3 - وليّ العهد + الزواج = دخل بلا مقابل؟
“ليليان، إنّكِ جميلةٌ حقًّا.”
نظرت الكونتيسة لوفاين إلى ليليان بنظرةٍ مفعمةٍ بالإعجاب.
الفستان الأبيض الذي قيل إنّه صُمِّم خصيصًا من أجل حفل ظهور ليليان الاجتماعي جعل بشرتها تبدو أكثر إشراقًا.
كان الصندوق الذي أحضره رجل يُدعى روبرت ممتلئًا بالفساتين و الإكسسوارات، و كأنّه نقل خزانة سيّدةٍ نبيلة بأكملها.
‘لا عجب أنّها كانت في غاية الحماس.’
خلال الوقت الذي أُعيد فيه ملء فنجان الشاي الفارغ مرّتين أو ثلاثًا، كانت معظم الملابس داخل الصندوق قد انتقلت إلى جهة ليليان.
و بغضّ النظر عن إرادة مينويت، تكدّست خلفها أيضًا الفساتين و القبّعات، و عُلّقت واحدةً تلو الأخرى على الحامل.
كانت فساتين مختارة من طرف الكونتيسة لوفاين، مع قبّعات مناسبة لها، و حقائب كانت تبدو و كأنّه أنّ التركيز فيها على الزينة أكثر من التخزين.
يا له من تسوّقٍ سهل إلى هذا الحدّ.
“مينويت، اختاري لكِ واحدةً أنتِ أيضًا.”
شجّعتها الكونتيسة و كأنّها لا ترى كومة الفساتين المتراكمة خلف ظهر مينويت.
جواهر جميلة تمتدّ أمام ناظريها، و والدان حنونان، و قصرٌ رائع.
أومأت مينويت برأسها.
آه، إذًا هذه مكافأة حياتي السابقة.
يبدو أنّني أُسنِدتُ إلى فريقٍ رائعٍ حقًّا!
لا، ليس فريقًا… بل عائلة.
سأجتهد أكثر في العمل… لا، في العيش!
* * *
الزواج ليس سوى واجب.
كان هذا هو الاستنتاج الذي توصّل إليه أونيكس أثناء الاستحمام لإزالة آثار السّكر.
حتى قبل بضع سنوات فقط، كان أونيكس مجرّد دوقٍ أكبر يقيم في القصر الإمبراطوري لأنّه من السلالة الإمبراطوريّة.
حين اعتلى والده، الذي كان يعيش بهدوء بوصفه شقيق الإمبراطور، العرش فجأة بعد الوفاة المفاجئة لعمّـه الإمبراطور، كان يتوقّع مسألة الزواج السياسي و ما شابهها.
تلقّى دروسًا في الآداب تحذّره من العبث حفاظًا على عدم تكاثر دماء العائلة الإمبراطوريّة بلا ضوابط، و سمع مرارًا و تكرارًا عن معنى الزواج.
ليس حبًّا بين رجل و امرأة، بل تشكيل القوى التي ستدعم الإمبراطوريّة، أو علاقات مع جماعات نافعة.
هذا هو معنى الزواج الذي تعلّمه أونيكس.
‘يا تُرى، مَنٔ هذه المرأة العظيمة التي ظهرت؟’
كان أونيكس آخر حصنٍ متداعٍ للأسرة الإمبراطوريّة.
لن يزوّجه حتى يظهر زواجٌ داعم يعيد للأسرة مجدها.
كان هذا اعتقاد والده الإمبراطور الراسخ.
و قد ظهر زواج مغرٍ بما يكفي لزعزعة هذا القرار.
‘أن يصبح وليّ العهد أعلى سلعة في سوق الزواج…’
شعر بالاشمئزاز من المعاملة التي كان من المفترض أن يعتاد عليها.
“سموّكَ، جلالة الإمبراطور في انتظاركَ.”
جذب صوت الخادم دوكوس نظر أونيكس الغارق في أفكاره.
و في الجهة التي توجّه إليها الصوت، وقف رجلٌ يشبه أونيكس على نحوٍ لافت.
و لو اضطرّ للعثور على اختلاف، فلن يكون سوى أنّ شعره بنيّ فاتح بدلًا من الأسود الداكن.
كلّما رأى أونيكس ذلكَ الشعر، كان يتعاطف مع والده الذي تمّ التشكيك في نسبه الإمبراطوري في طفولته لأنّ شعره لم يكن أسود داكنًا، رمز العائلة الحاكمة ترومالين.
و كان أمرًا مريرًا أيضًا أن سبب اختيار والده وريثًا للعرش بعد الإمبراطور داميان الذي لم يكن له أبناء، لم يكن بسببِ كفاءة والده، بل بسببِ وجوده هو، صاحب الشعر الأسود الذي يصلح وريثًا شرعيًّا.
“أحيّي جلالة الإمبراطور.”
و على عكس نبرته الجافّة الملتزمة بالآداب، كانت خصلات شعره الأسود المموّجة المبتلّة تعكس ضوء شمس الصباح المتلألئ.
“أونيكس، لقد تقرّر شريكة زواجكَ.”
الزواج؟
ارتفع أحد حاجبيّ أونيكس لا إراديًّا.
وفي تلك اللحظة، وقعت عيناه مجدّدًا على الصحيفة المطويّة بإهمال قرب طبق الفاكهة.
“لن تتذمّر لأنّني اخترت شريكة زواجكَ دون أخذ رأيك، أليس كذلك؟”
“لا يمكن أن يكون ذلك.”
قطّب الإمبراطور حاجبيه و هو ينظر إلى حاجب أونيكس.
“يُقال إنّ الابنة الكبرى لعائلة لوفاين قد استعادت عافيتها بعد مرضٍ طويل.”
“حقًّا؟”
“إنّها عائلة لوفاين. لا بدّ أنّكَ تفهم دون شرح.”
عندما رأى أونيكس والده يذكر العائلة الواردة في الخبر الصحفي، فكّر أنّ عليه سحب كلامه السابق عن أنّ الصحفيّ كان عليه أن يكتب رواية بدلًا من الأخبار.
فالآن بعد أن فكّر بالأمر، حتّى تلك الحبكة لا بدّ أنّ مصدرها القصر الإمبراطوري.
ذلكَ الرجل بلا شكّ يفتقر إلى موهبة الإبداع.
“هل نشرتَ الخبر في الصحيفة قبل أن تخبرني لأنكَ كنتَ تريد مفاجأتي؟ لقد تصدّر الصفحة الأولى بشكلٍ لافت.”
“هذا النوع من الأخبار يُباع بأعلى سعر.”
يا ترى، إلى أيّ حدٍّ ساءت أوضاع الخزينة الإمبراطوريّة؟
لم يستطع سوى أن يضرب كفًّا وهميا في داخله بسخرية من والده الذي باع خبر زواج ابنه للصحف.
“هذا مطمئن. أن يساهم زواجي في دعم خزينة الإمبراطوريّة. هل سأطّلع على ما سيحدث في المستقبل من أحداث عبر الصحف أيضًا؟”
كان أونيكس منذُ ولادته فردًا من العائلة الإمبراطوريّة.
لذلك كان متراخيًا و متكبّرًا، و لكن دون تجاوز الحدّ الذي يثير الشائعات.
كما اعتاد، لفّ أونيكس استياءه بابتسامةٍ توشك أن تتجاوز الخطّ، و وجّهها إلى الإمبراطور.
و رغمَ وضوح مقصده، واصل الإمبراطور الحديث و كأنّه غير معنيّ.
“كما تعلم، فإنّ والدة تلك الفتاة، الكونتيسة لوفاين، هي أميرة من الإمبراطوريّة ترويزن، و خالها هو إمبراطور ترويزن، و بزواجكَ منها ستحصل على أسرة مصاهرة قويّة.”
امرأة والدتها أميرة ترويزن.
و خالها إمبراطور إمبراطوريّة ترويزن القويّة.
كان هذا الزواج ثمرة تفكيرٍ طويل من أبٍ لم يُعترف به كوريث شرعيّ طوال حياته، اختاره بعناية من أجل ابنه.
قد تكون الطريقة خاطئة، لكنّه أراد أن يوطّد السلطة الإمبراطوريّة بشَعرٍ أسود يثبت شرعيّة النسب، و بأسرة مصاهرة قويّة، على عكس ما عاشه هو.
“امبراطوريّة ترويزن…”
تمتم أونيكس و هو يمرّر يده في شعره المبتلّ.
و مهما ردّد أنّ هذا حـبّ الأب لابنه، كان يعرف الحقيقة.
إنّه يريد رهنه للاقتراض من إمبراطوريّة ترويزن بوصفها أسرة المصاهرة.
شعر أونيكس بغصّةٍ في حلقه و ضاق نَفَسه.
منذُ أن أصبح وليًّا للعهد، و هو يشعر و كأنّ قيدًا يلتفّ حول كاحله.
هذه المرّة، سأكون أنا الجاني إذًا.
سأضع القيد حول كاحل ابنة أسرة نبيلة.
“إذا دعمتنا إمبراطوريّة ترويزن أيضًا، فسيساهم ذلك في تسهيل خطّة استيراد الأحجار السحريّة و تحقيق الثورة الصناعيّة.”
“لقد أصبحتَ وليّ عهدٍ بحقّ الآن.”
“لأنّني وليّ العهد.”
ما إن أدرك أونيكس نوايا والده حتّى خلا صوته من العاطفة، و أصبح رتيبًا.
سخر في داخله من نفسه. فكيف يقلق بشأن قيود الآخرين بينما هو نفسه عاجز حتّى عن التخلّص من القيود حول كاحله؟
“حسنًا، إذًا دعني أسمع كيف تسير خطّة استيراد الأحجار السحريّة لوليّ عهد بيسك.”
حينها فقط، سحب أونيكس كرسيًّا إلى جوار الإمبراطور و جلس.
ما كان مخيفًا لم يكن والده، بل المال.
لا يمكن إحصاء عدد المشاريع التي أفشلها والده باسم الإمبراطور.
و بسببِ ذلك، كانت إمبراطوريّة بيسك سفينةً تغرق ببطء شديد.
هناك مَنْ يعرف هذه الحقيقة، أمّا مَنٔ لا يعرف فلا يمكنه أن يتخيّل أصلًا أنّ هذه السفينة ستغرق.
ذلك هو القيد الذي يقيّد أونيكس.
لا بدّ أن يكون المشروع كفيلًا بإنهاض بيسك.
و لا بدّ أن ينجح هذا المشروع بنجاحٍ مدوٍّ حتّى يتحطّم هذا القيد.
تحت ساقيّ أونيكس الطويلتين، لمع قيدٌ لا يراه أحد، و أشعل عزيمته.
* * *
“أبي، لذلك كان الياقوت البنفسجي الكبير هو الأجمل حقًّا، فاشتريته أيضًا. لقد أخبرتَ السيّد روبرت، أليس كذلك؟”
أرسلت ليليان ابتسامةً بعينيها نحو الكونت لوفاين بصوتٍ أكثر دلالًا.
كان صوتها، الذي ملأ جيوب السيّد روبرت بما يكفي لسنواتٍ قادمة، يبدو أكثر رضا من أيّ وقتٍ مضى.
“نعم، لا بدّ أنّه جميل جدًّا. و ماذا اخترتِ يا مينويت؟”
“أختي مينويت اختارت عقدًا من الياقوت الأحمر. أمّي هي التي اختارته بعد أن سمعت أنّه مفيد للصحّة.”
قاطعت ليليان الإجابة و هي تقطع شريحة اللحم و ظهرها مستقيم.
و بينما كانت الخادمات يرفعن أطباق العشاء الأخيرة و ينقلن الحلوى بنشاط، نظرت الكونتيسة لوفاين بحذر إلى زوجها.
“عزيزي… هل انتهيتَ من الحديث مع جلالة الإمبراطور بشأن ذلك الأمر؟”
تبادل الكونت نظرةً مع زوجته، ثمّ ظلّ ينظر إلى مينويت طويلًا.
“مينويت، لقد انتشر خبر تعافيك في أرجاء العاصمة.”
قال الكونت بصوتٍ ثقيل، كما لو أنّه اتّخذ قرارًا.
رفعت مينويت شوكتها عن فطيرة التفّاح و حدّقت فيه بصمت.
“قد يكون من المبكّر أن أقول هذا لكِ بعد نهوضكِ من فراش المرض، لكن… لقد وصلتكِ رسالة خطوبة.”
“عزيزي، ما الذي تقوله؟ أليس هذا مبكّرا؟ مينويت خاصّتنا لم تُقم حتّى حفل ظهورها. لقد تجاوزت سنّ الزواج منذ زمن!”
قالت الكونتيسة بإلحاحٍ بعدما خرجت الكلمات التي كانت تنتظرها، و هي تحدّق في فم زوجها.
مسحت ليليان فمها بالمنديل بعد أن أشارت للخادمة بإبعاد فطيرة التفّاح.
“رسالة خطوبة؟ زواج أختي؟”
خلال لحظاتٍ قصيرة، أعادت مينويت ترتيب الموقف في ذهنها بعنف.
الزواج؟
نعم ، هكذا تسير الأمور دائمًا عندما تدخل جسد شخصٍ آخر.
وضعت مينويت فطيرة التفّاح في فمها و تقبّلت التطوّر المنطقي بسرعة.
لكن… القصر الإمبراطوري؟
كانت لينا تسرد كلّ ليلة أسماء العائلات التي قد تناسب مينويت كزوج.
هذه العائلة مستحيلة ، و تلك مناسبة—
كانت لينا تبحث في أمر شركاء الزواج و كأنّها سيّدة البيت بالفعل.
حتّى لينا، التي نبشت كلّ بيوت النبلاء في العاصمة، لم تضع وليّ العهد على القائمة.
“زواج سياسي في هذا الزمن؟ القصر الإمبراطوري حقًّا متخلّف.”
تمتمت ليليان بسخط، لكنّ وجه الكونتيسة لوفاين بدا راضيًا جدًّا عن هذا الزواج.
“لقد كان جلالة الإمبراطور ينظر إلى مينويت نظرةً جميلة دائمًا…”
أمسك الكونت يد زوجته برفق، فاغرورقت عيناها بالدموع، و أضافت أنّها لن تندم حتّى لو ماتت الآن.
إذًا سأصبح إمبراطورة؟
ابتسمت مينويت عندما تخيّلت نفسها إمبراطورة.
وليّ العهد + الزواج = دخل بلا مقابل؟
و بهذا الجواب المثالي الذي توصّلت إليه، قالت مينويت بثقة:
“أمّي، أبي، لا تقلقا. سأريكما أنّني سأتزوّج و أعيش بسعادة.”
* * *
“ما كلّ هذا يا لينا؟”
سألت مينويت و هي تغادر الغرفة بعد أن رأت الزهور تملأ رواق الطابق الثاني.
“و ما عساه يكون يا آنستي؟”
نظرت لينا إلى الزهور بوجهٍ فخور.
“من هنا إلى هناك، كلّها زهور أُرسلت إلى الآنسة مينويت، التي ستصبح صاحبة السموّ وليّة العهد!”
“يا إلهي.”
“يبدو أنّ وليّ العهد كريم للغاية.”
لم تكن مينويت قد غادرت قصر لوفاين قطّ، لكنّها شعرت و كأنّها سرقت ربيع المدينة بأكمله، فانتابها شعورٌ بالذنب.
من أين جاء بكلّ هذا الكمّ من الزهور؟
دون أن تبالي بتساؤلات مينويت، امتلأ القصر بالزهور بلا نهاية.
و في اليوم التالي، صناديق هدايا.
ثمّ في اليوم الذي يليه، رسالة خطوبة.
و مع مرور كلّ يوم، بدأ قلب مينويت يضطرب شيئًا فشيئًا.
كانت ترى أنّ الافتتان بخطيبٍ لا تعرف وجهه أمرٌ غير معقول.
لكنّ الزهور و الهدايا ذات المقاييس الاستثنائيّة، و رسالة الخطوبة الرومانسيّة—
شعرت مينويت أنّها أصبحت متسامحة إلى حدّ أنّها ستغفر لوليّ العهد حتّى لو كان مليئًا بالجدري و أسنانُه بارزة.
في اليوم التالي، استيقظت مينويت باكرًا و انتظرت خادم القصر الإمبراطوري و هي تتساءل عمّا سيحمله هذه المرّة ليُدهشها.
دون أن تعلم أنّ الهدية القادمة ستكون <الصورة الشخصيّة> المثيرَة للمشاكل.
Chapters
Comments
- 5 - ذلكَ الرّجل منذ 7 ساعات
- 4 - رفض الاقتراح منذ 7 ساعات
- 3 - وليّ العهد + الزواج = دخل بلا مقابل؟ منذ 7 ساعات
- 2 - مقال اليوم منذ 7 ساعات
- 1 - الآنسة النبيلة المجنونة منذ 7 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 3"