“لكن، هل يستحقّ رفض خطوبة كلّ هذه الضجّة في أرجاء الإمبراطوريّة؟ مهما كان الأمر متعلّقًا بوليّ العهد، فهي في النهاية آنسة من بيت الكونت. هذا قاسٍ قليلًا.”
تحرّر إيغان من قبضة أونيكس و ربّت على كتفه و هو يسأله.
“بفضل ‘الزيز الأزرق’ ، أليس كذلك؟”
“الزيز الأزرق؟ و لماذا يخرج اسمه هنا؟”
“لأنّ ذلك الوغد الذي يتاجر بالشائعات قرّر أن ينهش القصّة عن عمد ، فتبعته باقي الصحف.”
كان ‘الزيز الأزرق’ كاتبًا ظهر كنيزكٍ في الأوساط الاجتماعيّة قبل بضع سنوات.
كتب عن خفايا النبلاء التي لم يستطع حتّى عشّاق الفضائح كشفها، فحظي بشعبيّةٍ هائلة بين السيّدات.
وبفضل تلك الشعبيّة، أسّس بنفسه صحيفة <سيكيدا> و بدأ ينهب جيوب النبلاء بجدّيّة.
كانوا يلعنون رداءة مقالاته، لكنّهم يطمئنّون إن لم تَرِد أسماؤهم، و يُزهِر حديثهم أيّامًا إن وردت فضائح غيرهم.
حتى عُـدّت سرعة معرفة الأخبار و بناء العلاقات مع الصحفيّين مهارةً من مهارات السيّدات النبيلات.
وسط هؤلاء، كان الزيز الأزرق نجم الظلّ، يُفجّر بشكلٍ حصري أخبارًا سريّة تلوى الأخرى.
سعى خدم البيوت النبيلة جاهدين لكشف هويّته إرضاءً لأسيادهم، لكنّ مكانته لم تزد إلّا ارتفاعًا مع بقاء هويّته مجهولة.
تردّدت شائعات لا تُصدّق حول كونه : خادما يتولّى كتب القصر، أو احتمال كونه تاجرًا يجوب البلدان.
“هل هذه المرأة هي فريسة الزيز الأزرق هذه المرّة؟”
إن تزوّجها، فالمقال سيُعـدّ مجرّد فضيحة عابرة.
و إن لم يتزوّجها، فهي امرأة لا شأن له بها.
كانت هذه مكانتها لدى أونيكس.
لم يهتمّ بما قد تنشره الصحف عنها، لكن كون الخصم هو الزيز الأزرق تحديدًا جعله يشعر بشيءٍ من الشفقة تجاهها.
“من غير المعقول أن يحمل الزيز الأزرق ضغينة شخصيّة. إنّه فقط يُشبع حقّ النبلاء في المعرفة.”
أغلق إيغان الجريدة و استدعى النادل بعدما شعر بانزعاج أونيكس.
و ما إن رتّب ملبسه حتّى عاد إلى كونه نائبًا في المجلس و وريثًا وحيدًا لبيت بيركشدير، إيغان بيركشير.
ابتعد الاثنان عن موضوع الشائعات، و تحادثا بصفتهما وليّ العهد و نائبًا، عن مالية الإمبراطوريّة و تغيّرات العالم، لينتهي الحديث—كعادته—بالثورة الصناعيّة للأحجار السحريّة التي كرّسا لها جهدهما.
“لو أنّ تأثير الزيز الأزرق بهذه الضخامة، لكان جميلًا لو كتب قليلًا عن جهود سموّ وليّ العهد في الثورة الصناعيّة.”
“لا حاجة لي لمثل هذه المقالات.”
قال أونيكس ببرود، فتنفّس إيغان بضيق.
“الرأي العامّ مهمّ جدًّا. إن تحدثت الصحف، فسيُظهر المجلس مزيدًا من الدعم لك.”
“المجلس يمكن كسبه دون صحف، لكنّي أتمنّى لو أن أولئك المصرفيّين العجائز الماكرين يصبحون أكثر ليونة.”
“حتّى أولئك لا يستطيعون تجاهل الرأي العامّ.”
حين انتهى الحديث الثقيل، التقط أونيكس الأوراق أمامه بلا اكتراث.
“لا أرى سيسيليا اليوم.”
كانت سيسيليا تسبقه دومًا إلى المكان كلّما خرج من القصر.
“أنتَ تعرف السّبب جيّدًا.”
“هل الآنسة بلينتشيد غاضبة بسبب زواجي؟”
“بالطبع. كان يمكنكَ إخبارها مسبقًا.”
“إخبارها؟ و هل عليّ فعل ذلك أصلًا؟”
قال أونيكس بلا مبالاة و هو يرفع فنجان الشاي.
“الزواج الملكي ليس لعبة. لستُ مُلزمًا بمجاراة شخصٍ يعزف وحده.”
“سيسيليا أخـت بيدريكو.”
“نعم. سيسيليا بلينتشيد، أخت بيدريكو بلينتشيد. تسامحتُ معها فقط لأنّها من عائلة بلينتشيد.”
“لو كان الأمر كذلك، فلماذا لم تُكمله إلى النهاية؟ أنتَ ترى الزواج مجرّد واجبٍ على وليّ العهد. ألم يكن بإمكانكَ منحها ذلكَ المكان؟”
وضع أونيكس فنجانه نصف الفارغ بنظرةٍ لا تُصدّق.
سيسيليا. سيسيليا. سيسيليا.
لا خلاف على أنّ الزواج واجب، لكنّه لم يستطع مجاراة إيغان في تأييده لسيسيليا دون قيد.
“إن كان الزواج واجبًا، فمن الطبيعيّ أن أختار المرأة التي تعود عليّ بأكبر فائدة. ماذا ستمنحني عائلة بلينتشيد التي لا تبرع إلّا داخل إمبراطوريّة بيسك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 5"