كانت المربّية تقول دائمًا إنّ الإنسان لا يُعاد إصلاحه.
تلك الفكرة التي يُحتمل أنّها نشأت من تذمّرها من زوجها، انغرست بوضوح في أحد جانبيّ دماغ أونيكس منذُ طفولته.
فبذل مثل هذا الجهد ليس سوى إهدارٍ للوقت، و هو أصلًا لا يؤمن بأنّ الإنسان يتغيّر.
إنّه فقط يتغيّر “تظاهرًا”.
كاين، الذي خان خطيبته و تقلّب مع ممثّلات الأوبرا، ثمّ ضُبط متلبّسًا، ما زال يتنقّل سرًّا بين الممثّلات و راقصات الباليه مرّةً بعد أخرى، متجنّبًا أعين والده الكونت رايت، و لا أحد يعلم كم مرّة فعل ذلك.
أمّا غريف، الابن الثالث لعائلة هوبر___
كلماته التي يلقيها بلا حساب أوصلته إلى حافّة الطلاق من السيّدة هوبر، ثمّ عاد إليها مراعاةً للأطفال، لكنّه في النهاية طلّقها فعلًا بسبب ألفاظه الجارحة التي لا يكفّ عن إطلاقها كلّما شرب الخمر.
فكّر أونيكس أنّه لو كتب أسماء الأشخاص الذين يثبتون أنّ الإنسان لا يتغيّر، لاستطاع أن يملأ ورقةً طويلةً تكفي للدوران حول القصر الإمبراطوري مرّتين.
و مع ذلك، هل يُطلب منه الآن إصلاح امرأة ستصبح إمبراطورة؟
كان أونيكس يهزّ رأسه بين الحين و الآخر محاولًا محو صورة تلك النبيلة المجنونة التي تطفو على ذهنه، بينما يقلب ملفّات الوثائق.
“يبدو أنّكَ على تواصل مع دول تمتلك مخزونًا مناسبًا من أحجار السحر المستوردة.”
“نعم.”
تباطأت يد أونيكس التي كانت تقلّب الملفّات عند سؤال الإمبراطور.
“حسب علمي، لم تُراجع بعد استقراريّة أحجار السحر.”
“حتّى الآن ، تمّ انجاز المرحلتين الأولى و الثانية من التحقّق. و عند الانتهاء من المرحلة الثالثة، سنطرح الأمر على المجلس.”
“إذًا، هل أنتَ واثق حقًّا من أنّها فعّالة في رفع الإنتاجيّة كما تقول؟”
رفعَ أونيكس نظره عن الأوراق و حدّق بهدوء في والده الإمبراطور.
هل يريد أرقامًا دقيقة؟
كانت أسئلة الإمبراطور، الذي لا يعترف بإنجازات ابنه، تزداد دقّةً يومًا بعد يوم، و بالمقابل كان أونيكس يقدّم إجابات أكثر تحديدًا.
“حاليًّا، نحتاج إلى نحو خمسين ألف ساعة عمل لتحويل 45 كيلوغرامًا من القطن إلى خيوط، لكن إذا شغّلنا آلات الغزل بقوّة أحجار السحر، فسنحتاج إلى قرابة ألفي ساعة فقط، أي بكفاءة تزيد بنحو خمسةٍ و عشرين ضعفًا. و إذا ارتفعت الإنتاجيّة، فستتوسّع مجالات العمل لاحقًا.”
للمرّة الأولى منذُ زمن، لمع بريق في عينيّ أونيكس اللتين اعتادتا البرود.
كان منصب وليّ العهد ثمنًا للحرّيّة.
وعلى عكسِ رغبة ثعالب المجلس العجائز الذين أرادوا له أن يعيش مجرّد زهرةٍ من زهور العائلة الإمبراطوريّة، كان لديه الكثير ممّا ينبغي أن يأخذه.
لقد أعطى ما عليه تقديمه ، و الآن ، حان وقت الأخذ.
تجارة عادلة.
بالنّسبة لأونيكس، الذي كان بارعًا في الحساب منذ الصغر، كان منح الحرّيّة مقابل نيل السّلطة معادلةً بديهيّة.
هدفه أن يعيد مجد العائلة الإمبراطوريّة المنهارة في بيسك، إلى مكانه باستخدام سلطة وليّ العهد.
و لهذا ارتدى تاج وليّ العهد من دون اعتراض.
و كانت بداية خطّته هي استيراد أحجار السحر و صنع آلات ترفع الإنتاجيّة.
“إذا ارتفعت الإنتاجيّة و توفّرت السلع، فستزداد الصادرات. و ليس هذا فحسب، بل إذا تولّت العائلة الإمبراطوريّة إدارة حقوق تشغيل أحجار السحر أيضًا…….”
“ستصبح الخزانة الإمبراطوريّة غنيّة.”
“يبدو أنّه كان ينبغي أن أتحرّك بسرعة أكبر. لو فعلتُ ذلك، لما بعـتُ نفسي بهذه السهولة إلى عائلة لوفاين.”
“هاه، أيّها الفتى.”
نعم، لقد بِعـتُ نفسي فعلًا. إلى عائلة لوفاين.
ترى كم سيدفعون من ثمنٍ سخيّ ليعاملوني بهذه العشوائيّة؟
و أثناء حديثه عن خطّته العظيمة أمام الإمبراطور، تسلّلت ملامح مينويت بين سطور الوثائق كسرابٍ يطفو، فأثارت فيه ضيقًا مفاجئًا.
شعرَ أونيكس بأنّه وجه سيغدو أعظم صداع في حياته.
* * *
لم تكن مينويت مصدر إزعاجٍ لأونيكس وحده.
فرغم أنّ الكونتيسة لوفاين لم ترغب في اعتبار ابنتها التي عادت من حافّة الموت بعد مرضٍ طويل عبئًا، فإنّ إصرارًا قويًّا تفجّر في قلبها و هي تقرأ الرسائل، على تزويج مينويت قبل انقضاء هذا العام.
“هذه الرسالة الرابعة بالفعل.”
قالت الكونتيسة و هي تعيد الرسالة المطويّة إلى الخادمة، ثمّ نظرت إلى الكونت لوفاين بنظرةٍ مثقلة.
“الآنسة إيفلين، و الكونتيسة فوراسر، و الماركيزة فيفيان، و حتّى عمتي الكبرى، زوجة الفيكونت ويسلي. يبدو أنّ أخبار الصحف وصلت إلى إقطاعيّة كورتني حتّى”
“عمّتي الكبرى متقدّمة في السّن، لقد أقلقناها كثيرًا.”
كانت رسالة تبدأ بتحيّة مجاملة خفيفة، ثمّ تملأ ثلاث صفحات كاملة بالقلق على مينويت.
“أيّ قلق؟ في مثل هذا العمر، لا يفوّتن مثل هذه الأحاديث. لا بدّ أنّها تحزم أمتعتها بالفعل قاصدةً إيفيليا.”
تذكّرت الفيكونتيسة زوجة الفيكونت ويسلي التي قلبت إيفيليا رأسًا على عقب في الربيع الماضي بحثًا عن زوجة لابنها، فارتعدت.
لحسن الحظّ، انتهى الأمر خلال عام واحد فقط لأنّ نبيلةً وقعت في حبّه و قبلت عرض الزواج طوعًا.
و عندما تذكّرت أنّها كانت تنوي الحضور في كلّ موسم ظهور اجتماعي، شعرت الكونتيسة بقشعريرة تسري في ظهرها.
“هل سيكون الأمر على ما يرام رغمَ أن مينويت تكره هذا إلى هذه الدرجة؟”
“أليس الجميع يتزوّجون هكذا أصلًا؟”
“نحن لم نفعل.”
“لولا جرأتي، لما نلـتَ هذا الحظّ.”
قصة زواج إيريكال لوفاين، الابن الأكبر للكونت، من أميرة ترويزن ما زالت تشعل قلوب النبيلات حتّى اليوم.
و كانت بعض العجائز يلوّحن بألسنتهنّ قائلين أن سبب انتشار الحبّ الحرّ يعود بشكلٍ كبير إلى ذنب هذين الزوجين.
“عزيزي، مينويت فاتها سنّ الزواج. تأجّل ظهورها خمس سنوات، هذا فضلًا عن شائعة بقائها طويلاً طريحة الفراش. أنتَ تعلم أنّ العثور على خطيب مناسب في مثل هذه الظروف أمرٌ صعب.”
كان كلامًا واقعيًّا لا يُصدّق أنّه خرج من فم امرأةٍ عبرت البحر بحثًا عن الحبّ.
“قد تظنّني أنانيّة، لكنّي أريد أن أرى تلك الطفلة عروسًا مهما كلّف الأمر.”
كان في كلام الكونتيسة بعض المنطق.
فكلّ سيّدٍ يرغب في زوجةٍ قويّة تنجب أبناءه و تربّيهم جيّدًا.
و مع ذلك، لم ترغب في إرسال ابنتها و كأنّها تُلقى إلى برجوازيّين طامعين في لقبٍ نبيل.
و إن كان لا بدّ من تسليمها، فليكن إلى العائلة الإمبراطوريّة.
* * *
“كان أداؤك اليوم لافتًا، أونيكس.”
كان ذلك اليوم هو الأوّل الذي يُعرض فيه تأثير أحجار السحر داخل قاعة المجلس.
و بينما ظلّ الشيوخ متحفّظين، أبدى النوّاب الشباب حماسًا هائلًا.
كان إحضار مخطّطات الآلات التي ستُصنع باستخدام أحجار السحر قرارًا صائبًا.
[إنّه مشروع لا ينهض بالخزانة الإمبراطوريّة فحسب، بل بالإمبراطوريّة كلّها. أخيرًا يظهر الطابع التجاري لعائلة ترومالين الإمبراطوريّة. إنه مدهش حقًّا.]
كان يبدو كمدحٍ لوليّ العهد، لكن لا أحد يجهل أنّه سخرية من إخفاقات الإمبراطور و الإمبراطور السابق في عالم الأعمال.
خرج أونيكس من القاعة مبتسمًا برضى، بعد أن وجّه ضربةً قاصمةً لأولئك النوّاب الوقحين الذين لا يكفّون عن اختبار أهليّته.
“سيسيليا.”
كان إيغان أوّل مَنٔ ألقى التحيّة حين لمح بين السادة ذوي الأزياء السوداء الخارجين من القاعة نبيلةً ترتدي فستانًا لافتًا.
“أتشرّف بلقاء سموّ وليّ العهد أونيكس، و الفيكونت إيغان بيركشير.”
قالت سيسيليا بأدبٍ متقن، ثمّ نزلت الدرج معهما كما لو كانت تنتظر ذلك.
“ما الذي جاء بسيدةٍ راقية مثلكِ إلى هذا المكان القاسي؟”
“كان لي شأنٌ قريب من هنا، فقرّرت أن ألقي التحيّة على إخوتي فحسب.”
أجابت سيسيليا وهي تخفض عينيها إلى أقصى حدّ، مطلقةً هيبة بنات الدوقات.
و حين أدرك أونيكس أنّ طبيعة موقع المجلس، المرتفع و المعزول، لا تسمح بوجود أماكن تقصدها النبيلات هنا، ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه.
“آه، و أنا الذي قلت بأنّكِ كنتِ هادئة هذه الفترة.”
شعرت سيسيليا بإهانةٍ غامضة من نظرته التي تشبه نظرة الأخ إلى أخته الصغرى، فعبست قائلةً إنّ الأمر ليس كذلك.
“سيسيليا، في المرّة القادمة، تعالي إلى أماكن كهذه برفقة أخيك.”
و حين زاد إيغان الطين بلّة بتعامله معها كطفلة، أطلقت تذمّرًا خافتًا.
“غدًا، سيُقام الحفل الأول للظهور الاجتماعي في قاعة غرين ليف، أليس كذلك؟”
“نعم.”
“إذًا ستأتيان أنتما أيضًا؟”
“أونيكس سيذهب لإلقاء خطاب تهنئة.”
“و أنتَ أيضًا عليكَ الحضور. السيّدة بيركشير تنتظر بفارغ الصبر لترى إن كان مقعد زوجة الفيكونت سيُملأ هذا العام.”
“أنا أقضي ليلي و نهاري في العمل بسبب وليّ عهدٍ سيّئ الحظّ، فكيف لي أن أملأ هذا المقعد؟ على أيّ حال….”
مال إيغان بجسده نحو سيسيليا بعد أن تبادل مع أونيكس مزاحًا خفيفًا.
“أخيرًا، غدًا هو يوم ظهور سيسيليا خاصتنا في المجتمع، أليس كذلك؟”
“السير إيغان بيركشير، يبدو أنّك مطّلع جدًّا على مواعيد ظهور النبيلات هذه الأيّام. هل أنتَ متفرّغ إلى هذا الحدّ؟”
عندها فقط ارتسمت ابتسامة صافية على وجه سيسيليا، و قد أدركت مقصده.
“أونيكس، ستكون شريكي في الرقصة الأولى، أليس كذلك؟”
كانت سيسيليا تُطأطئ رأسها خجلًا ردًّا على كلام إيغان، لكنها فتحت فمها كما لو أنها كانت تنتظر هذه اللحظة.
“لستُ متأكّدًا. أنوي إلقاء الخطاب فقط ثمّ المغادرة.”
عاد العبوس إلى شفتيها، و أمسكت بطرف كمّه و هي تشدّه.
“الصحف ممتلئة بأخبار رفض طلب الزواج الإمبراطوري في العاصمة. إذًا… لن تقدم على خطوبة، صحيح؟”
“كفى يا سيسيليا.”
هنا انتهى تساهل أونيكس مع تذمّرها.
أخفض صوته كما لو كان يوبّخ طفلًا صغيرًا.
كان مجرّد انتظار شخصٍ في الطريق أمرًا لا تغفره سيسيليا لنفسها.
و مع ذلك، فإن السّبب الوحيد لقدومها إلى هنا كان الرقصة الأولى في حفل ظهورها غدًا. لكن حين رأت أونيكس لا يسمح لها حتّى بكلمة واحدة، اشتدّت قبضتها على كمّه.
“لماذا؟”
و كأن المشاعر التي كتمتها طويلًا قد انفجرت، حدّقت سيسيليا في أونيكس مباشرةً و هي تردّ عليه بطريقة لم تفعلها من قبل.
“هل تدفعني بعيدًا بسبب أخي فيدريكو؟ لطالما قلتَ إنّك تراني كأخت صغرى ، لكنّني لا أشارك سموّك قطرة دم واحدة. و حتّى لو كنّا من الدم نفسه، فالإمبراطوريّة تسمح بالزواج بين أبناء العمومة، فلماذا تعاملني بهذه القسوة؟”
“أنا أحبّكِ كثيرًا. لكن ليس حبّ رجلٍ لامرأة. عليكِ أن تجدي ‘رجلًا’ يحبّـكِ”
انتقل نظر أونيكس و هو ينزل الدرج إلى إيغان.
“أليس كذلك، إيغان؟”
“أونيكس، الزواج الإمبراطوري يقوم على الواجب أكثر من الحب…”
شدّت سيسيليا كـمّ ايغان الذي وقف في صفّها. كانت تعلم أنه إن أكمل كلامه فسيصبح موقفها أكثر إثارةً للشفقة.
بما أنه واجبٌ إمبراطوري، فليتزوّجها و ليجعلها ولية العهد حتى بلا حب.
حتّى سيسيليا، التي كانت تظن أن مجرد مقعدٍ بجانبه يكفيها، لم تكن لتقبل ذلك.
كانت تعتقد أنّها ستعتاد على رفضه مع مرور السنين، لكن مشاعرها كانت تشتدّ كلّما تقدّم بها العمر.
‘ماذا لو ظلّ يراني حتى النهاية مجرد أختٍ لفيدريكو، الطفلة سيسيل لا غير؟’
حين راودتها هذه الفكرة، ازدحم قلبها بالمشاعر، ففتحت سيسيليا فمها بعبوس.
“سموّك، من غير الممكن أن تكون قد وضعتَ آنسة عائلة لوفاين تلك نصب عينيكَ، أليس كذلك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 7"