سواء رمـت نردًا أو حجرًا، كان على مينويت أن تجذب انتباه ذلك الرجل المثاليّ بأيّ وسيلة.
“نعم؟”
تجمّد النادل في مكانه و هو ينظر بعينين مستديرتين إلى آنسةٍ نبيلة تطلب منه طلبًا غير معقول.
“هل… طلبتِ أن أُرسل الشاي؟”
“……ألا يجوز فعل ذلك؟”
كانت ترتدي فستانًا حريريًّا باهظ الثمن لا يخفى على أحد.
و على أقلّ تقدير، هي آنسة من عائلةٍ نبيلة مركزيّة.
زفر النادل تنهيدةً عند إدراكه ذلك.
كان النبلاء في الأصل أشخاصًا متقلّبين و غير واقعيّين إلى هذا الحدّ.
إن أرادوا، فلن يكتفوا بإيصال الشاي، بل سيجعلونه يسبح داخله أيضًا.
تذكّر النادل وجوه إخوته الأكبر الذين اضطرّوا لمغادرة المقهى بعد أن تعرّضوا لتصيّدٍ عبثيّ من النبلاء.
“يمكن ذلك…….”
* * *
أُلقي النرد.
الشعور بالإحراج سيدوم للحظة، أمّا الحصول على الرجل الوسيم فسيدوم إلى الأبد.
أليس كذلك…؟
أغمضت مينويت عينيها بإحكام و هي تفكّر أنّها ارتكبت تصرّفًا جنونيًّا.
و حين فتحت عينيها قليلًا، التقت نظرتها برجلين ينظران إليها بدهشة و هما يتلقّيان الشاي من النادل.
ما إن التقت نظراتهم، حتّى ابتسمت مينويت تلقائيًّا بإشراق، و اعترفت بسلاسة أنّها مَنٔ أرسلت الشاي.
قميصٌ مفتوح عند الزرّ العلويّ، و بشرةٌ بيضاء تنساب تحته، أمّا الوجه_____
يا إلهي!
أطلقت مينويت صرخة انتصارٍ داخليّة و هي تتأمّل ملامحه بابتسامة.
كان سبب فعلتها المجنونة قبل قليل ذلك الوجه الوسيم.
كان منطقًا لا تشوبه شائبة.
و بينما كانت تتخلّص من خجلها و ترتفع وجنتاها بلا حدود، نهض الرجل عابسًا و تقدّم نحوها.
‘إنّه يقترب’
كان يقترب___
وحين رأت مينويت الرجل يقترب منها، أبعدت على عجل فنجان الشاي عن الطاولة ، راجيةً أن يعكس مفرش الطاولة الأبيض أشعّة الشمس و يؤدّي دور العاكس عليها.
“مرحبًا.”
وقف الرجل الأنيق ببدلته المرتّبة أمام طاولتها، و هو يحمل صحيفةً بكلتا يديه.
كلّما اقترب، ازدادت وسامته عمقًا، فشعرت مينويت بالرضا عن نفسها لأنّها رمت النرد، و قامت بتحيّته بابتسامةٍ خجولة.
“يبدو أنّكِ أرسلتِ الشاي إلى طاولتي.”
تساءل أونيكس، و قد بادر بالكلام، عمّا دفع الفتاة التي كانت سبب نشر مقالات الرفض عنه في مختلف الصحف إلى أن تُعرّف بنفسها أوّلًا.
“آمل ألّا يكون الشاي قد سبّب إزعاجًا.”
“إزعاج؟ آنسة لا تتردّد في ارتكاب ما هو أكثر إزعاجًا من ذلك.”
تحدّث أونيكس إلى مينويت و هو يسير بخيطٍ رفيع بين الأدب و التهكّم.
شعرت مينويت أنّ الخطأ ربّما في كونها آنسةً نبيلة بادرت بالكلام، فسارعت إلى فتح فمها.
“أنا…. أردت فقط أن أبني علاقة تعارف…..”
“تعارف؟ يبدو أنّكِ تشعرين بالراحة للعطاء أكثر من الأخذ.”
العطاء؟ نعم، إلى حدّ ما____
لم تفهم مينويت تمامًا ما قصده أونيكس، لكنّها أومأت كاشفةً عن ذوقها بلا تكلّف.
“و تفضّلين اللقاءات الخاصّة كهذه على اللقاءات الرسميّة؟”
“نعم؟ ما… ماذا تقصد…!”
عندها فقط انتقلت نظرة مينويت من وجهه إلى الصحيفة التي يمسكها.
و عندما رأت فيها رسمًا لوجهها، شهقت و انتزعت الصحيفة من يده.
“يا إلهي! من أين حصلت على هذه الصحيفة؟”
ظلّ أونيكس ينظر طويلًا إلى ظهر الآنسة التي فرّت هاربةً من المقهى و هي تمسك الصحيفة، و معها خادمتان تجمعان الأغراض في ارتباك.
“ما هذا بحقّ الجحيم؟”
ما الذي يفسّر هذا التصرّف الغريب؟ أن ترفض طلب الزواج ثم تُرسل شايًا إليه في المقهى؟
“ماذا؟ إنّه تمرّد بسيط من آنسة نهضت للتوّ من فراش المرض.”
قال إيغان ضاحكًا و هو يقترب، بعد أن راقب مينويت و أونيكس بسرور.
لفّ إيغان اندفاع المرأة الأحمق بعباءة تسامحه و سمّاه تمرّدًا.
“لا بدّ أنّها كانت تشعر بمللٍ شديد بعد أن كانت تعاني من المرض لوقتٍ طويل.”
كان المقهى استراحةً نادرة بعد اجتماعٍ طويل امتدّ حتّى تجاوز وقت الغداء.
و بعد نقاش مرهق مع ثعالب عجائز قدموا من وراء البحر دون التنازل عن شبرٍ واحد، لم يتبقَّ سوى هذا الهدوء القليل، لتأتي آنسة و تفسده بهذا الشكل العبثيّ.
المرّة الأولى كانت عبر مقالٍ في الصحيفة.
و المرّة التالية بإرسال الشاي بنفسها.
“كنت أظنّني اعتدتُ تقلّبات الآنسات النبيلات، لكن بعد أن رأيتها بنفسي…… يبدو أنّ طريقي ما زال طويلًا.”
“يبدو أنّ الساحة الاجتماعيّة ازدادت حدّةً يومًا بعد يوم منذ غيابكَ.”
“……هاه، إنّ مستقبل الإمبراطوريّة مقلق فعلًا.”
لم يستطع إيغان كبح ضحكته، فضحك بصوتٍ عالٍ و هو يُخرج صحيفةً جديدة من معطفه و يناولها لأونيكس.
<بيت كونت لوفاين يرفض العائلة الإمبراطوريّة تورمالين>
“لا تقلق. لهذا السبب اشتريتُ صحيفةً إضافيّة قبل قليل”
ربت إيغان على كتف أونيكس كتشجيع.
“انظر. حتّى هذا الرسم جميل جدًّا. مستقبل الفنّ في إمبراطوريّة بيسك ليس سيّئًا. و إن كان لا يرقى إلى جمال الآنسة لوفاين الحقيقيّ.”
“اصمت، إيغان بيركشير.”
“هيا، أليس كلامي صحيحًا؟ و الآن يمكنهم إضافة لقبٍ آخر بجانب هذا الرسم الجميل: الآنسة التي رفضت وليّ العهد وجهًا لوجه.”
“يا له من جنون.”
نظر أونيكس بعينين عاجزتين إلى الباب الذي خرجت منه الآنسة المجنونة.
و انساب مع الهواء عبير زهورٍ كثيف.
تحت ذلك العطر الحلو المفرط و ضوء الربيع اللطيف، اجتاح أونيكس ضيق مفاجئ.
إنّه عالمٌ مليء بالمجانين حقًّا.
هل لأنّ الربيع حلّ ، أصبح الجميع يرغب بتزيين رؤوسهم بالزهور؟
* * *
“آنستي، جلبتُ كلّ الصحف التي طلبتِها.”
دخلت لينا غرفة مينويت و هي تحمل كومةً كبيرة من الصحف.
“يا إلهي، لينا… كلّ هذا؟”
“أحضرتُ كلّ صحيفة ورد فيها حرف ‘لو’ من اسم لوفاين. بل في الواقع، كلّ الصحف المعروضة كانت تتحدّث عن بيت الكونت لوفاين.”
“يا إلهي. ماذا أفعل الآن…؟”
أطلقت مينويت صرخةً مكتومة و هي تنظر إلى الصحف بين ذراعي لينا.
اللعنة على الإعلام.
هل يُعقل أن تُدمَّر هذه الحياة أيضًا لأنّ وجهي انتشر هكذا؟
“صحيح. مع أنّكِ لم تُعلني الرفض رسميًّا. لماذا كلّ هذه الضجّة؟ و كيف عرفت الصحف بهذا الشكل السريع؟ إذا كان الأمر يخصّ النبلاء، فهم يكتبون حتّى عن لون ملابس أطفال الجيران. كأنّه لا عمل لهم غير ذلك.”
قالت لينا ذلك بلا اكتراث و هي تضع الصحف التي طلبتها الآنسـة، و قد عادت مينويت إلى القصر شاحبةً و مضطربة.
ففضائح الصحف لا تعيش طويلًا في الأوساط الاجتماعيّة، و هذا أمر يعرفه حتّى الأطفال، لذا كان ارتباك الآنسـة المفرط هو الغريب حقًّا.
فتحت مينويت صحيفةً كان رسم وجهها فيها هو الأكبر.
“لا بأس يا آنستي. هذه المقالات تُنسى بسرعة…حقًّا.”
“لكن لماذا وجهي أنا….؟”
ربّتت لينا على مينويت التي بدا وجهها على وشك البكاء، ثمّ نظرت إلى الصحيفة.
“صحيح. وجه آنستنا جميل جدًّا، كيف يرسمه هؤلاء الأوغاد بهذه الطريقة؟”
كما قال إيغان، لم يكن الرسم مطابقًا للحقيقة، لكن الصحف بذلت أقصى جهدها في تجميل وجه مينويت لأنّه مادّة رابحة.
مع ذلك، لم تكن لينا تشعر بالرضا، فوضعت يديها على خصرها و بالغت في غضبها.
“كان يجب أن يعرف أهل العاصمة كلّهم كم أن آنستنا جميلة، لكن أن يرسموها هكذا….”
“لا…… ليس هذا المقصود. لماذا أنا وحدي المرسومة هكذا؟ أين وجه وليّ العهد؟”
“يا إلهي، لو نُشر وجه سموّ وليّ العهد، لتمّ اعتقالهم جميعًا!”
مسحت لينا دموع الظلم من وجنتَي مينويت بإبهاميها.
“نشر وجوه أفراد العائلة الإمبراطوريّة—باستثناء الإمبراطور—محظور. مهما كانت الصحيفة قويّة، لا يمكنها خرق ذلك القانون. لذا لا مفرّ من نشر وجهكِ وحدكِ.”
ماذا؟
الاعتقال بسبب نشر وجوه العائلة الإمبراطوريّة…؟
ابتلعت مينويت دموعها بنظرةٍ غير مصدّقة، ثمّ نظرت إلى الصحف التي جلبتها لينا.
من النظرة الأولى، كانت أكثر من عشر نسخ.
واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة…….
هل يمكن حقًّا أن تُنسى كلّ هذه المقالات سريعًا؟
من مقالات عن إجراءات الزواج الإمبراطوريّ، إلى مقالات تهاجم مينويت و تعدّد عيوبها كمرشّحة لوليّة العهد، إلى مقالات تسرد تاريخ بيت لوفاين و تؤكّد أنّ الزواج تحصيل حاصل، وصولًا إلى رسومات النساء اللواتي أُشيع ارتباطهنّ بوليّ العهد.
“ما الخطأ الذي اقترفته لأستحقّ كلّ هذا؟ لينا، ماذا أفعل الآن حقًّا؟”
“آه، لا تقلقي يا آنستي. الناس ينسون هذا النوع من المقالات بسرعة. سيَنسون حتّى أنّ سموّ وليّ العهد قد رُفض. و ذلك عندما تتزوّجين أنتِ و سموّه.”
“ماذا؟”
“أعني، حين يحين وقت الزفاف، ستكون الصفحات الأولى كلّها مملوءة بأخبار أنّكِ وليّة العهد الشرعيّة و المناسبة.”
“يعني…… عند الزواج؟”
أنزلت لينا يدها التي كانت تربّت على ظهر الآنسـة، و بدأت تُرتّب الصحف المبعثرة بعناية.
في الآونة الأخيرة، ازدادت متاعبها بسبب غرابة أطوار الآنسـة، لكن التفكير في أنّها تعافت و ستتزوّج جعل صدرها يمتلئ دفئًا.
“هل هذا يعني…. أنه في النهاية، سيتوجّب عليّ أن أتزوّج من وليّ العهد الطفل ذاك؟”
قالت مينويت بتردّد و هي تراقب تعابير لينا.
“آنستي! هل هذا هو جوهر المشكلة؟”
اتّسعت عينا لينا وهي تضع يديها على خصرها بملامح مخيفة.
“بدل التفوّه بهذا الكلام الفارغ، اذهبي و تدرّبي على البيانو أكثر قليلًا!”
اختفت تمامًا صورة لينا التي كانت قبل قليل تُهدّئ مينوويت و تقول ‘آنستنا، آنستنا’.
“لكن……فكّري بالأمر. إمّا أن أتزوّج بهدوء من وليّ العهد الطفل، أو يُنشر اسمي بخطٍّ عريض و تُعصر حياتي في الصحف. عليّ أن أختار أحدهما، أليس كذلك؟”
“آنستي!”
ما العمل مع هذه الآنسة الجامحة؟
أغلقت لينا الباب بسرعة خشية أن ينحرف الحديث أكثر.
“هل عليّ أن أختار بين ألمٍ مؤقّت و ألمٍ يدوم مدى الحياة؟”
“آنستييي!”
تنهدت لينا بعمق ، ثمّ شبكت يديها كما لو كانت تصلّي على خشبة مسرح.
التعليقات لهذا الفصل " 6"