كان من المضحك أصلًا أن خبر عرض الزواج الإمبراطوري انتشر في الصحف كمنشورٍ دعائي قبل الإعلان الرسمي. لكن أن تمتلئ أكشاك عاصمة إيفيليا كلها فورًا بمقالٍ يفيد بأن مينوِيت ترفض وليّ العهد المتكبّر فذلك أمر آخر تمامًا.
سأل غريف ، الذي كان يستمتع بالموقف ، بوقاحة:
“أليست المعلومات التي في مقالات الصحف التي تحبّها أكثر تفصيلًا مما أعرفه أنا عن الزفاف الإمبراطوري؟ أليست كافية؟ يبدو أنك مهتمّ كثيرًا بزفاف الآخرين.”
لم يكن بين الرجال مَنٔ يجهل أنّه عُرض كسلعةٍ ثمينة من قِبل العائلة الإمبراطورية.
و كان ذلك وحده كافيًا ليجعله يطحن أسنانه غضبًا. فكيف إذا كانت الصحف تتباهى بأن سيدةً لم يرغب بها أصلًا ترفضه؟
حافظ أونيكس على تعبيرٍ لامبالٍ وهو يرفع كأس الويسكي.
كان يرى أنّ وضع اسمه مع اسم تلك النبيلة في سلّة واحدة و التشهير به في الصحف إهانة كافية بحدّ ذاتها.
“و لَـمَ يكون هذا شأن الآخرين؟ نحن النبلاء هم إمبراطوريّة بيسك، و الإمبراطوريّة هي نحن. هذا شأن يخصّنا جميعًا.”
“بلا شكّ، هذا صحيح.”
تسرّبت كلمات الموافقة همسًا من بين الجموع.
“أليست نادرة الجمال؟ كن صريحًا. ألا ترى ذلك أيضًا؟”
و قد ازدادت حماسة غريف مع تأييد الرجال، فقرّب وجهه من أونيكس بملامح متشوّقة.
على أيّ حال، إلى أن يتزوّج وليّ العهد، كان أونيكس هو موضع إعجاب جميع النبيلات الغير متزوجات في إيفيليا.
لم يكن هناك رجل قادر على مجاراة هذا الوجه، و كأنّ رسّامًا شهيرًا قد أفنى عمره في رسمه بعناية.
و ما دام الانتصار مستحيلًا، فالتنازل عن مينويت لوفاين –التي لم تكن أصلًا ضمن القائمة– سيكون مكسبًا للجميع.
صحيح أنّ ذلك يعني تسليم الثروة و المجد الهائلين اللذين تملكهُما أسرة مينويت إلى وليّ العهد الوسيم بشكل مفرط، لكن ما المشكلة في ذلك؟
ففلا توجد عائلة أنسب لمصاهرة العائلة الإمبراطورية من عائلة لوفاين على أي حال.
الرجال الذين لم يكن لديهم أدنى أمل في انتزاع تلك الجميلة من أونيكس، بدت عليهم ملامح إجماعٍ صامت على شطب ذلك الثنائيّ الحسن من سوق الزواج كليًّا.
صحيح أنّ غريف اعتاد تجاوز الحدود، لكنّه هذه المرّة كان كافيًا لإشعال الرأي العام.
“صحيح، الآنسة مينويت جميلة حقًّا.”
“نادرًا ما نرى جمالًا كهذا.”
نظر أونيكس إلى الرجال الذين يوافقون غريف واحدًا تلو الآخر ، ثم رفع رأسه طبيعيًا واتبع نظراتهم.
كانت آنسة لوفاين جميلة بلا شك.
سواء الأخت الكبرى أم الصغرى ، لم يكن أونيكس لينكر ذلك.
لكن، و ما قيمة هذا الجمال؟
قيمة هشّة تزول مع مرور الزمن.
ما إن دخلت آنسات لوفاين قاعة الحفل حتّى اندمجن طبيعيًّا بين صفوف السيّدات.
و بين النبيلات الشابات اللواتي ما زلن كالبراعم ، تألقت مينويت كزهرةٍ متفتّحة تمامًا حتّى بين طويلات القامة.
حقًا ، كانت زنبقة عائلة لوفاين.
لكن، هل كانت تلك الزنّبقة الهادئة المتأنّقة تمثل النموذج المثاليّ للجمال الرقيق الذي يتردّد في أروقة المجتمع؟ حسنًا…ليس تمامًا.
على الأقلّ، مينويت التي تعامل في الأيّام القليلة الماضية لم تكن كذلك على الإطلاق.
وردةٌ ذات أشواك ، أو ربما تيبوتشينا بنفسجية داكنة.
و بينما كان أونيكس يراقب مينويت الواقعة في نهاية نظرة غريف ، اندفع الغضب فجأة في صدره.
هل كان بسبب ذلك الجمال التافه؟
أم لأن عائلتها تنحدر من أميرة إمبراطورية ، فلا ترضى بعرض زواج من عائلة تورمالين الإمبراطورية؟
تصرفاتها الفاضحة التي أهانته في الصحف، و سلوكها السخيف في المقهى….
حين رأى جمال مينويت المتلألئ بين النبيلات، بدا له فجأة أنّ كلّ تصرّفاتها المتهوّرة أصبحت مفهومة.
كان غريف يراقبها من بعيد و هو يضحك ضحكة خبيثة.
“ليس الوجه فقط. عنقها أيضًا… مذهل.”
انساقت نظرة أونيكس تلقائيًّا خلف نظرة غريف.
و في اللّحظة التي انزلقت فيها عيناه من عنقها الأبيض إلى صدرها، أدرك أنّ نظرة غريف لم تتوقّف عند خطّ العنق فحسب.
و عند رؤية ملابس مينويت المتهوّرة، خرجت من فم أونيكس شتيمة منخفضة.
صحيح أنّها لم تُقم حفل ظهورها الأوّل بعد، لكنّ مينويت كانت امرأة ناضجة بالفعل.
و أن تُظهر جمالها الناضج مقارنة بملابس النبيلات الصغيرات، كان أمرًا طبيعيًّا إلى حدّ ما.
كانت ترتدي ما لا يختلف عن بقيّة النبيلات في سنّها، و مع ذلك انعقد حاجبا أونيكس.
و زادت نظرات غريف الوقحة من سوء مزاجه أكثر.
“كفّ عن هذا، يا غريف.”
“لماذا؟ سموّ وليّ العهد محظوظ. الزواج من عائلةٍ سخية كهذه نعمة بحدّ ذاته ، فما بالك بهذا الجسد…يا لها من صفقة.”
“قلتُ توقّف.”
كان هذا حفل الظهور الأول.
بل أوّل حفل يُقام هذا العام في القصر الإمبراطوريّ.
و منذ وفاة والدته، كان أونيكس يتولّى بنفسه دور المضيف بدل الإمبراطورة منذ سنوات.
و برغم أنّه موقف يتطلّب ضبط النفس، اشتدّت قبضته على كأس الويسكي.
“توقّف، أيّها المجنون.”
بدأت الأصوات تتعالى لإيقاف غريف ، لكنه لم يتوقف.
“إذن ماذا ستقدّم عائلة لوفاين؟ هل سيملؤون خزينة الإمبراطورية مجددًا؟ يا لك من محظوظ.”
كان التاج الإمبراطوريّ هو ما وضع الطوق في عنق الكلب المجنون أونيكس، الذي كان يومًا أكثر الرجال تحرّرًا.
شحبت وجوه الرجال الذين يتذكّرون أونيكس عندما كان دوقًا أكبر. و مع علمهم بأنّ إيغان – الوحيد القادر على كبحه – لم يصل بعد ، شرعوا يجذبون غريف من كتفيه.
ارتخت قبضة يد أونيكس قليلًا، فدار كأس الويسكي بخفّة بين أصابعه.
لقد حان الوقت ليذكّر غريف مرّة أخرى بأنّ فشل زواجه الأوّل كان بسبب فمه السليط الذي يسبق عقله كلّما ثمل.
“يا غريف. إمّا أن تزيد قدرتكَ على تحمل الشراب، أو أن تقلع عنه. عليكَ أن تختار واحدًا.”
“ماذا؟ و ما المشكلة في قدرتي على الشرب؟”
“بهذا الشكل، لن تتسبّب فقط في فقدان زوجتك الأولى، بل ستعجّل بنهايتكَ أنت أيضًا.”
لكنّ فم غريف لم يُغلق، حتّى بعد تحذير أونيكس الأخير.
و بينما كان أونيكس يحدّق في كأس الويسكي شاردًا، خرجت من فمه ضحكة ساخرة قصيرة.
هل حلّ سوء الحظ على هذا العام؟
تداخل نقش الكأس الذي وقعت عليه عيناه مع الجوهرة المعلّقة في فستان تلك النبيلة الوقحة.
“يبدو أنّ عليكَ التخلّي عن حلمكِ بالزواج الثاني في حفل الظهور الأول هذا العام، يا غريف.”
“و لماذا تتحدث عن زواجي الثاني الآن فجأة؟”
و في اللحظة التالية، انطلقت قبضة أونيكس، و هو يمسك بكأس الويسكي، مباشرة نحو منتصف وجه غريف هوبر.
“بهذا الوجه، سيكون الأمر صعبًا على ما يبدو.”
* * *
“يا لها من وقاحة. لو كنتُ مكانها، لما خطوتُ خطوة واحدة خارج المنزل.”
“ربما لأن حفل تقديمها الأول قد فاتها، يمكنني تفهّم رغبتها بالحضور… لكن هل رأيتِ مقال الزيز الأزرق يا آنسة ريجينا؟”
كان هذا الظهور الذي انتظرنه طيلة حياتهنّ.
و في يومٍ طال انتظاره، يظهر منافس لم يخطر لهنّ على بال.
رمقت النبيلات المتأنّقات المنافسة الجديدة بنظرات استياء.
و فوق ذلك، كانت من أسرة لوفاين.
صحيح أن وليّ العهد كان بعيد المنال ، لكن لم يكن النظر إليه ممنوعًا. كانت كل نبيلة غير متزوجة في إيفيليا تحمل حلمًا غامضًا بأن تقع عيناه عليها فتتحول إلى سندريلا.
لكن، قبل أيّام قليلة من الحفل، انتشر خبر زواج وليّ العهد المفاجئ.
و ليس من سيسيليا ولا ليليان، بل من مينويت لوفاين التي لم تخطر على بال أحد.
و فوق ذلك، كانت تتصرّف بوقاحة يومًا بعد يوم، محرجةً وليّ العهد الذي يعشقنه جميعًا.
في الآونة الأخيرة، كانت كلّ القصص المثيرة تبدأ بمينويت و تنتهي بها.
و بفضل ذلك، كانت الصحف التي نشرت تلك الأخبار تحطّم أرقام المبيعات القياسيّة يومًا بعد يوم.
و على عكسِ الصحف التي تنشر الشائعات بدافع السبق الصحفيّ، كانت صحيفة سيكيدا، التي تنشر مقالات الزيز الأزرق، مشهورة بخلوّها من الأكاذيب.
بل و تتميّز أيضًا بسرعةٍ تفوق غيرها في اقتناص الأخبار الحصريّة.
و لذلك، لم يكن مستغربًا أن تكون صحيفة سيكيدا الأكثر رواجًا هذه المرّة أيضًا.
“خادمتنا وقفت في الطابور قبل شروق الشمس اليوم لشراء صحيفة سيكيدا.”
“أنا أيضًا قرأت مقال الزيز الأزرق اليوم. قالوا إنّ جسدها لم يكن ليصمد طويلًا. فكيف ستُنجب ورثة للإمبراطوريّة بهذا الجسد…….”
“هذا خلل كبير فعلًا. ماذا لو أثّر ذلك على وراثة العرش مجدّدًا؟”
راحت النبيلات يتبادلن الحديث عن صحّة مينويت، و هنّ يستظهرن مقالات الزيز الأزرق عن ظهر قلب.
سواء أكان سوء حظّ أم لعنة، فقد ماتت الإمبراطورات السابقات في بيسك واحدة تلو الأخرى في سنّ مبكّرة.
و فوق ذلك، و بسبب الأباطرة الذين لم يتزوّجوا بعد زوجاتهم، كان ورثة الإمبراطوريّة نادرين.
و في كلّ مرّة، كان هاجس وريث العرش يؤرّقهم.
و الآن، ها هي فتاة مريضة منذُ البداية مرشّحة لأن تكون وليّة العهد.
حتى أولئك الذين كانوا يجمعون على أنّ عائلة لوفاين أنسب عائلة لإخراج إمبراطورة، هزّوا رؤوسهم نفيًا عند هذه النقطة.
“مرحبًا، أيتها الآنسات.”
وسط النبيلات المنشغلات بتمزيق مينويت بالكلام، ظهرت ليليان بابتسامة.
“أنتِ جميلة اليوم أيضًا، الآنسة ليليان.”
“هذا لطف منكنّ. أنتنّ أيضًا متألّقات للغاية.”
و بلباقة، ردّت ليليان مجاملة ريجينا، ثمّ قدّمت مينويت أمام النبيلات.
التعليقات لهذا الفصل " 9"