و كأنّه عزمٌ على ألّا يترك أيّ مجال، كانت حدود تلك اليد الدافئة واضحة تمامًا.
“إذًا فالزواج….”
“الزواج ليس لعبَ أطفال، يا سيسيليا. غدًا ستبلغين سنّ الرشد. ما رأيكِ أن تكفّي عن قراءة روايات الرومانسية؟”
إلى هذا الحدّ أيضًا يجب أن تتوقف التصرّف كالأطفال.
ضيّق أونيكس عينيه و هو ينظر إلى سيسيليا.
كلّما لمع سواد عينيه المائل إلى الذهبيّ الغامض، شعرت سيسيليا بأنّه يبتعد عنها أكثر فأكثر، فسحبت قدمها على عجل.
“لا بدّ أنّ إخوتي مشغولون، يبدو أنّني جئتُ بلا داعٍ. ما رأيكم أن نقيم جلسة شاي معًا بعد انتهاء حفلة ظهوري الأوّل؟”
“نعم، لِنفعل ذلك.”
أجاب إيغان، الذي رقّ قلبه لحال سيسيليا، و هو يرسل إلى أونيكس نظرة موافقة.
“لماذا تُهدر ابنة دوق بلينتشيد ، المرحَّب بها في كلّ مكان، وقتها معنا؟ اقضي وقت الشاي مع رجالٍ أفضل منّا. أنتِ تستحقّين أن تُعاملي بأفضل طريقة.”
كان رفضًا لطيفًا إلى حدّ القسوة.
كان أونيكس يصدّها دائمًا بذلك اللطف في كلماته، و ذلك البرود في نظراته المناقضة تمامًا لها، و كان يغيظها حدّ الموت، و مع ذلك كان صدرها يحترق و كأنّه سيتفحّم.
إن لم يكن هذا هو شعور الحبّ الأوّل، فما يكون إذًا؟
لم يعد كافيًا أن تصبح امرأة تليق بمنصب الإمبراطورة، ثمّ تنتظر أن يختارها….
كان عليها أن تغيّر استراتيجيّتها….
بالطريقة الوحيدة التي لا يستطيع أحد غيرها القيام بها.
* * *
في النهاية، المال هو الأفضل.
إنّه شعور منعش.
كانت مينويت تنظر بوجهٍ مفعم بالحماسة إلى قطع الكعك الثلاث الموضوعة أمامها على الطاولة.
[كلّها تبدو لذيذة، لا أدري أيّها أختار….]
كانت تلك الكعكات قد طلبتها ليليان بعد أن ضاقت ذرعًا بمينويت، التي ظلّت تحدّق طويلًا في قائمة المقهى.
[اطلبيها كلّها. إن طلبتِها جميعًا لن يبقى هناك مجال للتردّد، ما الذي يستدعي التفكير أصلًا؟]
حقًّا، معيار عائلة الكونت ليس بالأمر الهيّن.
أخذت مينويت قضمة كبيرة من الكعكة، و هي تفكّر بسعادة أنّ هذا هو الدخل غير المكتسب.
صحيح أنّ اليوم الوحيد الذي تستطيع فيه التمتّع بجولة في المدينة هو يوم ذهاب ليليان للتسوّق، و هذا أمرٌ مؤسف، لكن باستثناء الزواج من وليّ العهد الصغير، كانت هذه الحياة مثاليّة إلى أبعد حدّ.
“أختي، ألا ترين أنّ الشريط الورديّ أفضل من الأزرق؟”
“الشريط الأزرق جميل أيضًا.”
“لا، أظنّ أنّ الورديّ أنسب للون شعري.”
كانت ليليان تقارن الشريط الأزرق بشعرها مرارًا بعد أن أخرجته من كيس تسوّق صغير، لكنّ تعبيرها تغيّر فجأة.
“الكونتيسة غريفيس مثيرة للشفقة فعلًا.”
عند سماع صوت قصة مثيرة من خلفها، أرهفت ليليان السمع، ثمّ وضعت الشريط بهدوء على الطاولة.
“قلتُ لكِ إنّ الشريط الأزرق جيّد.”
“أختي، شش.”
رفعت ليليان إصبعها إلى فمها، و أشارت إلى الخلف.
في المكان الذي أشارت إليه، كانت ثلاث سيّدات نبيلات في منتصف العمر يستمتعن بوقت الشاي بوجوه متحمّسة.
“أختي، في الطاولة التي خلفي الآن. إنّهنّ يتحدّثن عن الكونتيسة غريفيس، أليس كذلك؟”
“و مَنٔ هي الكونتيسة غريفيس أصلًا؟”
سألت مينويت بصوتٍ منخفض، مقلّدة ليليان.
“من تكون؟ ألا تتذكّرين عائلة دينتون التي سلّمت ابنتها ذات العشر سنوات للكونت غريفيس ذاك بسبب ديون القمار؟ لقد ضجّت الصحف بالأمر حينها.”
“عشر…… سنوات؟”
قبل أن تُكمل مينويت كلامها، شكّلت ليليان فمها بإشارة تطلب منها الصمت، ثمّ عادت للإنصات إلى حديث عائلة غريفيس المتسرّب من الطاولة الخلفيّة.
“لا، حقًّا. سمعتُ أنّها ستدخل بيت أحد النبلاء المسنّين كزوجة ثانية، لكنّ زواجها من نبيل صغير في السنّ؟ هذه أوّل مرّة أسمع بذلك.”
“عائلة الكونتيس غريفيس مشهورة بكثرة الإنجاب. لذلك كانت سيدة تلك العائلة العجوز تطمع كثيرًا بآنسة دينتون. كما أنّ والدها تورّط مؤخرًا في فضيحة قمارٍ كبيرة”
“و ما فائدة كثرة الإنجاب؟ حين يكبر الكونت قليلًا، ستصبح عجوزًا منحنية الظهر.”
“صحيح. لا فائدة من كثرة الإنجاب. ستنام إلى جوار الكونت في السرير لتغنّي له تهويدة، لا أكثر.”
“تهويدة؟ يا إلهي، هاهاها. لا بدّ من زرع البذرة أصلًا ليكون هناك نسل. هل تظنّين أن الكونت غريفيس لا يزال قادرًا على الإنجاب أصلًا؟”
“يا للوقاحة، هاهاها.”
“و هل يقتصر الأمر على الليل؟ يقولون إنّها أشبه بمعلّمة منزليّة كاملة.”
“يا إلهي ، من الصعب تربية أطفالي ، فكيف ستذهب لتربية ابن غيرها؟”
“و مع ذلك، فقد ملأ الماركيز دينتون جيوبه بسخاء، لذا فهو زواج مُرضٍ للطرفين، أليس كذلك.”
و على عكسِ ليليان التي كانت منصتة بفضول، كانت مينويت مركّزة على الكعكة، لكنّ ثرثرة السيّدات كانت تتدفّق إلى أذنيها بلا رحمة.
تهويدة؟
معلّمة منزليّة؟
حين ارتسم في ذهنها مستقبلها البائس و هي متزوّجة من وليّ عهد صغير، فقدت شهيّتها تمامًا، و أنزلت الشوكة على الطبق.
هذا ليس حديثًا عن شخص آخر.
عريس في العاشرة من عمره____
“آه، يا للأسف. و مع ذلك، يبدو أنّ الماركيز دينتون لم يعد إلى رشده بعد، فما زال يتردّد على مضمار سباق الخيل دون انقطاع…… المسكينة هي ابنته فقط.”
هزّت ليليان رأسها بأسى و هي توافق بصوتٍ منخفض. و عندما أدركت مينويت أنّ زوجة كونت غريفيس كانت موضوع حديث مجتمع إيفيليا قبلها بفترة ، شعرت بنوعٍ من التعاطف معها.
لعد أن استمعت ليليان طويلًا إلى ثرثرة السيّدات، تمتمت قائلة إنّ الوقت ليس مناسبًا لهذا، ثمّ شرعت تجمع أكياس التسوّق على عجل.
“لا، لا يصحّ هذا. أختي، سأعود إلى المتجر قبل أن يُغلق.”
“لتستبدلي الشريط الورديّ؟”
“أستبدله؟ لا. سأشتريهما معًا. و إن وجدتُ شيئًا لم أره سابقًا، سأشتريه أيضًا.”
“و تتركينني هنا؟”
“سأعود لاصطحابك، لذا إن أردتِ كعكة أخرى فاطلبي ما تشائين.”
طمأنتها ليليان، ثمّ هرعت خارج المقهى على عجل.
هل ينبغي عليّ اتّباع حمية غذائيّة؟
أنا أصلًا لا آكل، بل أتسوّق فقط.
تنهدت مينويت و هي تنظر إلى الكرسيّ المقابل الفارغ.
ما إن غابت ليليان عن مكانها، حتّى ارتفعت أصوات السيّدات أكثر.
“بالمناسبة، هل سمعتنّ أنّ مَنٔ سرّب أوّل خبر عن طلب الزواج الإمبراطوريّ كانت العائلة الإمبراطوريّة نفسها؟”
“يا إلهي، و لماذا تفعل العائلة الإمبراطوريّة ذلك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 8"