كان هناك غراب يبحث عن طعام جثم على غصن عارٍ، و هو يصيح بشؤم.
تجمّعت غربان سوداء و هي تراقب فريق المفتّشين الإمبراطوريّ الوافد حديثًا.
رغم أنّ التنّين الشّرّير غاسالانتي كان هادئًا بشكلٍ غير متوقّع الشّتاء الماضي، ظلّت لوسنفورد في حالة تأهّب عالية.
إذا ثار التنّين أو قامت القبائل الأجنبيّة بالهجوم خلال موسم الزّراعة، قد يفسد محصول العام.
في الحقيقة، لوسنفورد ذات الأراضي الزّراعيّة القاحلة كانت كئيبة و مقفرة. بالنّسبة لسكان كرانيا الذين مرّوا بالرّبيع بالفعل و يقتربون من الصّيف، بدت أكثر كآبة.
يبدو هذا المكان المتوحّش غير مناسب لأميرة جنوبيّة.
نظر شعب لوسنفورد الخشن إلى الغرباء بشكّ.
بخلاف كرانيا، كان هناك شعور ملموس بالخشونة، الوحشية و الإرهاق من الحرب.
المفتّشون الذين جاؤوا للنّظر في الحادث الذي كادت فيه الدّوقة الكبرى الجديدة تموت، كانوا يعتقدون أنّه سيكون الأمر مفهومًا إن وجدوا أن الدّوقة تعاني بعض الصعوبات هنا.
“مرحبًا. سررنا بقدومكم إلى لوسنفورد. صاحب السّمو الدوق الأكبر ينتظر داخلًا.”
كان يجب أن يهرع الدوق الأكبر لاستقبال أوامر الإمبراطور بدلا من الانتظار في الداخل.
ألا يدرك مدى خطورة هذا الوضع؟
كان دوق لوسنفورد الأكبر معروفًا بغروره رغم أصله.
جلجلة، جلجلة.
دوى صدى صوت السّيوف و هي تصطدم بزخارف معدنيّة بينما كان فريق المفتّشين يصعد السّلالم داخل قلعة لوسنفورد الشبيهة بكهف أسود.
رغم أنّه يحمل لقب الدوق الأكبر الوحيد في إمبراطوريّة كرانيا، إلا أنه يقال أن دوق لوسنفورد الأكبر أدنى حتّى من كونت حدوديّ يحرس الحدود.
ما الذي جعله يرفع رأسه عاليًا هكذا؟
أخذ ابنة أخ الإمبراطور الثّمينة و كاد يقتلها في أيّام قليلة فقط.
إهمالـه يعدّ جريمة خطيرة.
فتحت عدّة أبواب ثقيلة سميكة بصمت.
الدّاخل كان أغمق و أبرد من الخارج، حيث تناثر الطّين في كلّ مكان.
وقفت القلعة كحصن هائل، حجارتها متشابكة بإحكام، تحمل وزن العصور و تنضح ببرودة مخيفة.
فؤوس هائلة، رماح، و دروع تبدو كبيرة جدًّا لاستخدام بشريّ معلّقة على كلّ جدار. كلّ نافذة بها شقوق للسهام و أقواس متقاطعة.
كان مكانًا يمكن أن يتحوّل إلى ساحة معركة في أيّ لحظة حقًّا.
“صاحب السّمو.”
وقف حاكم هذه القلعة الكئيبة وحده في القاعة. كان يعرض ظهره العريض لفريق المفتّشين.
حتّى من الخلف، شعر المفتّشون بالترهيب.
يقال أن أناس كرانيا يصابون بالجنون بعد العيش هنا لسنوات قليلة فقط، لذا الرّجل الذي يحكم هذا المكان لم يكن شخصًا عاديًّا بوضوح. قد لا يكون بشريًّا حتّى.
هل يهتمّ رجل كهذا بدوقة كبرى شابّة؟
الدّوق الأكبر، الذي يُرعب حتّى المحاربين، التفت إليهم.
كانت له عيون ثاقبة ثقيلة و مظهر غير قابل للاقتراب.
المفتّش، الذي التقت نظراته بتلك النّظرة مباشرة، حاول عدم الارتجاف لكنّه فشل.
رغمَ أنّه من بين أشرف الفرسان في كرانيا، شعر بأن كبريائه جُرح. لكن بما أنّ ذلك حدث شائع، لم يهتم للأمر كثيرًا.
“صاحب السّمو، الدوق الأكبر”
شدّ قبضته و وضعها على صدره، مبديًا الاحترام اللّائق. مهما كان، كفارس، لم يستطع إلّا احترام هذه الشّخصيّة.
“لقد أتيتَ، سيدي. مرّ وقت طويل منذُ آخر لقاء لنا.”
“نعم، مرّ وقت طويل حقًّا.”
تبادلا تحيّات رسميّة و جامدة.
بيون، الذي عرف بالفعل هويّة المفتّش من خلال الإرساليّات المسبقة، لم يعد يشعر حتّى بالرّغبة في السّخرية.
هل سيكون الإمبراطور، الذي أرسل بياتريس، مهملًا في اختيار مفتّش؟
كان المفتّش شابًّا. و يشترك في الدّم مع بيون.
السّير إيسيدور داكيتين، حارس بوّابات كرانيا و ابن أخ الإمبراطورة، يشترك في الشّعر الأسود و الفكّ الحاد مع بيون، لكنّه بخلاف ذلك، كان يرمق الدّوق الأكبر الأفضل و الأكثر كآبة منه بنظرات غريبة.
الدوق الأكبر، الطّفل الوحيد لعمّته، بدا ينتظره أن يتكلّم.
“جلالة الإمبراطور، حاكم إمبراطوريّة كرانيا المقدّسة، أصدر مرسومًا إمبراطوريًّا.”
“سأتلقّاه بسرور.”
إيسيدور، ابن خال بيون و وريث لقب عائلة داكيتين، قرأ المرسوم الإمبراطوريّ أمام ابن عمّته، الذي كان دائمًا تحت رحمة الإمبراطور.
كان المرسوم مليئًا بكلمات مزخرفة و عبارات كثيرة لدرجة أنّ بيون كان يركّز أكثر على الخطوات الخفيفة التي تقترب.
“…. بخصوص الضّرر الذي لحق بعضو من العائلة الإمبراطوريّة، الدّوقة الكبرى كايلا دي شاسير من لوسنفورد…”
رغم أنّهما متزوّجان، استخدام اسم كايلا قبل الزّواج كان يلفت انتباه بيون أحيانًا، لكنّه كان بخير غالبًا.
في النّهاية، إذا حصلا على الطلاق، ستظلّ كايلا دي شاسير كايلا دي شاسير. ما الفائدة من إضافة لقبه، فيرارو، الذي أعطته إيّاه والدته لأسباب مجهولة؟
“…. يجب على لوسنفورد كشف كلّ شيء، و فوق كلّ شيء، التحقيق بدقّة وفق القانون الإمبراطوريّ لضمان عدم بقاء ظلم لدوقة لوسنفورد الكبرى، أميرة أوستين الضحية. على لوسنفورد بالتّعاون مع المفتّش الإمبراطوريّ. هذا كلّ شيء.”
حتّى قبل العودة بالزمن، كان الإمبراطور يرسل مراسيم مشابهة، متظاهرًا بالاهتمام بابنة أخيه اليتيمة بينما يركّز على العيوب و يجرح كبرياء بيون و شعب لوسنفورد.
في النّهاية، ضيّق فقط موقع كايلا و جعلها هدفًا للضّغينة.
الإمبراطور، الذي جعل ابنة أخيه يتيمة بسبب جشعه في ميراثها، لم يستطع الاهتمام بها حقًّا.
كان كلّ ذلك للعرض، و خدعة لقمع بيون و لوسنفورد.
كان الإمبراطور يستمتع بممارسة السّلطة الإمبراطوريّة بهذه الطّريقة.
“بالطّبع، يجب أن على جلالة الإمبراطور أن يكون على علم بتفاصيل الأمر كاملة. أشعر بمسؤوليّة كبيرة، لذا تحقّق بدقّة خلال إقامتكَ هنا.”
ردًّا على نظرة المفتّش المستفسرة، ردّد بيون كلمات رسميّة.
“جميع تقارير الحوادث تم جمعها من أجل أن تراجعها. أخبرنا إن احتجتَ شيئًا ما. يجب أن نتبع الأمر الإمبراطوريّ، لذا ستبذل لوسنفورد قصارى جهدهل.”
بإعلان بيون، كان على شعب لوسنفورد التّعاون، حتّى لو كانوا غير راغبين.
“أحتاج إلى مقابلة صاحبة السّمو. هل هي بخير؟”
“انظر بنفسكَ.”
بينما كان السّير إيسيدور داكيتين على وشك الرّدّ على هذا الجواب غير الودّيّ، أضاءت القاعة الخافتة. لم يشعل أحد مصابيح، لكن القاعة الباردة الكئيبة أشرقت و أصبحت أكثر دفئًا من ذي قبل.
دخلت إلى القاعة، حيث يقف فرسان بأسلحة قاتلة عند كلّ مدخل، سيّدة صغيرة ترتدي فستانًا ناعمًا بقماش كثير، بخلاف الزّيّ الثّقيل و الدّروع حولها.
“آه؟”
ما إن دخلت حتى اتّسعت عيناها، و ابتسمت بإشراق.
“أوبا!”
مَنٔ هذا الشّخص الذي نادته الدوقة الكبرى الشّابّة، التي تظهر الكرامة دائمًا بـ “أوبا” دون تردّد؟
الشّخص الذي كان يُنادى سابقًا «أوبل» بدأ يتحرّك نحوها دون وعي قبل أن يمسك نفسه.
كايلا، التي لم تبتسم بصدق منذُ قبل زواجها، كانت تبتسم.
ليس له، بل لابن خاله المشابه له.
خطا إيسيدور إلى الأمام و انحنى باحترام، تمامًا كما فعل لبيون. لكن عينيه لم تكونا باردتين كما عندما نظر إلى بيون.
“صاحبة السّمو.”
كان تعبير إيسيدور أيضًا يظهر مدى سروره برؤيتها.
“أوبا، لا…”
آه، لقد أخطأت بسبب حماستها.
إذا عرف شعب لوسنفورد أنّ مفتّش الإمبراطور مقرب من الدوقة الكبرى، قد ينظرون إليها بسوء.
أغلقت كايلا شفتيها مرّة، ثمّ فتحتهما مرّة أخرى.
بعد أن لمست قارورة السّمّ المخفيّة في جيب صغير داخل فستانها كعادتها ، تحدّثت بصوت أهدأ و أنعم.
“من الجيّد رؤيتكَ مرّة أخرى منذُ الزّفاف، سيدي داكيتين. هل الماركيز و الماركيزة بخير؟”
“هم بصحّة جيّدة. شكرًا لاهتمامكِ، صاحبة السّمو. كيف هي صحّتكِ أنتِ؟”
“أنا بخير. لقد تعافيتُ.”
أجابت كايلا و هي تتحرّك نحو بيون.
“سمعتُ أنّ صاحبة السّمو مرضت بسبب الطّعام.”
“هذا ما حدث.”
مع ذلك، بدا صوتها و طريقة كلامها مختلفة قليلًا عن النّبرة الكريمة و الجدّيّة بشكلٍ خاصّ التي تستخدمها عادة في لوسنفورد.
لمحة من الحيويّة المناسبة لـفتاة تبلغ سن 21 عامًا، التي اعتقدوا أنّها فقدت تمامًا، ظهرت للحظة.
مع اقتراب كايلا منه، شعر بيون بحرمان و عطش شديدين لم يدركهما سابقًا.
“صاحب السّمو، الدّوق الأكبر”
قامت بتحيته.
لم يتمكّن من تذكّر كيف كانت كايلا، التي كانت تفقد حيويّتها يومًا بعد يوم حتّى ذبلت أخيرًا، تبتسم بإشراق هكذا، أو كيف يرتفع صوتها عندما تكون في مزاج جيّد.
كان يراقب عن كثب نبرة صوتها، إلى أين تنظر، شكل شفتيها، و حتّى حركة عضلات وجهها.
حاول تمييز أيّ إزعاج أو معاناة لن تخبره بها، لكن في الواقع، يبدو أنّه كان يحاول العثور على ابتسامة صغيرة أو حيويّة في ذلك الوجه، الذي أصبح بالفعل كدمية خزف مصنوعة بدقّة.
أراد رؤية المزيد من تلكَ الحيويّة الخفيفة تملأ وجهها الفاتح.
قليلًا أكثر فقط، أكثر، أكثر.
من فضلكِ، أكثر.
اِملئي هذا الفراغ الرّهيب.
“لقد أتيتِ، صاحبة السّمو.”
خرج ردّ بيون متكسّرًا.
كان لديه فراغ أسود لا نهاية له داخل نفسه حتّى هو لم يعرفه.
لم يعرف متى ظهر أو حتّى أنه موجود، لكنّه كان مساحة فارغة يمكن لكايلا فقط ملؤها.
كان عميقًا جدًّا لدرجة أنّه لم يعرف ماذا يفعل.
“ألستِ تشعرين بالبرد؟”
“أنا بخير. أصبح الجو أدفأ كثيرًا الآن.”
وقفت كايلا بجانبه.
كان يعتقد أنّ وجودها وحده كافٍ، لكن الجحيم اللّانهائيّ الذي اكتشفه الآن ظلّ يمدّ يده نحوها.
ابتسمي قليلًا أكثر فقط.
كيف أجعلها تبتسم أكثر؟
تشابكت أفكاره و تدحرجت في ذلك الاتّجاه من تلقاء نفسها.
“كيف حال جلالة الإمبراطورة؟ هل تحسّنت صحّتها؟”
سألت كايلا عن الإمبراطورة، التي سيكون بيون أكثر فضولًا بشأنها.
إذا كان هناك مَنٔ يعرف، فسيكون السّير إيسيدور داكيتين، ابن أخ الإمبراطورة و وريث ماركيزيّة ألِميتشـي.
“لم يكن هناك أخبار جديدة منذُ زواجكما و مغادرتكما إلى لوسنفورد. ما زالت…”
هزّ إيسيدور رأسه.
عدم تحسّن الإمبراطورة كان خبرًا حزينًا لشعب لوسنفورد أيضًا.
الإمبراطورة، المحصورة في القصر، بذلت قصارى جهدها لدعم إقليم ابنها. استخدم النّاس هنا الحبوب و الأسلحة التي تمكّنت من إرسالها جيّدًا.
“فهمت. كيف حال جلالة الإمبراطور؟”
“جلالة الإمبراطور قلق جدًّا. هو حزين جدًّا لعدم وجود علامة على استيقاظ جلالتها رغمَ حشد العديد من الأطبّاء. وسط ذلك، تلقّى تقارير عن الحادث المؤسف الذي أصاب صاحبة السّمو، ممّا أزعجه كثيرًا.”
ارتجف نبلاء لوسنفورد، الذين توقّعوا ذلك عندما انهارت الدّوقة الكبرى بسبب توت تور.
حتّى مَنٔ تساءلوا بلا تفكير: “ما الضّير في ذلكَ؟” كانوا الآن ينحنون و يراقبون بحذر.
كيف يجرؤون على عدم احترام ابنة أخ الإمبراطور الثّمينة، أميرة أوستين المولودة في قصر لانبالار.
مفتّش الإمبراطور، الذي يرتدي درعًا أبيض و ذهبيًّا لامعًا، جلب عدّة فرسان مسلّحين بسيوف و رماح.
وجودهم المهيب و ثراؤهم أرهب شعب لوسنفورد كثيرًا.
الوحيدان اللّذان ظلا هادئين في حضورهم كانا الدوق و الدوقة الكبرى، اللّذان راقبا السّلطة الإمبراطوريّة المجيدة و العظيمة عن كثب منذ زمن.
“كدوق أكبر مسؤول عن لوسنفورد، أعتقد أنّ هذا الحادث لا يجب أن يحدث و هو خطيئة لا تُغتفر تجاه صاحبة السّمو، لكنّكَ يا سيدي بصفتكَ مفتّشا، ستحكم بنفسكَ. أعددنا غرفة لكَ، لذا يمكنكَ بدء تحقيقكَ.”
“شكرًا لتعاونكَ، صاحب السّمو. هل أبدأ فورًا إذن؟”
أومأ بيون بصمت.
بدا أن لكايلا أسئلة كثيرة لإيسيدور داكيتين.
كان قائد حراس بوّابة كرانيا و وريث عائلة الإمبراطورة أيضًا، و بالصّدفة، كان كل من كايلا و إيسيدور في سنّ متقارب.
على عكسِ بيون و كايلا اللذين يفصلهما سبع سنوات، كان وليّ العهد و كايلا و إيسيدور جميعهم ضمن أعمار متقاربة تفصل بينهم سنة أو اثنتان.
لذا كان من الطبيعيّ بعض الشّيء أن تكون كايلا أقرب إلى إيسيدور.
أن يصبح قائد حراس بوّابة كرانيا مفتّش الإمبراطور – هي ترقية كبيرة.
الإمبراطور، الذي رفع عائلة الإمبراطورة، داكيتين، من عائلة كونت عاديّة، من المحتمل أن يستمرّ في تعيين إيسيدور.
كان هناك ماضي تافه للإمبراطور حينَ رفع عائلة داكيتين من كونت إلى دوق عندما أجبر ابنة كونت غير متكافئ على الزواج ، لأنه تسبب في انتشار حديث عن كون زواجهما غير متساوٍ.
ثمّ، عندما ولدت الإمبراطورة بيون، أنزلهم إلى عائلة ماركيز، مدّعيًا تعرّضه للخيانة.
“صاحب السّمو. هل أنتَ مشغول؟”
التفتت كايلا إلى بيون و سألته.
تذكّر بيون كيف حاولت كايلا قبل زواجهما الهروب بيأس من منزل أوستين إلى البوّابة رغم أنّ جسدها كلّه كان يحترق من الحرارة.
كانت تكافح و هي يائسة و كأنّ هناك طريقة للعبور من البوّابة.
رغمَ قدوم أتباع الإمبراطور لتفتيش بوّابة الحراسة، خاطرت حينها لمحاولة الهروب.
“ما الأمر؟”
“لديّ شيء لمناقشته معكَ بشكلٍ خاص.”
هل كانت تعرف إيسيدور داكيتين جيّدًا بصفته قائد الحراس و كانت تريد طلب مساعدته في الهروب؟
هل كان إيسيدور داكيتين سيتخلى عن عائلته لمساعدة كايلا في الهروب؟
هل كانا مقربين إلى هذا الحدّ؟
“لاحظت رئيسة الخادمات سوء سلوك الخادم الرّئيسيّ.”
الفراغ الكبير الذي اكتشفه للتوّ ظلّ يشير إلى تفاصيل عديمة الفائدة، ممّا صعّب عليه تصديقها.
إيسيدور داكيتين و بيون كانا يشبهان بعضهما كثيرًا.
قال الكثيرون إنّهما من بعيد يبدوان كأخوين.
هل كانت كايلا قبل العودة بالزمن لا تحبّه هو، بل تبحث عن إيسيدور فيه؟
‘لا، هذا مبالغ فيه. أنا أبالغ جدًّا في تفكيري.’
حاول بيون محو الفكرة بسرعة، لكنّها لم تُمحَ بسهولة.
“رئيسة الخادمات تصرّ بشدّة على التحقيق.”
“إذن لدينا يد إضافيّة لتساعدنا.”
“نعم.”
في حياتهما الزّوجيّة القاسية، لم يكن هناك طريقة لأن تحبّـه كايلا أو تعجـب بـه.
كانت تفضّل أن تكرهه و تحتقره.
في النّهاية، انتهى زواجهما بحبس الزّوج لزوجته.
كم يجب أن تكون قد لعنته عندما كانت تموت جوعًا في ذلكَ البرج و هي غير قادرة على الحصول على طعام بسبب زوجها غير الكفء؟
لم يكن هناك طريقة لكي تقع في حبّـه.
لذا، فإن فكرة محاولتها للهرب قبل الزّواج لأنّها تكرهه، كانت منطقيّة.
كايلا لم تحبّـه أبدًا.
[هيّا، انظر إلى هذا! يبدو أنّ كايلا تحبّـكَ!]
تذكّر فقط صوت بياتريس و هي تضحك و تسخر بينما تسحب الهديّة التي أخفتها كايلا التي كانت دموعها تتجمع في عينيها.
لم تخبره من قبل أنها تحبّه.
[هل أنتِ مجنونة؟ ألا تعرفين أنّني أواعد بيون؟ كيف يمكنكِ فعل هذا؟]
[توقّفي، بياتريس.]
[آه، اتركيني!]
[كايلا. اذهبي. اذهبي الآن.]
[هيّا!]
[قلتُ اذهبي بسرعة!]
لم تقلها و لا لمرّة واحدة.
هل كانت حقًّا تحبّه، عندما أرسلها بعيدًا قسرًا فقط بسبب الموقف المحرج؟
حاول تهدئة نفسه، معتبرًا أن مجرّد كفاحه للتنفّس وقاحة منه.
كان يحتاج إلى الاستيقاظ، حتّى لو صفع نفسه.
لم يكن يستحقّ شيئًا.
“أتمنّى أن يسير عمل المفتّش جيّدًا. من حسن الحظ أنّ إيسيدور أوبا قد أتى.”
لكن لماذا تعتقد أنّه قدوم إيسيدور داكيتين حظ سعيد؟
و فوق كلّ شيء، بينما تنادي بيون الآن بـصاحب السّمو بدلًا من “أوبا”، لماذا لا يزال ذلك الرّجل يُنادى بـ “أوبا” ؟
التعليقات لهذا الفصل " 52"