمر مُحبِطًا أنّها حقّقت نتائج أفضل بكثير ممّا حقّقته عندما كانت تستيقظ مبكّرًا ، و تعمل طوال الليل ، و تبذل جهدها لمعرفة معلوماتٍ لم تتم مشاركتها معها ، و تجوب القلعة الباردة حتّى تحترق قدماها بحثًا عن بيون الذي لم يكن يلتقيها.
لهذا كانت كايلا أكثر إصرارًا على ألّا تفعل شيئًا.
كما قالت بياتريس ، كانت غبيّة ، و كان من الواضح أنّها كلّما عملت أكثر أفسدت الأمور أكثر.
كانت قد خطّطت أصلًا ألّا تغيّر شيئًا ، أن تمضي فقط كلسانٍ في الفم و تحاول إخراج خادماتها فحسب ، لكن مع الوضع الحاليّ ، فقدت الرغبة في فعل المزيد.
نعم.
كان من الأفضل ألّا تفعل شيئًا على الإطلاق.
“لم يمضِ وقتٌ طويل على زواجي، لذا لا أعرف الكثير ، أوبا.”
“أظنّ ذلك.”
مع ذلك ، خمّنت كايلا أنّ بيون سيبقى في فويتن بضعة أيّامٍ أخرى لمراقبة الوضع.
“متى ستعود ، أوبا؟”
“لا أستطيع البقاء أكثر في هذا الوضع. عقدتُ كلّ الاجتماعات اللازمة ، و أحاول إنهاء الأمور بهدوء. سأنتهي حالما يعود الأخ الأكبر. لا تقلقي ، كايلا. من الواضح أنّكِ تعرّضتِ للظلم.”
“و عندما تعود ، هل ستعود بسرعةٍ أيضًا؟”
“نعم. يجب أن أعود إلى كرانيا بأسرع ما يمكن لأرفع التقرير.”
إذا كان الأمر كذلك ، فسيقوم بمسيرٍ قسريٍّ مع تبديل الخيول باستمرار ، لذا سيكون من الصعب أن تطلب منه اصطحاب إحدى خادماتها معه.
كانت تُجبِر نفسها على فعل ما يجب فعله حتّى الآن ، على أمل إرسال أصغر خادماتها ماري عندما يعود إيسيدور إلى كرانيا ، لكنّها الآن شعرت بعجزٍ تام.
‘سأضطرّ لاختلاق أعذارٍ شتّى لإرسالها وحدها.’
“لماذا تسألين؟”
“آه ، لأنّكَ جئتَ إلى هنا بتلكَ الطّريقة أيضًا ، فظننتُ أنّ العودة بالطريقة نفسها ستكون صعبة عليكَ…”
“أنتِ الوحيدة هنا التي تقلق بشأن أمورٍ كهذه.”
“هل ستأخذ الأخت بياتريس معكَ أيضًا؟”
“و هل فقدتُ عقلي لأفعل ذلك؟ حقائبها وحدها ستملأ عربتين على الأقلّ.”
قطّب إيسيدور وجهه كأنّ الفكرة وحدها مرعبة.
لم تستطع إرسال خادمة ، و لم تكن تعلم متى سترحل بياتريس.
كما توقّعت ، لم يسر شيءٌ كما أرادت هذه المرّة أيضًا.
لكن توقّعاتها ، التي كانت دائمًا دقيقةً تمامًا ، أخطأت مرّةً واحدة هذه المرّة.
عاد بيون إلى لوسنفورد في ذلكَ المساء نفسه.
・ 。゚✧: *. ꕥ .* :✧゚. ・
عاد الدّوق الأكبر مع عددٍ قليل من الفرسان فقط ، بينما تفوح منه رائحة البارود و القذارة و الدم الحامض.
بدت القوّات التي أعادها الدّوق المنتصر بائسة و مرهقة للغاية ، لدرجة أنّ الناس الذين اندفعوا خارجًا بدهشة شعروا بانقباض قلوبهم ، ظنًّا أنّ خبر النصر كان خاطئًا.
“ما هذا؟ هل خسرنا؟”
بياتريس ، التي خرجت عند سماع خبر وصول بيون ، تراجعت بصدمة عند رؤية الفرسان العائدين.
تبع ذلكَ نوبة سعال.
و لكونها لم تتعافَ بعد من زكامها بسببِ رفضها البقاء في غرفتها رغمَ أوامر الطبيبة ، غطّت أنفها غريزيًّا و عادت إلى الداخل.
“أرسلوا البنّائين و النجارين إلى فويتن. استمرّوا في الإصلاحات.”
“نعم ، سموّكَ.”
بينما كان بيون يترجّل و يعطي الأوامر ، التقت عيناه بعينيّ كايلا عند أسفل السلّم.
رغمَ أنّه لا بدّ أنّه كان مرهَقًا من القتال لخمسة أيّامٍ متواصلة دون نومٍ أو طعامٍ كافٍ ، تعرّف على زوجته أوّلًا بعينين واضحتين.
كانت زوجته الشابّة ، التي بدت عيناها أكبر من ذي قبل ، تقف و هي تنظر إليه دون أن تجرؤ على الاقتراب.
كانت قد وقفت في المكان نفسه قبل عودته أيضًا.
كان يظنّ سابقًا أنّها ، لكونها سيّدةً مرتّبةً مهذّبة ، لا تريد الاقتراب لأنّ منظرَه الملطّخ بالدم و الرماد مقزّز.
لكن ذلكَ كان أقرب إلى بياتريس ، التي كادت تندفع نحوه ثمّ توقّفت.
الآن فقط استطاع أن يرى.
لم تكن كايلا قادرة على الاقتراب منه حتّى لو أرادت.
كما كان من الصعب جدًّا عليه الاقتراب منها ، كما أنّه بالكاد تمكّن من مناداة اسمها مرّةً واحدة دون إذنٍ بعد أن تحمّل و أصرّ ، كانت كايلا تجد الاقتراب منه صعبًا للغاية.
حتّى مع دعمٍ عائليٍّ قويّ ، عانت شتّى الإهانات منذُ قدومها إلى لوسنفورد.
كم شعرت بالبؤس آنذاك؟
أراد بيون أن يحيّيها بحرارة.
أراد أن يسألها إن كانت بخير ، و إن كانت بياتريس لم تُتعبها ، و إن كان كبير الخدم لم يقل شيئًا بغيضًا.
لكنّه لم يستطع الاقتراب منها في هذه الحالة القذرة.
لم يكن يجرؤ.
فاكتفى بإيماءةٍ واحدة مع ابتسامة.
‘لقد عدتُ. هل كنتِ بخير؟ لقد فزتُ و عدتُ منتصرًا. لم تعد هناك حاجة للقلق.’
لم يستطع أن يصرف عينيه عنها ، رغمَ علمه أنّه لا ينبغي ذلك ، ملأ نظرته بكلّ ما أراد قوله.
كان الأمر أشبه بمعجزة حين وسّعت كايلا عينيها فجأة و بدأت تسير نحوه.
تراجع الناس طبيعيًّا ، إذ كان من اللائق أن تحيّي الدّوقة الكبرى الدّوق الأكبر.
“مرحبًا بعودتك ، سموّك؟”
“نعم. لقد عدتُ.”
أومأ بيون.
“هل أُصِبتَ في أيّ مكان؟”
“لم أُصَب إطلاقًا.”
الرجل الذي حافظ على وعده ألّا يُصاب و عاد ، راح يتفحّص زوجته بدقّة.
زوجته ، التي انتقلت إلى الموضوع التالي فور سماعها أنّه غير مصاب ، حافظت على موقفٍ عمليٍّ متخفٍّ بقلق.
“استطعتُ الصمود بفضل دعم صاحبة السّمو الممتاز من الخلف. كلّه بفضلك.”
كان يقول أخيرًا ما كان ينبغي أن يقوله منذُ زمن.
“ليس كذلك. و ما الذي فعلتُه أنا من الخلف الآمن؟ أنا سعيدة حقًّا لأنّكَ غير مصاب. ينبغي أن ترتاح بسرعة. أمرتُ بتحضير ماء الحمّام. تفضّل إلى الداخل ، يا صاحب السمو.”
كانت كايلا زوجةً مريحةً جدًّا ، لا تُطيل احتجاز الدّوق الأكبر بعد الترحيب به و تسعى فورًا لإدخاله.
وجودٌ غير مزعجٍ و لا مُثقِل ، كفؤ و خالٍ من العيوب حتّى في أوّل معركة – وجود مريح.
لم يدرك بيون إلّا بعد فقدانها أنّ من الطبيعيّ أن يكون المرء قليل الخبرة في البداية ، و أنّه يتعلّم من الأخطاء ، و أنّ الإخلاص و التفاني وسط النقص هما الأثمن.
تجرّأ على الشعور بالندم بعد أن أدار ظهره لها.
سيظلّ يندم و يشعر بالأسف و الألم إلى الأبد.
“نعم. عليكِ أن ترتاحي أيضًا. لا بدّ أنّكِ كنتِ متعبةً خلال الأيّام الخمسة الماضية.”
صعد الدّوق الأكبر السلّم إلى جانب زوجته.
و لحق بهما كبير الخدم ، الذي كان لديه الكثير من المخاوف و كان بحاجةٍ لإرضاء الدّوق الأكبر بأيّ طريقة.
“صاحب السّمو.”
لكن قبل أن يتمكّن من التحدّث ، سأل الدّوق الأكبر أوّلًا.
“رولف ، أين مفتّش الإمبراطور؟”
قبل أن يجيب كبير الخدم ، صرخ إيسيدور الذي اندفع خارجًا بصوتٍ عالٍ.
لم يكن يعلم كم كان الوضع صعبًا عليه كفارس خلال الأيّام الخمسة الماضية.
“لنتحدّث. رغمَ أنّني بهذا المظهر.”
“بالطبع.”
لم يكن هناك مجال لكبير الخدم أو بياتريس للانضمام إلى الدّوق الأكبر الذي كان يسير إلى جانب زوجته و المفتّش.
من بين الجميع ، المفتّش!
و مع علمه بأنّ المفتّش الذي قلب الدفاتر كلّها لم يكن لديه ما يفعله طوال الأيّام الخمسة و حشد جميع مساعديه لتمحيص السجلات و الوثائق ، ازداد قلق كبير الخدم.
・ 。゚✧: *. ꕥ .* :✧゚. ・
قسّم بيون وقته بكفاءة.
بمجرّد وصوله ، أجرى مقابلةً منفردة مع إيسيدور.
و لفترةٍ طويلة ، بقي إيسيدور في الغرفة التي دخلها بيون ، بينما كان المساعد ليجين و السير ويلبيرك يدخلان و يخرجان بينها.
كان من الطبيعيّ أن يجتمع المسؤول مع مختلف الأشخاص فور انتهاء المعركة.
لكن إن وُجِد خطّ ما في أيّ مكان ، يمكن للمرء أن يتسلّل بينه.
“لقد انتهى من الاستحمام للتوّ. إنّه بمفرده.”
بفضل تلميح كبير الخدم ، استطاعت بياتريس أن تتسلّل إلى الغرفة سرًّا.
كانت الغرفة ذات حوض الاستحمام الكبير مملوءة بالبخار ، كأنّ ماء الينابيع الحارّة قد جُلب من قريب.
تقدّمت بياتريس إلى الداخل أكثر ، و عيناها الورديّتان تلمعان بحنانٍ أو ربّما بجشع.
كانت تميل إلى أن تصبح أكثر حيويّة كلّما زادت أفعالها خبثًا.
“هل أنتَ هنا؟ لقد تعبتَ.”
تمتمت ببطءٍ إلى الرجل الضخم الظاهر عبر البخار.
كان بيون ، الذي بالكاد استعاد أنفاسه ، يقف مرتديًا رداءً خفيفًا فقط فوق جسده العاري ، الذي جفّفه على عجل.
“كيف دخلتِ إلى هنا مرّةً أخرى؟”
نظر إلى بياتريس باشمئزاز ، ثمّ ألقى نظرةً على الباب.
التعليقات لهذا الفصل " 61"