الدّوق الاكبر هايبريون سابراند فيرارو من لوسنفورد.
بالنّسبة لنبلاء إمبراطوريّة كرانيا، هذا الرّجل ذو اللّقب غير المسموع “فيرارو” لم يملك سوى لقب الدّوق الأكبر للمنطقة الشّماليّة القاحلة.
الإضافة الوحيدة الأخيرة إلى مكانته كانت أنّه صهر الدّوق أوستين و زوج دوقة أوستين المستقبليّة.
كان رجلًا قليل الممتلكات، صريحًا و باردًا، غير مناسب للدّوائر الاجتماعيّة. قيل إنّ علاقته الخاصّة ببياتريس تعود إلى صداقة والدتيهما منذُ صغرهما.
فكيف يمكن أن تكون علاقة الزّوجين الجديدين جيّدة؟
لم يعتقد أحد أنّ الدّوق الأكبر سيؤدّي دور الزّوج للأميرة أوستين بشكلٍ صحيح. اعتقد الجميع على هذه المائدة ذلك، و كذلك كايلا.
“…. اعذروني لحظة.”
كايلا، التي كانت تضغط منديلها على فمها، وقفت أخيرًا. حتّى صوتها الذي يطلب الإذن بدا متوتّرًا.
بوجهٍ شاحب، اختفت من خلال المخرج الخلفيّ.
بما أنّ هذه كانت مأدبة للترحيب بمفتّش الإمبراطور، كان يجب أن يبقى على الأقلّ أحد الزّوجين الدّوقيّين جالسًا.
ما إن غادرت زوجته مقعدها، اختفت كلّ تعبيرات وجه بيون.
إيسيدور داكيتين، الذي حاول جاهدًا التّتبّع لكنّه فشل في النّهاية في اكتشاف وجهة ابن عمّته الدّوق الأكبر، نظر بالتّناوب إلى ابن عمّته و إلى المكان الذي اختفت فيه زوجة ابن عمّته.
أخيرًا اتّخذ قرارًا.
سيكون سماع قصّة الضّحيّة أفضل من مشاهدة قتال وحشيّ.
“اعذروني أنا أيضًا للحظة.”
أصبحت المائدة هادئة فجأةً مع خروج شخصين في لحظة.
نظرت بياتريس إلى ظهر إيسيدور المنسحب و سخرت كأنّها لا تصدّق.
“ما هذا؟ هل هو زوجها؟”
“لا تتجاوزي حدودكَ”
“لا، إنّه غريب. منذُ متى كانا مقرّبين هكذا؟ لم أعلم أنّهما يفعلان شيئًا خلف ظهري.”
“قلتُ لا تتجاوزي.”
ظهر بريق قاتل في عينيّ بيون.
“حدودكَ.”
“لماذا تتصرّف معي هكذا؟ هل أنتَ غاضب منّي؟”
“لا داعي لتسألي و أنتِ تعلمين الإجابة. يا له من سؤال غبيّ.”
“ماذا؟”
تقلّص تعبير بياتريس فجأة.
“لا يجب أن تعاملني هكذا.”
بعد أن نظرت حولها، تحدّثت بصوتٍ منخفض و حادّ.
“لماذا تعتقد أنّني أتيتُ إلى هنا؟ جئـتُ كلّ ذلك الطّريق إلى هذا المكان البارد لأنّني أردتُ رؤيتكَ. لا يجب أن تخونني”
“لم يكن عليكِ أن تأتِ. لا أريد رؤية وجهكِ.”
دون أن يثنيها ذلك ، ابتسمت بياتريس هذه المرّة. تسلّلت تعويذة تحتوي على سحر محظور لا يراه النّاس العاديّون نحو بيون.
“حقًّا؟ بالنّسبة لشخصٍ لا يريد رؤيتي ، كنتَ تأكل جيّدًا؟”
حاول بيون البقاء هادئًا كما اعتاد دائمًا، لكنّه في الحقيقة كان غاضبًا لأنّ إيسيدور تبع زوجته.
قبل زواجهما، إلى أي درجة كان كلّ من كايلا، التي كانت تحاول يائسة العبور من بوّابة كراين، و إيسيدور الذي كان المشرف الرّئيسيّ على البوّابة في ذلك الوقت، قريبين من بعضهما؟
لا، لم يكن له الحقّ في معرفة ذلك.
ابتسمت بياتريس بإشراق أكثر.
“منذُ متى أصبح ذوقكَ رخيصًا هكذا؟”
“و مَن قال أن ذوقي تغيّر يومًا؟ كان دائمًا رخيصًا بما أنّكِ الشّخص الوحيد الذي كنتُ معـه.”
ظهر شرخ في وجهها المبتسم. ارتجفت شفتاها الورديّتان النّاعمتان ، ثمّ التوتا بشكلٍ مهدّد و هي تردّ على كلماته.
“آه ، إذن لهذا السّبب أصبحت هي تعجبكَ؟”
هزّت بياتريس شعرها الفضّيّ بعنف و هي تشير بذقنها و عينيها نحو المكان الذي غادرت إليه كايلا.
“نعم. مقارنة بما كنتُ أراه حتّى الآن، هي ثمينة جدًّا لدرجة أنّني أدركتُ كم كنتُ رخيصًا.”
“رغمَ أنّكَ تعرفها منذُ سنوات إلا أنّكَ تقول هذا الآن؟ هل تعتقد أنّني سأصدّق ذلك؟”
التفتت عينا بيون البنفسجيّتان الباردتان نحو بياتريس، التي كانت مذهولة بعيونٍ محمرّة.
“و ما الذي يمكن توقّعه من كلب مشرّد مثلكِ؟”
لم يكن هناك أثر للفروسيّة أو اللّطف في موقف بيون أو نظرته تجاهها.
الرّجل الذي كان يقول إنّ بياتريس يجب أن تُعامل بطريقةٍ ثمينة لأنّها سيّدة، فاتح الشّمال و الفارس الأقوى، كان الآن يعاملها بموقف و نظرة غير لائقة جدًّا.
صرّت بياتريس على أسنانها.
“أيها الوغد”
“هاه”
نظرته المتراخية، و سلوكه المائل، كانا أقرب ما يكون إلى بلطجيّ أزقّة.
كلّ مَن يعرف بيون، بل حتّى الإمبراطور نفسه، سيصدم لو رأى هذا المشهد.
رؤية شخصٍ معروف بأخلاقه الصّارمة، أناقته، و سمعته العالية يتصرّف فجأة كبلطجيّ شارع.
‘ما هذا؟’
اهتزّت عينا بياتريس الورديّتان بعنف.
هذا لم يكن بيون الذي تعرفه.
ليس بيون البسيط الذي تأتي إجاباته بسهولة.
لم تكن تعرف مَن هذا الرّجل. اللغز الذي اعتقدت أنّها تعرفه تحطّم.
انحنت شفتاها الورديّتان بابتسامة.
“إذن كنتَ هكذا أصلاً؟”
أليس ذلك جذّابًا جدًّا؟ لمعت عيناها المهتزّتان.
“كنتُ دائمًا هكذا.”
بياتريس التي كانت تستنشق بعمق رائحة الذّكر الخطرة المنبعثة من الرّجل الذي أصبح لأوّل مرّة مثلها، شعرت بالحماسة.
نعم. مهما كانت الإمبراطورة أنيقة، فلا يمكن أن يكون قد ورث دم الإمبراطورة فقط؟!
يجب أن يكون هناك أب مجهول في مكانٍ ما، ذو طبع مختلف…طبيعة قذرة يجب إخفاؤها.
“لقد بذلتَ جهدًا كبيرًا لإخفاء حقيقتكَ.”
“كان من الصعب التحمل.”
الرّجل الذي لم يعد يُخفي الأمر، قام بالتصحيح لها ببساطة.
“إذن، هل أنـتَ تتحمّل أمام زوجتكَ هذه المرّة؟”
“يجب أن أخفيها أمام صاحبة السّمو. رغم أنّ هذا أصبح عديم الفائدة بالفعل لأنّها ذكيّة.”
“هي ذكيّة؟”
صوت سخرية، شفتان ملتويتان إلى الأعلى، عيون مليئة بالازدراء، و كتفان مهتزّتان.
نقش بيون كلّ هذا بوضوح في ذهنه.
كلّ هذا كان الازدراء و الإهانات التي تحمّلتها زوجته المسكينة طوال حياتها.
“حسنًا، افعل ما تشاء. يصبح الأمر مريحًا عندما تكون الزّوجة ربّة منزل فاضلة. و عندما تشعر بالملل…”
ابتلعته عيناها المليئتان بالهالة الحمراء و هي تأخذه في نظرها.
“تعال للّهو معي”
كان صوتها المرح مليئًا بالجشع.
“صحيح. هذه طبيعتكِ الحقيقيّة. لا تستطيعين إظهارها علانية، لذا يناسبكِ جيّدًا أن تكوني عشيقة يجب أن تخفي نفسها خلف الظّلال.”
استقرّ صوته المنخفض، و تدفّقت نية قتل عبر المائدة الهادئة.
“أنـتِ تحبّين مثل هذه الأمور. يجب على النّاس أن يعيشوا وفق طبيعتهم.”
“مـاذا؟”
راقب بيون تعبير بياتريس يتشوّه في لحظة، فضحك بهدوء.
حتّى في تلك اللّحظة، بدت ضحكته ساخرة لكنّها مثيرة في الإضاءة الخافتة، فلم تستطع بياتريس نزع عينيها عنه.
“استمرّي في العيش هكذا. لا تتغيّري، فقط استمرّي. غشّي باعتدال و تظاهري باعتدال.”
“و أنتَ؟ هل تعتقد أنّكَ لن تتعرّض للغشّ و الخيانة؟”
‘تتصرّف بثقة بينما لا تملك شيئًا’
لم تستطع بياتريس تحمّل بيون الذي يزعجها….بيون الذي لم يعـد يطيع كلماتها دون شروط.
وجدته مزعجًا، مثيرًا للغضب، جذّابًا، و أرادت سحقه.
“هل تعتقد أنّك تعلم كل شيء؟ أنتَ لا تعرف شيئًا على الإطلاق.”
“حسنًا. تحقّقي مما أعرفه و ما لا أعرفه بعد عودتكِ”
“ما معنى هذا الكلام؟ يجب أن تراقب زوجتكَ. دائمًا الرجال من أمثالكَ، الذين يقلّلون من شأن زوجاتهم الوديعات، ينتهي بهم الأمر بدماء على الأنف. إيسيدور ذاك يحـبّ النّساء الحزينات.”
سخرت بياتريس.
“النّساء اللواتي يحافظن على بيوتهن بهدوء، يعزفن البيانو، و يبكين على كل شيءٍ صغير، تمامًا مثل كايلا. هل رأيتَ عينيه عندما تبعها؟ سيعتقد أيّ أحد أنّهما بالفعل في علاقة عميقة. ألم يتجاوزا الحدّ بالفعل؟”
“تفسّرين علاقات الجميع كعلاقات خارج الزّواج لأنّكِ لن تكوني زوجة أحد و لن تملكي علاقة قانونيّة أبدًا. حسنًا، ماذا ستعرفين؟”
ضحك بيون.
“الطّلاق ليس سهلًا، لكنّه أسهل قليلًا بالنّسبة للرجال. هل تعرفين لماذا لا يطلّق الأزواج حتّى عندما يتعرضون للخيانة من قِبل زوجاتهم؟”
“لأنهم لا يستطيعون تجاهل العاطفة المبنيّة بعد سنوات من العيش معًا. إنّها قويّة جدًّا لدرجة أنّهم يغفرون لهنّ حتّى لو جيء بطفلٍ من الخارج. لم أكن أفهم ذلك سابقًا، لكنني فهمت الآن بعد أن أصبحت متزوّجًا.”
ابتسم للمرأة التي هي إمّا عشيقة الإمبراطور أو ساحرة و التي كانت تتمنّى بيأس فشل زواجه.
“الزّواج مقدّس جدًّا ليُكسر، مهما صلّى أو توسّل أحد لانتهائه. عندما يعيش الزوجان معًا لفترةٍ طويلة، إذا مرض أحدهما، يحشد الطرف الآخر الأطبّاء و السّحرة و العرّافات لإنقاذه. حتّى في الموت، يجب أن يموتا معًا في نفس اليوم و السّاعة.”
ارتجفت بياتريس.
“على عكسكِ، زوجتي لديها إحساس واضح بالأخلاق و القيم، لذا لن تفعل مثل هذه الأمور. لكن حتّى لو حملت بطفل رجل آخر بمحض الصّدفة، حسنًا، هكذا وُلدتُ أنا على أي حال، لذا لا يهمّ . سأقوم بتربيته. سيكون جميلًا ، يشبه والدته.”
“هل أنـتَ مجنون؟”
كانت بياتريس تعرف أكثر من أي شخصٍ آخر كيف كافح بيون، الذي تأذّى من لقب الطّفل غير الشّرعيّ، لعدم كره والدته. و الآن يقول أنّ هذا الأمر لا يهمّ؟
اتّسعت عينا بياتريس المحمرّتان و ارتجفتا.
لماذا يتصرّف هكذا؟ لماذا تغيّر كثيرًا؟
كانت مذهولة جدًّا لدرجة أنّها أرادت الكلام لكنّها لم تجـد الكلمات.
لا، كلماتها لم تعـد تصل إلى بيون.
الكلمات التي كانت تلقي تعاويذ فقدت كلّ قوّتها.
“الشخص الوحيد المجنون هنا أنتِ، سيدة رافالي. أنتِ وحدكِ تنكرين الحقائق الواضحة، تنكرين كلّ القوانين و الآداب، دون التّفكير في العواقب التي ستواجهينها لاحقًا.”
تحدّث بيون بهدوء وهو يقف.
“حسنًا، أنا في موقفٍ يتطلّب عليّ فيه أن أحرص على الاهتمام بالمفتّش جيّدًا. اعذريني.”
تُركت بياتريس وحدها على المائدة بعد أن غادر الدّوق الأكبر دون أن يلتفت إليها حتّى.
تُركت وحدها على المائدة الباردة، مرتجفة، وأخيرًا التفتت بنظرها إلى كبير الخدم الوحيد القريب.
“لماذا على وجه الأرض يتصرّف هكذا؟”
وظيفة كبير الخدم هي التّظاهر بعدم السّماع أو الرّؤية مع معرفة كلّ عيوب مَنٔ يخدمهم.
كان يأمل فقط أن تكون زيارة المفتّش، التي رتّبها بمهارة، دواءً جيّدًا لبيون.
لكن بدلًا من أن يكون دواءً جيّدًا، كان وجه كبير الخدم شاحبًا أكثر من وجه بياتريس بعد سماع مثل هذه الكلمات الصّادمة حتّى.
لم يستطع حتّى الكلام بشكلٍ صحيح، كان يقف بإحراج و يهزّ رأسه.
حتّى كبير الخدم لم يفهم.
الدّوق الأكبر الذي مـرّ به للتوّ لم يكن الطّفل الذي ربّاه.
ليس ابنـه.
****
“يا إلهي، صاحبة السّمو.”
اندهشت سيسيل لرؤية كايلا تمسك معدتها، غير قادرة على فرد ظهرها بشكلٍ صحيح، بينما تتصبّب عرقًا باردًا.
“هل تشعرين بالغثيان، يا صاحبة السّمو؟”
لم يكن لدى كايلا قوّة للكلام و أشارت فقط ليبتعدوا.
كانت أعراضها تزداد سوءًا، و فوق كلّ شيء، التّطوّر كان سريعًا جدًّا.
كانت معدتها مشدودة بإحكام، مسبّبة لها ألمًا شديدًا.
“يبدو أنّ صاحبة السّمو مصابة بعسر هضم. أليس هناك دواء؟”
سأل السيد إيسيدور داكيتين، الذي كان يسند كايلا، بإلحاح.
أجابت ماري،
“أرسلنا في طلب الطّبيبة. ستأتي قريبًا.”
“كم سيستغرق ذلك؟ كايلا، اجلسي الآن.”
يمكن أن يكون عسر الهضم مرضًا خطيرًا.
إيسيدور، الذي رأى أناسًا يموتون فجأة من عسر هضم أثناء عمله في البوّابة، حثّ على إحضار الطّبيبة بسرعة و ساعد كايلا على الجلوس.
“لا…”
جاءه رفض بصوتٍ متشقّق. لم ترغب كايلا في الجلوس الآن.
التعليقات لهذا الفصل " 55"