2 - مقال اليوم
“أنا آسفة. لا أتذكّر شيئًا.”
مين يو آي، لا، بل مينويت.
قرّرت أن تبقى مستلقيةً على السرير أيّامًا عدّة في سبيل فهم الوضع.
حتى دون اختلاق الأعذار، كان كلّ مَنٔ يرى معصمها النحيل الذي يبدو و كأنّه سينكسر مع هبوب ريح يعتقد أنّ ذلك أمرٌ طبيعيّ.
متى كانت آخر مرّة نامت فيها بهذا الاسترخاء؟
كانت تذهب إلى العمل حتّى في عطلات نهاية الأسبوع استعدادًا لإطلاق العلامة التجاريّة.
طوال ما يقارب شهرين، كانت مينويت تكرّر كالببغاء أنّها لا تتذكّر شيئًا، لكنّ ذلك كان كافيًا.
فالطبيب، الذي اعتبر مجرّد استيقاظها معجزةً بحدّ ذاته، عزّز كلامها بقوله إنّ الذاكرة قد تختفي مؤقّتًا.
و الحقيقة أنّه لم يكن هناك شيءٌ واحد تستطيع تذكّره فعلًا.
جلست مينويت على السرير، تحدّق بلا تركيز إلى الخارج من النافذة، ثمّ مرّرت يدها في شعرها البلاتينيّ الطويل.
يقال إنّ الإنسان كائنٌ يتكيّف بسرعة، و لم يمضِ وقتٌ طويل حتّى اعتادت مينويت على السرير الواسع المبالغ فيه، و على لحاف الريش الذي بدا و كأنّه صُنع من ريش كلّ بطّ هذه المنطقة.
و مع ذلك، لم تستطع التكيّف أبدًا مع هذا الشعر الأشقر الغريب، فكانت تفزع كلّما وقعت خصلةٌ منه بين أصابعها.
أسبوع و هي تظنّ أنّه حلم.
و أسبوع آخر و هي تظنّ أنّه النعيم.
و بعد أن تاهت هكذا، تأكّدت أخيرًا أنّها دخلت جسد شخصٍ آخر، و أنّ عليها أن تعيش مستقبلًا بوصفها ذلك الشخص—
لا كـ مين يو آي التي عاشت ما يزيد على ثلاثين عامًا.
بل كـ مينويت لوفاين، آنسة عائلة الكونت.
لأيّامٍ عدّة، فكّرت في هذا الوضع بحدّةٍ تشبه تلقّي مشروعٍ مستحيل الحلّ.
لكن يو آي، بتفكيرها الإيجابيّ الخاصّ، قرّرت أن تعتبر الأمر إجازةً فحسب.
“لا أدري. فليكن ما يكون.”
وضعت يو آي التي أصبحت مينويت حبّة عنب في فمها.
و حين ملأ لحم العنب الحلو فمها، شعرت و كأنّ الأفكار المعقّدة قد تبخّرت دفعةً واحدة.
ارتداء الملابس الجميلة، و تناول الطعام اللذيذ، أليست هذه إجازة؟
سواء كان حلمًا أم إجازة، ما الفرق؟
المهمّ أن تنام على راحتها.
* * *
“عائلة الكونت لوفاين من أعرق العائلات، و تُعدّ ضمن أقوى خمس عائلات في الإمبراطوريّة. أمّا والد الآنسة، الكونت لوفاين، فهو……”
كانت لينا، ذات الشعر الأسود الداكن، تشفق على سيّدتها التي فقدت ذاكرتها.
و لهذا، كانت أثناء تمشيط شعرها صباحًا و مساءً تروي لها قصصًا قد تساعدها على استعادة ذكرياتها.
من تاريخ العائلة الرسميّ، إلى الخصوصيّات غير الرسميّة لخدم القصر.
أخبرتها لينا أنّ مينويت، التي تقدّس التقاليد، تكره بشدّة أيّ محاولات تجديد في الطعام.
‘هناك نكهةٌ عميقة ورثناها عن الأسلاف، و كلّ مَنٔ يعبث بالطعام يستحقّ العقاب.’
تحبّ الحياكة، و تكره شوكولاتة النعناع.
متشدّدة على نحوٍ لافت، و تولي آداب السيّدات أهميّةً قصوى.
ذلك بالضبط كان مينويت لوفاين، صاحبة الجسد الذي تجسدت فيه.
* * *
“لينا، كيف تتقنين تصفيف الشعر إلى هذا الحدّ؟”
بعد حديثها الغريب عن توقّف القلب، و استخدامها لغةً رسميّة تارةً و عاديّة تارةً أخرى، بدا أنّ سيّدتها غير المتّزنة بدأت تستعيد عافيتها شيئًا فشيئًا.
و اعتبرت لينا ذلكَ عزاءً مقارنةً بتلك الأيّام التي كانت فيها السيّدة تبتسم ابتسامةً باهتة و هي مستلقية على السرير بعينين دامعتين.
نعم. تلك الذاكرة الناقصة، يمكنني مساعدتها على استعادتها.
فلنكن سعيدين الآن على استعادة السيّدة لصحّتها.
عضّت لينا شفتها السفلى بإحكام.
و عاهدت نفسها أن تعتني بمينويت كما لو كانت أختها الصغرى، بل طفلتها أحيانًا.
“و أمّا الآنسة الصغرى ليليان……”
و مع صوت لينا الواثق، نقلت مينويت نظرها إلى المرآة.
لم يكن من الممكن التصديق أنّها كانت ضعيفة الجسد منذ الصغر، فوجهها كان يلمع بنضارةٍ خفيفة.
و حين تذكّرت بشرتها الباهتة أيّام السهر أمام الحاسوب، وصلت إلى خلاصة مفادها أنّ النوم علاجٌ أفضل من أيّ عيادة جلديّة.
و حين رأت لينا سيّدتها تتأمّل بشرتها بإعجاب، شعرت بالفخر.
فالجهد الذي بذلته في رعاية تلك البشرة البيضاء و الشعر اللامع بدأ يؤتي ثماره.
“انتشر خبر تعافي الآنسة في أرجاء الإمبراطوريّة. لا بدّ أنّ قلوب شباب العائلات العريقة بدأت تخفق.”
كانت لينا التي لم تكن تتمنّى سوى أن ترى وجنتيّ سيّدتها متورّدتين بالحياة، قد بدأت الآن تحلم بزفافها.
و كأنّها تتخيل نفسها و هي تلمس فستان زفاف مينويت ، أمسكت مئزرها الذي أخذ يتمايل بخفّة.
* * *
“سموّ وليّ العهد، حان وقت الاستيقاظ.”
حين سحب إيغان الستائر، انهمر ضوء الصباح على سرير المخمل الأخضر الداكن.
و كانت الخادمات الواقفات بعيدًا ينقبضن كلّ مرّة، إذ لم يعتدن هذا المشهد قطّ.
فالقيام بمثل هذا الفعل في الصباح يُعدّ وقاحةً صريحة.
و الشخص الوحيد القادر على ارتكاب هذه الوقاحة أمام وليّ العهد كان صديقه المقرّب، السير إيغان بيركشير.
كان من المبارك رؤية تفاعل شخصين وسيمين يبدوان و كأنهما حظيا بعنايةٍ مضاعفة، لكنّ الخادمات كنّ يرتعدن كلّما شهدن تصرّفات إيغان.
لحسن الحظّ، كان صبر أونيكس، الذي كبر على تربية ملكيّة مثاليّة، كبيرًا نسبيًّا.
“أيها المجنون.”
طبعًا، غالبًا ما يكون ذلكَ استثناءً.
نهض أونيكس من السرير و هو يتمتم بشتيمة.
رمق النافذة بعينين نصف مغمضتين، ثمّ أومأ برأسه نحو خادمةٍ كانت تقف بعيدًا.
و بنظرةٍ واحدة منه، انقبض قلب الخادمة الشابّة، فتقدّمت نحوه حاملةً صينيّة الإفطار.
كانت تختبر يوميًّا، عبر وليّ العهد، أنّ الفارق بين الخوف و العشق المرضيّ شعرة.
“مقال اليوم مسلٍّ على نحوٍ خاصّ، فجئت لأخبركَ بنفسي.”
“لا بدّ أنّهم اختلقوا هراءً جديدًا.”
“مَنٔ يدري؟ إن كان هراءً أم لا……”
تناول إيغان صحيفة الصباح الموضوعة على الصينيّة.
“انظر بنفسكَ، سموّك.”
مدّ أونيكس يده مطالبًا بالصحيفة، فتمايل شعره الأسود الغزير.
كان شعرًا داكنًا مائلًا إلى الزرقة، يذكّر بنمرٍ أسود، رمز العائلة الإمبراطوريّة ترومالين.
“يبدو أنّك فضوليّ.”
وضع إيغان فنجان الشاي الأخضر الذي يتصاعد بخارُه على يده بدلًا من الصحيفة.
“يبدو أنّكَ تتمادى اليوم أيها السيد بيركشير.”
“و هل أجرؤ أصلًا على ذلك مع وليّ العهد؟”
ابتسم إيغان بمرح، فأفسح المجال للخادمات للانسحاب.
تنفّس أونيكس ببطء، و قد بدا أنّ تأثير كحول الليلة الماضية لم يزل بعد.
“مع ذلك، كان اجتماع الأمس مثمرًا، أليس كذلك؟”
“و كيف أثق بأولئك الشيوخ الماكرين؟”
همهم إيغان موافقًا، ثمّ وضع الصحيفة أخيرًا على يد أونيكس.
<نسيمٌ ربيعيّ ورديّ يهبّ على العائلة الإمبراطوريّة ترومالين>
تصفّح أونيكس الصفحة الأولى المليئة بشعار القصر، حيث كُتبت قصّة حبٍّ مطوّلة بينه و بين امرأةٍ ما.
بدأ المقال بالحديث مباشرةً عن رسالة الزواج التي وصلت إلى أسرة الكونت.
و بعد أن ألقى نظرةً سريعة، أعاد الصحيفة إلى الصينيّة.
وليّ عهد يطّلع على خبر خطوبته من الصحف دونَ علمه.
“يا لهم من مبدعين فعلًا. هل سئموا الفضائح؟ هل غيروا الموضوع إلى زواج الآن؟ لو كتبوا رواية لكان ذلك أقلّ إهدارًا للورق. مثير للشفقة.”
و قد كُتب على المقال بخطٍّ عريض أنّه الجزء الأوّل من ملفّ خاصّ.
أبدى أونيكس إعجابًا ساخرًا بالصحفيّين الذين يبيعون القصر يومًا بعد يوم، و تساءل عمّا سيكتبونه غدًا.
فبحسب علمه، لا يوجد ما يكفي لجزءٍ ثانٍ أصلًا.
“أليس مثيرًا للاهتمام، سموّك؟”
“يبدو أنّ الهراء يعجبك.”
“و لِـمَ لا؟ هذه المرّة ليست فضيحةً رخيصة، بل زفاف إمبراطوريّ يتمناه الجميع.”
زفاف إمبراطوريّ؟ و أنا لا أعلم حتّى؟
حين كانت الصحف تتناول شائعاته مع آنسةٍ لا يكاد يتذكّر اسمها، كان الأمر لطيفًا على الأقلّ.
و بفضل القوانين التي تمنع نشر صور العائلة الإمبراطوريّة، كانت الشائعات التي لا تملك أي دليل رائجة.
و قد أذن لها بتسامحٍ ما دامت تُنعش الصحف و المجتمع الأرستقراطيّ.
لكن زفاف إمبراطوريّ؟ هذا تجاوز صارخ.
“هراء.”
“لكن صحيفة <برويفن> ليست صحيفة رخيصة. لا بدّ أنّ لديهم ما يستندون إليه.…”
“عن زواجي الذي لا أعلم عنه؟ و على ماذا يستندون بالضبط؟”
ابتسم أونيكس بخفّة، و التقط تفّاحةً و قضمها.
“لا متعة و لا تأثير. لقد خيّبتِ أملي يا برويفن.”
“لا تستخفّ بالأمر، اقرأه جيّدًا.”
لوّح إيغان بالصحيفة و هو يلاحقه.
“هل ستدخل الحمّام معي أيضًا؟ إن أردت، سأختلق فضيحةً تغطّي مقال الخطوبة.”
و مع إغلاق باب الحمّام الثقيل، تحوّل تذمّر إيغان إلى صوت ضحك.
* * *
‘تتحسّن حالتها بسرعةٍ لا تُصدّق.’
قال الطبيب ذلك و هو يزور مينويت باستمرار، لكن بسبب فرط حماية الكونتيسة، لم تخرج مينويت من غرفتها إلّا بعد شهرين.
“تمهّلي. انتبهي لقدميكِ.”
كما لو كانت طفلةً تتعلّم المشي، أسندت الكونتيسة مينويت خارج الغرفة.
كانت عائلة لوفاين من أغنى خمس عائلات في الإمبراطوريّة.
و رغمَ سماعها بذلك مرارًا من لينا، فإنّ المشهد أمامها فاق الخيال.
شعرت مينويت بالاطمئنان لأنّه كان يتم مساندتها.
فحتى بساقين أقوى ممّا يظنّ الناس، لم تكن واثقةً من قدرتها على عدم الارتجاف أمام هذا البذخ.
كم يساوي هذا كلّه……؟
نزلت مينويت الدرج و عيناها متّسعتان.
ثريّاتٌ متلألئة تمتدّ من الطابق الثاني إلى الأوّل.
جدرانٌ مزخرفة بألوانٍ و نقوشٍ خلّابة.
حتى البطاقة الائتمانيّة للشركة لن تجرؤ على لمس ورق الجدران هذا.
لو افترضنا أنّ اللفة الواحدة بمليون وون، واحدة، اثنتان، ثلاث—
مع الأصفار التي ملأت رأسها، خرجت منها تنهد إعجاب.
و كونها في هذا العصر، لا بدّ أنّها عمل يدويّ!
يا إلهي!
وضعت الكونتيسة يدها على جبين ابنتها، و هي تشعر بالقلق من أنّها ربّما خرجت مبكّرًا.
جلست مينويت في قاعة الاستقبال و هي لا تزال مذهولة، تحدّق في الحلويّات و الشاي الفاخر.
أشياء جميلة لا تنتهي.
و في لحظةٍ شعرت فيها أنّ الجلوس هنا أيّامًا لن يجعلها تملّ.
“أمّي، قلت لكِ إنّي لن أتناول الشاي بعد الآن. سأزداد وزنًا.”
دخلت امرأةٌ جميلة بشعرٍ أشقر مصفّف، و جلست متذمّرةً إلى جانب مينويت.
توقّف فم مينويت المفتوح عن مضغ الحلوى.
ليس المكان فقط، بل الناس هنا جميلون أيضًا.
“ليليان، هذه جلسة شاي نادرة مع أختكِ.”
قالت الكونتيسة بلطف.
‘ليليان؟’
نظرت مينويت إلى المرأة الشبيهة بها، و تذكّرت أختها الصغرى.
“آه… حسنًا.”
عندها فقط التفتت ليليان نحوها.
“إذًا، هل أنتِ….بخير.…؟”
“أنا….”
“هل ما زلتِ مريضة؟ إن كنتِ كذلك، فلماذا خرجتِ؟”
ارتبكت مينويت حين أصبحت محور الحديث، لكن ليليان قاطعتها دون انتظار جواب.
فتحت مروحتها ذات الحوافّ الورديّة و عبست قليلًا، كما لو كانت تتجنّب شخصًا مريضًا.
و ما بدّد برودة الأجواء كان صوت الخادمة معلنًا عن قدوم زائرٍ جديد.
“سيّدتي، السيّد روبرت وصل. هل أُدخله؟”
Chapters
Comments
- 5 - ذلكَ الرّجل منذ 7 ساعات
- 4 - رفض الاقتراح منذ 7 ساعات
- 3 - وليّ العهد + الزواج = دخل بلا مقابل؟ منذ 7 ساعات
- 2 - مقال اليوم منذ 7 ساعات
- 1 - الآنسة النبيلة المجنونة منذ 7 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"