دون أيّ تردّد، كان يريد أن يناديها براحة كما ينادي الزوج زوجته بعد أن يمضيا زمنًا طويلًا معًا.
كان يريد أن ينطق اسمها بعاطفة و محبّة، لا بألقاب مثل صاحبة السموّ أو الدّوقة الكبرى. و كان اسمها، بالمصادفةً، كايلا. اسم يليق بها تمامًا — هي الهشّة، الحزينة، و الجميلة إلى حدٍّ يفتت القلب.
ألم يكن بوسعها أن تصبح أكثر صحّة، و لو قليلًا؟
نظر بيون إلى كايلا، التي غفت من شدّة الإرهاق، و عدّل وضعيّة ذراعيه حولها.
لم يكن ليستطيع أن يعذّب زوجته طوال الليل، زوجته التي تقيّأت كلّ الطعام الذي أكلته بشهيّة بسببِ كلمة واحدة من بياتريس.
لم يستطع فعل شيء سوى احتضانها، ليضمن ألّا تراودها كوابيس و أن تنام بهدوء، كأنّه يلعق جراحها و يمتصّ سمّ الكلمات القاسية من أذنيها.
كايلا، التي لم تكن تملك القدرة على تحمّل كلّ ذلك الودّ الذي أغدقه عليها، كانت قد أنّت قبل أن تغفو.
“….كايلا.”
حالما يدخل الضوء غرفة النوم مرّةً أخرى، لن يتمكّن من مناداة هذا الاسم بعد الآن.
في الخارج، كان عليه أن يحافظ على آداب صارمة، كي لا يتجرّأ حتّى النبلاء المتغطرسون على معاملة كايلا باستخفاف. و بالطبع، لم يكن ينوي ترك هذا الوضع يستمرّ طويلًا.
لم يبقَ الكثير من الوقت. لذلك، لم يترك بيون كايلا.
حتّى هذا كان تصرّفًا وقحًا منه.
كان يعلم ذلك.
في النهاية، لم يكن سوى هجين وضيع، لقيط بلا أب.
من دون تربية سليمة، كان سيتشبّث بهذا اليوم إلى الأبد.
مؤجّلًا التكفير و التوبة، عاش كلّ لحظة من الاستلقاء هنا مع كايلا، ناقشًا إيّاها عميقًا في ذاكرته.
‘هل عـدتِ بالزمن أنتِ أيضًا؟’
أراد أن يسأل، لكنّه كان خائفًا جدًّا من ذلك.
بالنّسبة لبيون، كان التراجع فرصة. فرصة ليعيش حياة صحيحة هذه المرّة. فرصة ألّا يكرّر الخطايا التي ارتكبها.
لكن هل يمكن أن تأتي مثل هذه الفرصة بسهولة إلى مذنب مثله؟
لم يكن متأكّدًا.
أو ربّما كان جبانًا، يتجنّب فتح الصندوق ذي الرائحة النتنة الذي صنعه بنفسه، عاجزًا عن مواجهة الخطايا المتراكمة في داخله.
قليلًا بعد.…أطول قليلًا.
كايلا ابتسمت البارحة، لذا ربّما تكون هذه المرّة مختلفة — كان يغذّي الأمل داخله بهذا الشكل بشكلٍ تعسّفيّ.
بدت هذه اللّحظة كأنها حلم سعيد، جميل إلى حدّ أنّه أراد تجاهل كلّ شيء آخر.
و في الوقت نفسه، امتلأ بالاشمئزاز، متذكّرًا كيف تجاهل زوجته بشدّة و نبذها، و هي أصغر منه بسبع سنوات، بينما كان واقعًا في حبّها إلى هذا الحدّ.
احتضن كايلا بيأس.
سأفعل ما هو أفضل.
هذه المرّة سأكون أفضل.
سأنظر إليكِ كما ينبغي، و أصغي بعناية لكلّ ما تقولينه، و لن أفوّت تعبيرًا واحدًا أو نَفَسًا واحدًا.
هذه المرّة، أرجوكِ.
أرجوكِ.
أغمض بيون عينيه، غير قادر حتّى على طلب المغفرة.
・ 。゚✧: *. ꕥ .* :✧゚. ・
اسم بياتريس رافالي بدأ يتلاشى تدريجيًّا في لوسنفورد.
ما إن ظهرت السيّدة رافالي، حتّى بدأ صاحب السموّ الدوق الأكبر بالتوجّه فورًا إلى غرفة نوم صاحبة السموّ كلّ ليلة.
كان يحبّها بشغفٍ كلّ ليلة، إلى درجة أنّ الخادمات اللواتي كنّ يعتنين بحمّام صاحبة السموّ كنّ يدِرن رؤوسهنّ بسرعة عند رؤية العلامات الحمراء المتفتّحة على بشرتها البيضاء، و مع ذلكَ لم يستطعن منع أنفسهنّ من الشعور بالرضا.
كنّ يشعرن بالقلق من أن تُدفَع سيّدتهنّ جانبًا طوال زواجها بسببِ زهرة المجتمع المخملي، لكن مَنٔ كان ليتوقّع هذا؟
بياتريس رافالي عوملت تمامًا كضيفة غير مدعوّة، و الدّوق الأكبر الصامت لم يخلق لها حتّى فرصة للمواجهة.
اليوم أيضًا، كان قد غادر للتوّ بعد أن مكث في غرفة النوم إلى وقتٍ متأخّر جدًّا. و نتيجة لذلك، بدأت الدّوقة الكبرى يومها في وقتٍ متأخّر.
‘فلنفعلها فقط.’
كلّ من الخادمات و بيون كانوا قد سبّبوا ضجّة قليلًا بشأن أنّها ليست على ما يرام.
“يا إلهي، بهذا المعدّل، لن ينفع لفّ عنقكِ بإحكام هكذا،” تمتمت دينيز، و هي تنظر إلى العلامات الحمراء على الجانب الداخلي من معصمها.
اتّسعت ابتسامة دينيز حين لاحظت أنّ الأمر أسوأ من السابق.
“سيتعيّن عليكِ أن ترتدي ملابسكِ المعتادة، يا صاحبة السموّ. إنّه الربيع الآن، و إن لففتِ كلّ شيء بإحكام، ستشعرين بالحرّ كثيرًا خلال النهار.”
“و مع ذلك، لديّ مقابلة مع المفتّش اليوم. كيف يمكنني إظهار كلّ هذا؟”
“آه، يا صاحبة السموّ. إن شعرتِ بالحرّ نهارًا، ستبردين ليلًا عندما يبرد العرق. ثمّ ستصابين بالزكام مجدّدًا. و إذا شددنا الياقة هكذا و وضعنا لكِ شالًا، فسيكون الأمر مثاليًّا، أليس كذلك؟ انظري؟ إنّه مخفيّ تمامًا و جميل.”
كايلا، التي كانت تنظر إلى دينيز بتعبيرٍ غير مصدّق و هي تُصرّ و تضحك على نفسها، ضحكت في النهاية معها.
كانت سيسيل قد بدأت بالفعل بالابتسام برضا و هي ترتّب المكان من حولهما.
“أنتِ جميلة جدًّا، يا صاحبة السموّ،” تمتمت دينيز بقدرٍ كبير من الرضا.
“حقًّا، حقًّا جميلة. كان ينبغي لصاحب السموّ الدوق الأكبر أن يرى هذا، آه، يا للخسارة!”
كان بيون مشغولًا جدًّا اليوم أيضًا.
كان شخصًا يبدأ الحركة منذُ الفجر أصلًا، لكنّه تأخّر ليتأكّد من أنّ كايلا، التي عانت من عسر الهضم، استطاعت أن تهضم عصيدة الصباح الخفيفة جيّدًا، ممّا جعل يومه أكثر ازدحامًا.
“لقد رأى صاحب السموّ كم أنتِ جميلة قبل أن يغادر بالفعل. هيا، لنسرع و نجهّزكِ.”
كان الدّوق الأكبر قد أطعم كايلا العصيدة بنفسه طوال الإفطار، مصرًّا على أن تجلس في حضنه بعد أن أيقظها بالكاد.
ظلّ يقبّلها باستمرار، و بالكاد أكل من طعامه.
“لا ينبغي أن تتأخّري عن المقابلة، يا صاحبة السموّ.”
هذا صحيح.
كان المفتّش يُجري الآن تحقيقًا شاملًا فيما حدث أثناء العمليّة التي كادت فيها الدّوقة الكبرى أن تموت بسببِ تناول شيء مضرّ بها.
كان لا بدّ من مقابلة الضحيّة أيضًا ضمن التحقيق الجاري منذ أيّام، و كان اليوم هو ذلك اليوم.
انشغلت الخادمات في تجهيز كايلا، و بالكاد تمكّنّ من إرسالها في الوقت المناسب.
・ 。゚✧: *. ꕥ .* :✧゚. ・
الضيوف الذين قدموا فجأة إلى لوسنفورد لم يجنوا شيئًا من المأدبة.
كان إيسيدور قد قرأ تقرير الحادثة المفصّل الذي دوّنه مساعد بيون عدّة مرّات بالفعل، و مع ذلك كان يقرأه مرّةً أخرى.
هل الدّوق الأكبر غير مسؤول فعلًا عن هذه الحادثة؟
بالطبع، كان الدّوق الأكبر قد تحمّل المسؤوليّة بنفي رئيسة الخادمات و إعدام خمسة نبلاء متواطئين، بمَنْ فيهم الطاهي.
‘جلالة الإمبراطور لن يرضى بهذا القدر فقط.’
كان السّبب الذي جعله يفكّر بذلك غريزيًّا هو أنّه من عائلة داكيتين.
كانت عائلة الإمبراطورة، عائلة كونت عاديّة أنجبت فجأة إمبراطورة، ثمّ أصبحت عائلة دوقية، ثمّ تمّ إخفاض مكانتها إلى عائلة ماركيز، و اضطرّت دائمًا إلى الحذر من مزاج الإمبراطور.
من خلال مشاهدة والده يسجد باستمرار أمام الإمبراطور، تعلّم إيسيدور عن كثب أنّ السلطة الإمبراطوريّة تمسك بحياتهم.
“أتساءل إن كان هايبريون ذاك يؤدّي دوره كزوجٍ على النحو اللائق.”
تمتم الإمبراطور، الذي عيّن إيسيدور على نحوٍ غير متوقّع مفتّشًا مرسَلًا إلى لوسنفورد، بوجهٍ هزيل بسببِ مرض الإمبراطورة.
“ابنة أخي العزيزة كادت تموت، لا بدّ أنّه كان مهملًا.”
بالنّسبة لإيسيدور، بدا الأمر و كأنّه يجب أن يكون كذلك.
و إرساله لبياتريس رافالي إلى لوسنفورد فجأة — كان الإمبراطور حقًّا شخصًا مخيفًا إلى حدّ الرعب.
شعر بالشفقة على عمّته التي وقعت في قبضة شخصٍ كهذا، لكنّه كان يكرهها أيضًا. ففي النهاية، أليس بسببِ سوء تصرّف عمّته تدهورت مكانة عائلة داكيتين إلى هذا الحدّ؟
رغمَ كونهم أوّل عائلة نبيلة تُنجب إمبراطورة بلا أيّ دمٍ ملكيّ، لم يتمكّنوا من التمتّع بهذا الشرف، و بقوا عالقين هناك بلقب ماركيز ألميتشـي فقط.
‘ماذا يريد بالضبط؟’
كانت غرائزه و حواسه موجّهة نحو ابن عمّته، الدّوق الأكبر، لكنّ إيسيدور لم يتمكّن للأسف من اللحاق به قطّ.
منذُ البداية، لم يكن هناك سبيل للعثور على أيّ خلل في خلفية رجل وحشيّ كهذا، لم يخسر يومًا في صراع السُلّم الهرمي.
لكن نيّة الإمبراطور في إرسال بياتريس رافالي حتّى كانت واضحة.
إن تسبّبت بياتريس بأيّ مشكلة، فعليه أن يجد دليلًا على أنّ بيون كان مهملًا في حماية كايلا.
“هل تشعرين بتحسّن؟”
جلس إيسيدور، و أخذ يفحص لون بشرة كايلا.
“أنا بخير. شكرًا لقلقكَ، أوبا.”
“مع ذلك، سأجعل هذا سريعًا. في الحقيقة، ليس لديّ الكثير لأسألكِ عنه.”
كان تقرير الحادثة مكتوبًا بموضوعيّة مفرطة، و كان الدّوق الأكبر قد اعتذر أيضًا للدّوقة الكبرى عدّة مرّات، قائلًا إنّه كان مهملًا في إدارته.
“هذا صحيح،” أومأت كايلا، و وجهها نصف متورّم، موافقة أثناء المقابلة.
“لا أفهم. كيف يمكن أن يوجد أتباع و نبلاء محلّيّون متهوّرون إلى هذا الحدّ؟”
“يبدو أنّ هناك أماكن من هذا القبيل.”
“ليس ذنبكِ، كايلا.”
“أعرف.”
لكن كانت هناك أشياء كثيرة لا يمكن تجنّبها.
حدّقت خارج النافذة.
أشياء مثل القدر، أو الموت، لا مفرّ منها.
مهما صرخت حتّى يبحّ صوتك، أو كافحت للهروب، تبقى بعض الأشياء غير قابلة للتغيير.
“ألم يكن هناك حقًّا شيء آخر؟ أشخاص لم يُعاقَبوا، أو أحداث لم تُسجَّل في تقرير الحادثة؟”
نظرت كايلا إلى إيسيدور مجدّدًا.
“ربّما كان هناك. لكنّه كان يومي الأوّل في لوسنفورد، لذا لم أكن أعرف أولئك الأشخاص. أُولئك الذين وُجدت ضدّهم شهادات فقط عوقبوا، أليس كذلك؟”
كان هناك عدّة أشخاص نجوا من الإعدام، لكن مُنعوا من دخول القصر و أُقيلوا من مناصبهم.
كان ذلكَ طبيعيًّا.
لو ماتت الدّوقة الكبرى، لما نجا أحد تقريبًا في قلعة لوسنفورد. حتّى هذا كان مع الأخذ في الاعتبار أنّهما تزوّجا للتوّ.
و مع ذلك، كان هناك بالتأكيد عدد كبير من الناس في المأدبة.
كانت هناك أصوات كثيرة سمعتها كايلا. لم يكن هناك دليل كافٍ لمعاقبة كلّ الأصوات العابرة.
لذلك ، لا بدّ أنّ بعضهم أفلت من العقاب.
“بعد ذلك، كنتُ مريضة باستمرار. هناك بعض الأمور التي أشعر بالفضول حيالها، لكن… لا يوجد دليل.”
“فضول؟”
مال إيسيدور إلى الأمام.
“نعم. أنتَ تعرف جيّدًا شؤون الخدم أيضًا، أوبا. إن لم تراقبهم، يخونونك و يسرقون الأشياء.”
أطلق إيسيدور الصعداء فورًا، و أومأ على كلمات كايلا. و بصفته شخصًا يوظّف الناس، لم يستطع إلّا أن يتعاطف.
“صحيح. والدي عانى من ذلكَ أيضًا. الأمر شائع جدًّا لدرجة أنّ الجميع يرفضون التوظيف من دون خطاب توصية لأنّهم لا يجدون أشخاصًا موثوقين.”
“زوجي عمل بجدّ لحلّ هذه الحادثة. لكنّنا نشعر بعدم الارتياح حيال أمرٍ ما. رئيسة الخادمات لم تُمسك—”
نظرت كايلا إلى إيسيدور.
“… هل تظنّ أنّ كبير الخدم لم يكن يعلم؟”
・ 。゚✧: *. ꕥ .* :✧゚. ・
كان ينبغي لزيارة المفتّش الإمبراطوري أن تنتهي كالمعتاد، بمجرّد تنبيه بيون إلى ضرورة توخّي المزيد من الحذر.
كان بيون يكره دائمًا قدوم مَنٔ يرسلهم الإمبراطور لإثارة المشاكل في لوسنفورد، معتبرًا ذلكَ مراقبةً له، و كان دائمًا غير متعاون. و كان يتحجّج بشتى الأعذار لطردهم.
لكن، على خلاف السابق، تعاون بيون بالكامل مع المفتّش هذه المرّة، و أمر بتقديم كلّ شيء لهم، ثم تركهم و شأنهم.
لم يبدُ منزعجًا على نحوٍ خاصّ. اكتفى بتنظيم القوات و توزيع البذور الجديدة على المزارعين.
و بينما كان الجميع متوتّرين و غير مرتاحين، كان الدّوق الأكبر وحده هادئًا.
“اكسروه.”
عندما اقتحم المفتّشون المكتب و كسروا حتّى الدرج السرّي الذي حاول كبير الخدم إخفاءه بيأس، أدرك كبير الخدم أنّ لا شيء يسير وفق خطّته.
“خذوا كلّ شيء.”
“لا، هذا…!”
مهما حاول إيقافهم، لم يستطع إيقاف المفتّشين الذين يلوّحون بالسلطة الإمبراطوريّة.
إن كان لا بدّ من معاقبة أحد، فيجب أن يكون بيون، فكيف يعاقبون كبير خدم مخلصًا مثله!
البارون رولف أندرسون، كبير الخدم، لم يُجبَر فقط على تسليم أسرار عشرين عامًا كان يخفيها، بل خضع أيضًا لتحقيق قاسٍ.
شعر بالظلم حقًّا!
ماذا فعل على وجه الأرض؟
حتّى عندما أنكر أيّ ذنب، بدا أنّ المفتّشين لا يصدّقونه. بالكاد أُفرِج عن كبير الخدم، الذي أصبح فجأةً محور التحقيق، بعد ساعتين.
“يا صاحب السموّ!”
ركض كبير الخدم على عجل إلى الشخص الوحيد الذي يمكن أن يستمع إلى توسّله بالبراءة.
بينما يُجبر ساقيه المرتجفتين على الحركة، لم يكن هناك مكان يذهب إليه سوى بيون، الذي ربّاه بنفسه.
‘تعبيره و هو ينظر إلى المفتّشين لم يكن جيّدًا إطلاقًا. لا بدّ أنّه أدرك الأمر. هذا صحيح. بالطبع. الدّوقة الكبرى هي ابنة أخ الإمبراطور. ليست واحدة منّا.’
هكذا كان كبير الخدم يفكّر و هو يهرع إلى بيون و يتوسّل إليه.
“في هذه اللحظة، أولئك المفتّشون قلبوا مكتبي رأسًا على عقب…! القادمون من كرانيا يقولون أشياء عبثيّة، و قاموا باحتجازي أنا الشخص البريء، لساعات بذريعة التحقيق. إنّه ظلمٌ فادح.”
تكلّم كبير الخدم العجوز باستقامة رغم أنّ ساقيه كانتا ترتجفان من التحقيق.
كان عليه أن يتحدّث بصوتٍ لا يبدو متطرّفًا، لكن يحمل قدرًا كافيًا من الضيق ليستدرّ شفقة بيون.
بهذه الطريقة، حتّى لو اكتشف المفتّشون لاحقًا شيئًا لم يتمكّن من إخفائه، فسيتمكّن من النجاة بأمان.
و بالطبع، لم يخطر ببال كبير الخدم إطلاقًا أنّ المفتّشين سينظرون في دفاتر حسابات عشرين عامًا.
كيف يمكنهم ذلك؟
إنّها مجرّد خدعة سطحيّة من أولئك الأوغاد الكرانيين لاستعراض سلطتهم و قمع لوسنفورد.
كان كبير الخدم يعلم ذلك جيّدًا.
“أليس هذا ما يفعلونه دائمًا؟ لماذا تتفاجأ الآن؟”
لكنّ كبير الخدم لم يتوقّع أن يقول بيون هذا و هو ينظر إليه ببرود.
“كما تقول، إن كنتَ بريئًا، فلا داعي للقلق. و أنا لستُ قلقًا أيضًا.”
استدار الابن الذي ربّاه كبير الخدم، و ولى ظهره العريض مبتعدًا.
“لا تتزعزع، و ركّز على واجباتكَ الأصليّة.”
كان الهواء البارد رطبًا.
كانت هناك بوادر مطر سيُذيب الأرض قليلًا قبل أن يجمّدها مرّةً أخرى.
حدّق كبير الخدم بذهول في ظهر ابنه المنسحب، ثمّ تحسّس الجدار و دخل القصر كما لو كان يفرّ.
لقد أصبح ابنـه أعمى بامرأة جنوبيّة و خانه.
نفى والدته، بل و تفوّه بذلك القول الشائن عن تربية طفل غير شرعيّ للمرأة الجنوبيّة. و الآن، هل سيدير ظهره لهذا الأب البائس أيضًا؟
تعثّر إلى مكانٍ أعمق فأعمق، حيث لا يعرف المفتّشون، و حيث لم يعد ابنه البالغ يأتي، ثمّ هوى جالسًا.
هل كان ذلكَ بسبب الإرهاق من التحقيق؟ أم لأنّه صُدم من جديد؟
سيشعر بتحسّن بعد بعض الراحة.
‘الدوق الأكبر كبر الآن، فلا بدّ أنّه قال الشيء الصحيح. نعم إنه كذلك. لقد ربّيته جيّدًا.’
هذا هو الأمر.
لقد ربّاه جيّدًا.
لكن لماذا كان الشعور باردًا إلى هذا الحدّ؟
“يبدو أنّ أمرًا ما قد حدث.”
رفع كبير الخدم رأسه.
كانت بياتريس، التي كانت تلعب مع بيون الصغير في هذا المكان قديمًا، تقف في الظلام.
“هل تمادى إيسيدور أكثر من اللازم؟”
سألت من الظلال.
كان صوتها هادئًا، بلا أيّ عاطفة.
“و بيون لم يهتمّ؟”
كان ذلكَ بالضبط السؤال الذي كان كبير الخدم ينتظره و يتوق إليه.
التعليقات لهذا الفصل " 57"