5 - ذلكَ الرّجل
“ليس المطلوب أن تتزوّجي فورًا يا مينويت، ماذا لو بدأنا بالخطوبة أوّلًا ثمّ نفكّر في الأمر على مهل؟”
خشيت الكونتيسة لوفاين أن يُغمى على مينويت، فحاولت تهدأتها بحذر.
“هل يُثقل عليكِ أن تُصبحي فردًا من العائلة الإمبراطوريّة؟”
لم تكن مينويت تجهل أنّ الكونت يحاول تهدئتها بنهجٍ أكثر عقلانيّة.
المشكلة ليست في العائلة الإمبراطوريّة.
وضعت مينويت حلوى بنكهة الليمون كانت على الطاولة في فمها، و أطلقت زفرةً صغيرة.
و على المقعد المجاور، كانت هناك قطعتان من الخزف المغلّف بعناية، تُجالسانها بدلًا من ليليان.
كانتا قطعتيّ خزف أزرقَ اللون اشترتهما من متجر التحف الفاخرة، بينما كانت ليليان تكتسح فساتين متجر الأزياء.
بدتا مثاليتين لوضعهما على الطاولة الجانبيّة بجانب السرير.
يا له من مرض مهنيٍّ لعين.
خلال فترة حبسها في الغرفة، لم يُعذّب مينويت سوى أمرٍ واحد.
لم تكن أسئلة لينا المُلحّة لاسترجاع الذكريات، و لا دروس الآداب اليوميّة.
بل عدم انسجام لون الفراش مع لون الطاولة الجانبيّة.
كان ذلك أكثر ما أرهق مينويت.
‘هل ذوق بيوت الأثرياء لا يُناسبني؟’
من البديهيّ أنّهم في قصر كونتٍ فخمٍ كهذا سيُحسنون التنسيق.
حاولت مينويت كبت انزعاجها، معتبرةً أنّ تنافر ألوان الطاولة و الفراش ليس خطأ قصر الكونت، بل مشكلتها هي.
لا بدّ أنّ حواسّها خمدت لأنّها لم تعمل منذُ قدومها إلى هنا.
و مع ذلك، لم تستطع التحمّل في النهاية، فاشترت شيئًا يُخفي لون الطاولة عن الستائر.
“اشتريتُ خزفًا لأُغطي لون الطاولة، لكن…… هل كان عليّ أن أطلب تفصيل لحافٍ جديد بدلًا من ذلك؟”
كانت مينويت تُقارن بعنفٍ في رأسها بين اللحاف و الخزف داخل متجر التحف، و في النهاية خرجت حاملةً الخزف.
كانت ترغب بشراء الاثنين معًا، لكن—
رغمَ أنّها سكنت جسدها، شعرت بالذنب من استنزاف ثروة صاحبة الجسد كما يحلو لها.
“لا، هذا الخزف بحدّ ذاته كان إسرافًا.”
انبهرت بجماله فضمّته بين ذراعيها بلا تفكير، مع أنّها لم تكن تملك مالًا.
بل لم تكن تعرف أصلًا كيف يبدو مال هذا العالم.
أهو عملات أم أوراق؟
أم عليها أن تُحضر مكيالًا من الأرزّ لتُقايض به؟
“يا آنسة، سيأتي خدم العائلة لدفع التكاليف، فلا تقلقي.”
لاحظ صاحب المتجر تردّد مينويت و هي تحمل الخزف بكلتا يديها، فأدرك أنّها تلك الآنسة التي انتهت أخيرًا من مرضها الطويل.
أن تكون آنسة بهذه الرقة قد عانت مرضًا طويلًا—
تحرّك قلبه بشفقة، و شغف تجاريّ يخبره إنّ بيت لوفاين قادر على شراء عشرة أمثال هذا الخزف.
تردّد صاحب المتجر لحظة، ثمّ صحّح موقفه و ودّع الآنسـة الجميلة بابتسامة.
“لكنّه خزف جميل فعلًا.”
وضعت مينويت الخزف على الطاولة بلا وعي، و راحت تُديره هنا و هناك.
و في تلك اللحظة، دخل رجلان إلى المقهى.
رأت مينويت الرجل من خلف الخزف ، ففزعت و كادت تُسقطه من يدها.
شعرت بيقينٍ أعظم من ذاك الذي شعرت به عندما اختارت هذا الخزف الذي بدا و كأنّ عدم شرائه يعني الموت.
إنّـه هـو.
الرجل الذي أريد أن أرتبط به.
ليس صبيًّا يحمل الحلوى.
بل رجـلٌ حقيقيّ.
* * *
“ألن تُبعد تلك الجريدة؟”
تجعّد ما بين حاجبيّ أونيكس بامتعاض وهو يرى إيغان يدخل المقهى حاملًا الجريدة المثيرة للمشاكل.
“صاحب السموّ وليّ العهد، ألا ترى ذلك الصبيّ الصغير الذي يبيع الجرائد بشقّ الأنفس؟ كيف تقود إمبراطوريّة بيسك و أنتَ بهذه اللامبالاة تجاه معيشة الناس؟”
مسح أونيكس شعره و هو ينظر إلى إيغان الذي يستخدم الألقاب الرسميّة على سبيل المزاح.
كان تعبيره يقول: أرني إلى أيّ حدّ ستتمادى.
“أنا لا أشتري هذه الجرائد للتسلية.”
ذلكَ الرجل الذي لم يكن يلتفت أصلًا لصحف تنبش خصوصيّات النبلاء.
كان الأمر يبدو ممتعًا.
بل ممتعًا جدًّا.
“لم أنم جيّدًا منذ فترة بسبب ملاحقتي لك، و كانت حياتي قاسية، لكن يبدو أنّ الملل لن يقتلني بعد الآن”
قال إيغان ذلك و هو يبتسم، ثمّ فتح الجريدة و أخذ يُشير إلى السطور واحدة تلوى الأخرى و هو يبالغ في هزّ رأسه.
“نعم، نعم. من الطبيعيّ أن يحزن سموّ وليّ العهد إن لم يتلقَّ ردًّا إيجابيًّا من خطيبته حتّى لو كان زواجًا سياسيًّا. أتفهّم شعوركَ مئة مرّة.”
هاه؟
حدّق أونيكس في إيغان بنظرةٍ مذهولة و هو يُبالغ في الإيماء.
“يا إلهي، تسك تسك تسك. يقال إنّ آنسة عائلة الكونت حملت صورتكَ بنفسها و خرجت بها من المنزل؟ إلى الشارع؟ و شخصيًّا؟”
“كُـفّ عن هذا.”
أمسك أونيكس بياقة عنقه و هو غير مصدّق.
“آه؟ هل نُضيف شائعة أنّ وليّ العهد أمسك بنائبٍ من المجلس من ياقة قميصه في وضح النهار وسط المدينة؟”
“على أيّ حال، يبدو أنّ الشخص الوحيد الذي يعرف وجه وليّ العهد هنا هو أنتَ، فربّما يكفي أن أُزيلكَ من المكان.”
أمسك أونيكس بياقته بنظرةٍ مليئة بالمزاح المتقمّص كنيّة قتل.
“لكن، هل يستحقّ رفض خطوبة كلّ هذه الضجّة في أرجاء الإمبراطوريّة؟ مهما كان الأمر متعلّقًا بوليّ العهد، فهي في النهاية آنسة من بيت الكونت. هذا قاسٍ قليلًا.”
تحرّر إيغان من قبضة أونيكس و ربّت على كتفه و هو يسأله.
“بفضل ‘الزيز الأزرق’ ، أليس كذلك؟”
“الزيز الأزرق؟ و لماذا يخرج اسمه هنا؟”
“لأنّ ذلك الوغد الذي يتاجر بالشائعات قرّر أن ينهش القصّة عن عمد ، فتبعته باقي الصحف.”
كان ‘الزيز الأزرق’ كاتبًا ظهر كنيزكٍ في الأوساط الاجتماعيّة قبل بضع سنوات.
كتب عن خفايا النبلاء التي لم يستطع حتّى عشّاق الفضائح كشفها، فحظي بشعبيّةٍ هائلة بين السيّدات.
وبفضل تلك الشعبيّة، أسّس بنفسه صحيفة <سيكيدا> و بدأ ينهب جيوب النبلاء بجدّيّة.
كانوا يلعنون رداءة مقالاته، لكنّهم يطمئنّون إن لم تَرِد أسماؤهم، و يُزهِر حديثهم أيّامًا إن وردت فضائح غيرهم.
حتى عُـدّت سرعة معرفة الأخبار و بناء العلاقات مع الصحفيّين مهارةً من مهارات السيّدات النبيلات.
وسط هؤلاء، كان الزيز الأزرق نجم الظلّ، يُفجّر بشكلٍ حصري أخبارًا سريّة تلوى الأخرى.
سعى خدم البيوت النبيلة جاهدين لكشف هويّته إرضاءً لأسيادهم، لكنّ مكانته لم تزد إلّا ارتفاعًا مع بقاء هويّته مجهولة.
تردّدت شائعات لا تُصدّق حول كونه : خادما يتولّى كتب القصر، أو احتمال كونه تاجرًا يجوب البلدان.
“هل هذه المرأة هي فريسة الزيز الأزرق هذه المرّة؟”
إن تزوّجها، فالمقال سيُعـدّ مجرّد فضيحة عابرة.
و إن لم يتزوّجها، فهي امرأة لا شأن له بها.
كانت هذه مكانتها لدى أونيكس.
لم يهتمّ بما قد تنشره الصحف عنها، لكن كون الخصم هو الزيز الأزرق تحديدًا جعله يشعر بشيءٍ من الشفقة تجاهها.
“من غير المعقول أن يحمل الزيز الأزرق ضغينة شخصيّة. إنّه فقط يُشبع حقّ النبلاء في المعرفة.”
أغلق إيغان الجريدة و استدعى النادل بعدما شعر بانزعاج أونيكس.
و ما إن رتّب ملبسه حتّى عاد إلى كونه نائبًا في المجلس و وريثًا وحيدًا لبيت بيركشدير، إيغان بيركشير.
ابتعد الاثنان عن موضوع الشائعات، و تحادثا بصفتهما وليّ العهد و نائبًا، عن مالية الإمبراطوريّة و تغيّرات العالم، لينتهي الحديث—كعادته—بالثورة الصناعيّة للأحجار السحريّة التي كرّسا لها جهدهما.
“لو أنّ تأثير الزيز الأزرق بهذه الضخامة، لكان جميلًا لو كتب قليلًا عن جهود سموّ وليّ العهد في الثورة الصناعيّة.”
“لا حاجة لي لمثل هذه المقالات.”
قال أونيكس ببرود، فتنفّس إيغان بضيق.
“الرأي العامّ مهمّ جدًّا. إن تحدثت الصحف، فسيُظهر المجلس مزيدًا من الدعم لك.”
“المجلس يمكن كسبه دون صحف، لكنّي أتمنّى لو أن أولئك المصرفيّين العجائز الماكرين يصبحون أكثر ليونة.”
“حتّى أولئك لا يستطيعون تجاهل الرأي العامّ.”
حين انتهى الحديث الثقيل، التقط أونيكس الأوراق أمامه بلا اكتراث.
“لا أرى سيسيليا اليوم.”
كانت سيسيليا تسبقه دومًا إلى المكان كلّما خرج من القصر.
“أنتَ تعرف السّبب جيّدًا.”
“هل الآنسة بلينتشيد غاضبة بسبب زواجي؟”
“بالطبع. كان يمكنكَ إخبارها مسبقًا.”
“إخبارها؟ و هل عليّ فعل ذلك أصلًا؟”
قال أونيكس بلا مبالاة و هو يرفع فنجان الشاي.
“الزواج الملكي ليس لعبة. لستُ مُلزمًا بمجاراة شخصٍ يعزف وحده.”
“سيسيليا أخـت بيدريكو.”
“نعم. سيسيليا بلينتشيد، أخت بيدريكو بلينتشيد. تسامحتُ معها فقط لأنّها من عائلة بلينتشيد.”
“لو كان الأمر كذلك، فلماذا لم تُكمله إلى النهاية؟ أنتَ ترى الزواج مجرّد واجبٍ على وليّ العهد. ألم يكن بإمكانكَ منحها ذلكَ المكان؟”
وضع أونيكس فنجانه نصف الفارغ بنظرةٍ لا تُصدّق.
سيسيليا. سيسيليا. سيسيليا.
لا خلاف على أنّ الزواج واجب، لكنّه لم يستطع مجاراة إيغان في تأييده لسيسيليا دون قيد.
“إن كان الزواج واجبًا، فمن الطبيعيّ أن أختار المرأة التي تعود عليّ بأكبر فائدة. ماذا ستمنحني عائلة بلينتشيد التي لا تبرع إلّا داخل إمبراطوريّة بيسك؟”
“مع ذلك، الاهتمام بها ليس صعبًا.”
“أرى أنّ اهتمامكَ وحدك بها كافٍ.”
أطبق إيغان فمه، مُطلقًا زفرةً منخفضة تخفي ابتسامة، أمام برود أونيكس.
“نعتذر، يا سيّدي.”
تسلّل صوت النادل بحذرٍ إليهما بينما كانا يهمّان بالمغادرة إلى بنك أنالفي، موقع الاجتماع التالي.
“يا سيّدي، تلك الآنسة هناك.… أرسلت هذا الشاي إليكما. هل تسمحان بوضعه على الطاولة؟”
كان النادل يتلعثم و ينظر خلفه بخجل، و كأنّه سيبكي إن لم يأذن أونيكس.
رأى إيغان ذلك، و تخيّل أنّه لو عرف أنّ أونيكس هو وليّ العهد لبلّل سرواله رعبًا، فأسرع و أخذ الصينية.
مَنٔ سيجرؤ على إرسال شايٍ إلى وليّ العهد؟
التفت أونيكس إلى حيث يلمح النادل، فرأى امرأةً تبتسم ببراءة، غير آبهةٍ بخطر اتهامها بمحاولة تسميم وليّ العهد.
“ما هذا؟”
تعرّف إيغان عليها، و أشار إلى الرسم المرافق في الجريدة على الطاولة.
كان التشابه مذهلًا، إلى درجة أنه لو حضر أستاذ الأكاديميّة الملكيّة للفنون لبكى.
باستثناء أمرٍ واحد.
أنّ الرسم عجز عن نقل جمالها الحقيقيّ كاملًا.
Chapters
Comments
- 5 - ذلكَ الرّجل منذ 5 ساعات
- 4 - رفض الاقتراح منذ 5 ساعات
- 3 - وليّ العهد + الزواج = دخل بلا مقابل؟ منذ 5 ساعات
- 2 - مقال اليوم منذ 5 ساعات
- 1 - الآنسة النبيلة المجنونة منذ 5 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 5"