“إذا كنتم تهتمّون بسمعتكم ، فكان ينبغي بكم أوّلًا أن تمتنعوا عن تحريك ألسنتكم بتهوّر في غياب صاحب الشأن.”
كانت ليليان لوفاين لا تنطق إلّا بالصواب كلمةً كلمةً.
إذا كانت برفقتهم ، كانت تخطف أنظار النبلاء الشباب كلّهم ، و إذا سمعت كلامًا خاطئًا، كانت ترد عليه نقطةً نقطةً مستخدمةً عباراتٍ صعبة.
لكن أن تكون تلك الآنسة المعنيّة أختها هذه المرّة___
ظنّت أن الآنسات لا يمكنهنّ أبدًا أن يُحببن ليليان.
بعد أن نمى في داخل آيلا برايز عنادٌ خفيّ ، فاستجمعت شجاعتها مرّةً أخرى.
“إذًا لن أتحدّث من وراء ظهرك ، و سأطرح السؤال مباشرةً. هل ما يُقال عن رفضكِ لعرض زواج سموّ وليّ العهد إشاعةٌ أم حقيقة؟”
كانت عينا آيلا ، التي ترفع نظرها إلى ليليان الأطول منها بشبر كامل ، ترتجفان ، لكن الآنسات خلفها شجّعنها و أضفن كلمةً بعد أخرى.
“هذا صحيح. إن واصلتِ تأجيل زواجكِ و أنتِ في هذا العمر ، فمهما كانت عائلة لوفاين عريقة ، فلن يبقى هناك رجل يقبلكِ ، أليس كذلك؟ فلماذا تمايلتِ و تردّدتِ؟ أم أنّكِ تُخفين رجلًا آخر؟”
“أم لعلّكِ تُواعدين أحدًا سرًّا؟”
عند الكلمة التي اندفعت فجأةً بين الآنِسات ، ارتفع حاجبا ليليان.
“أنتن الآنسات اللواتي تتحدّثن بصوتٍ واحد عن أنّ الزواج السياسي إرثٌ قديمٌ متخلّف ، أتنطقن بمثل هذه العبارات الدنيئة؟ و بما أنّ الحديث عن المواعدة قد فُتح ، فأنا أيضًا لدي سؤال أيضًا. هل بينكنّ مَنٔ تُواعد سموّ وليّ العهد دون علمي؟ أعني ، هل ثمّة من بينكنّ آنسة على أسرتنا أن تعتذر لها لأنّها تُواعده؟”
تجمّعت النظرات خلسةً نحو سيسيليا.
“أقصد علاقة متبادلة ، لا حبًّا من طرفٍ واحد.”
حـبّ من طرفٍ واحد.
لم يلتفت أحد إليها ، لكن كان بالإمكان الإحساس باحمرار وجه سيسيليا.
لم يكن في إيفيليا نبيلٌ يجهل أنّ وليّ العهد و إيغان و فيدريكو شقيق سيسيليا كانوا يتحرّكون كأنّهم جسدٌ واحد.
و حين توفّي فيدريكو في حادثٍ مفاجئ ، لم يشكّ أحدٌ في أنّ سيسيليا قد ملأت مكانه طبيعيًّا.
و كأنّه موضعها الأصلي ، جلست سيسيليا في مكان فيدريكو ، و آمن الجميع بأنّها ستصبح زوجة أحد الرجلين في نهاية المطاف ، بل إنّ كثيرين تمنّوا أن يكون ذلك الشخص هو وليّ العهد.
الآنسات اللواتي يزعمن أنّهنّ مقرّبات من سيسيليا ظننّ ، منذ ظهورها الأوّل في المجتمع ، أنّ اختيارها كولية للعهد أمر بديهيّ ، لذا كان استياؤهنّ من خبر الزواج الملكيّ أكبر.
مع أنّ أحدًا من الأسرة الإمبراطوريّة لم يزرع فيهنّ تلك التوقّعات أصلًا.
‘هل تلك الفتاة تُحبّ سموّ وليّ العهد؟’
تأمّلت مينويت وجه سيسيليا ، التي احمرّ خدّاها و عجزت عن الكلام.
كانت فتاةً ذات قامةٍ صغيرة ، لكن تعابيرها الحازمة كانت لطيفة.
‘مع وجود فتاةٍ لطيفة كهذه ، لماذا يريد الزواج منّي أنا؟’
رفعت سيسيليا رأسها بعد أن عضّت شفتيها و اتّخذت ملامح جادّة ، و حتّى جديّتها بدت في عيني مينويت لطيفةً حقًّا.
“لقد تصرّفنا بلا لياقة فعلًا. أعتذر. سأقدّم اعتذاري.”
“لا… لا بأس.”
كان صوت سيسيليا ، على خلاف قوامها الصغير ، هادئًا لكن واثقًا.
كانت حركاتها مشبعةً بفخر كونها الابنة الوحيدة لدوق إمبراطوريّة بيسك.
“يا للعجب. ما هذا التكلّف في الرقيّ؟”
نظرت ليليان بملامح مذهولة إلى سيسيليا و هي تقود الآنسات و تنصرف.
“لقد قالت إنّها آسفة. انا على ما يرام”
“يا للهول! كم هذا محبط…محبط جدًّا. لهذا السّبب تمزّقكِ الصحف و تعتبركِ مجرّد طُعمٍ مسلٍّ.”
حتّى مينويت أومأت برأسها موافقةً بلا وعي.
حقًّا. أنا أيضًا لا أفهم لماذا يتصرّفون هكذا.
“لا يهمّني إن كنتِ تبحثين عن حبيبٍ أو ستتزوّجين سموّ وليّ العهد. فقط لا تجعلي نفسكِ موضوع ألسنة تلك الثعالب. لا أريد أن أُضيّع مزيدًا من الوقت بسبب أموركِ.”
عندما رأت ليليان مينويت و هي تُومئ برأسها على كلماتها التي لفظتها بحدّة ، اتّسعت عيناها بدهشة و هزّت رأسها نفيًا.
بصوتٍ باردٍ تركت ليليان كلماتها الأخيرة ، ثمّ حملت كأسًا كريستاليًّا ضيّق الفوهة و اندفعت سريعًا بين الحشود.
كانت خطواتها واثقةً بأنّها نجمة هذا اليوم.
بعد عدّة مقطوعات فالس ، صار واضحًا مَن ستكون ملكة حفل الظهور هذا العام.
جرت العادة في أيّ مجتمعٍ راقٍ أن تختار الملكة أو الإمبراطورة ملكة حفل الظهور ، و هذا تقليدٌ لا يتغيّر.
لكن في إمبراطوريّة بيسك ، حيث ظلّ منصب الإمبراطورة شاغرًا لعقود ، أُنيط حقّ اختيار ملكة الحفل بجميع النبلاء.
و الآن ، مع ازدياد نفوذ الصحف ، كانت الجرائد تتسابق لإعلان ملكة الحفل في اليوم التالي للرقص.
و قد ارتفع شأن الصحفيّين حتّى صار بوسعهم حضور حفل الظهور المخصّص للنبلاء ، فجلسوا في أرجاء القاعة يراقبون الآنسات بعيونٍ كعيون الصقور و يقارنون بينهنّ واحدةً واحدة.
و لأنّ عددًا كبيرًا من الصحف كان يتحدّث كلّ عامٍ عن ملكة الحفل من منظوره الخاصّ ، لم يعد ذلك المنصب شرفًا لشخصٍ واحدٍ فقط.
و بما أنّه لم يعد حكرًا على آنسةٍ واحدة ، تقبّلت الأسر النبيلة هذه الثقافة الجديدة بتواضعٍ على أمل أن تُدرج بناتهنّ أيضًا ضمن المرشّحات.
لكن بدا أنّ شرف هذا العام سيؤول إلى شخصٍ واحدٍ فحسب.
حتّى الآنسات اللواتي كنّ يرقصن الفالس معها اعترفن ، رغم غصّتهنّ ، بحركات ليليان الرشيقة.
و حين تمايلت آلاف الأحجار الشفّافة التي زيّنت فستانها الأبيض مع أنغام الفالس ، ازداد وجهها إشراقًا.
كادت مينويت ترفع كتفيها فخرًا و تقول: إنّها أختي!
بل خطر ببالها أنّ ولية العهد ينبغي أن تكون فتاةً مثلها ، لكنّها هزّت رأسها بقوّة.
فحتّى عند مقارنته بليليان ، بدا وليّ العهد في اللوحة شابًّا صغيرًا جدًّا.
* * *
“ملكة حفل الظهور الأول لهذا العام بلا شكّ هي الابنة الثانية لعائلة لوفاين ، أليس كذلك؟”
“كيف يمكن أن تكون بهذه الجمال!”
تجمّعت سيّدات نبيلات و هنّ يُخفين وجوههنّ بالمراوح و يتأمّلن رقص ليليان بإعجاب.
و حين سمعت مينويت حديثهنّ من خلفها ، ارتفعت كتفاها فخرًا.
“يبدو أنّ الكونتيسة لوفاين لن تشعر بالجوع اليوم.”
“و الابنة الكبرى أيضًا يُتداول أمر زواجها من العائلة الإمبراطوريّة.”
“لكن… يُقال إنّها رفضت عرض الزواج. أهذا صحيح؟”
شعرت مينويت بقشعريرةٍ تسري في مؤخرة عنقها و هي تنظر إلى ليليان بفخر.
بعد أن قرأت جميع الصحف الصادرة في عاصمة إيفيليا ، توقّعت همسًا كهذا. لكن أن يمتدّ من الآنسات الصغيرات إلى السيّدات النبيلات أيضًا___
و حين سمعت همسات الناس عن قرب ، بدأ الخوف يتسلّل إليها.
“يا إلهي. سمعتُ أنّها بقيت طريحة الفراش طويلًا فلم تتلقَّ تعليمًا كافيًا. كيف لامرأةٍ كهذه أن ترفض عرضًا إمبراطوريًّا؟ إلى أيّ أسرةٍ ستتزوّج إذًا؟”
“لا أعلم إن كانت تجيد عزف آلةٍ واحدةٍ على الأقلّ.”
“عليكنّ أن تُحسنّ مراقبة أبنائكنّ. إذا فُتِـن أحدهم بذلك الوجه الجميل و تزوّجها ، فربّما تضطر إحداكن إلى إحضار معلّمٍ منزليّ ليس لأحفادها فحسب بل لزوجة ابنها أيضًا.”
أخذت أصوات الضحكات الساخرة تختلط تدريجيًّا في الأصوات التي لم تستطع إخفاء ارتباكها.
لم يتمّ تقييم مؤهّلات آنسةٍ بهذه الطريقة بالتفصيل من قبل رغمَ أنها لم تأتِ أصلًا لغرض الظهور الرسميّ. بل أنني واثقة حتّى ، بأنّه لن يحدث مستقبلًا أيضًا.
لم ترغب مينويت في أن تُرى من قبل السيّدات اللواتي يُسيئن الحديث عنها ، فسارت إلى الأمام بحركاتٍ متيبّسة.
و بينما كانت تبحث بعينيها عن مكانٍ خالٍ ، تعمّد النبلاء الشباب الذين تلاقت عيونهم معها أن يُشيحوا بوجوههم.
و بعد أن ظنّوا أنّ شجار غريف و أونيكس قبل قليل كان بدافع غيرة أونيكس ، ازداد تجنّبهم لمينويت.
جمالٌ لا يقلّ عن جمال ليليان ، و شعرٌ أشقر أكثر إشراقًا منها ، و دعم من عائلة الكونت لوفاين.
و مع كلّ ذلك ، لم يرغب السادة الذين يتذكّرون أونيكس في عهد الدوق المجنون ، الذي أشعل الصحف بلقب كلب إيفيليا المسعور ، في التورّط مع آنسةٍ ارتبط اسمها بفضيحة وليّ العهد.
إلّا إن كانوا قد فقدوا عقولهم بجمال مينويت.
ظنّت مينويت أنّها أعدّت نفسها جيدًا بقراءة الصحف. لكن الصحف لم تكن كالواقع ، إذ أن نظرات الناس الباردة أثارت فيها الخوف.
بعد أن انتهت من شرب نبيذ الفراولة لتهدئة نفسها ، خطفت صينيّة الخادم المارّ و شربت كأسًا تلو الآخر و هي تتّجه نحو الشرفة.
كانت مينويت تفتخر بأنّها لها قدرة قوية في تحمل الشراب.
و رغم انها لم تشرب سوى بضع كؤوس ، ألا أن شعور الظلم و ثمالة الشراب اختلطا في رأسها.
“هيك”
لقد كان تحمّلها للكحول هو الشيء الوحيد الذي اكتسبته من عملها في الشركة….
تأمّلت مينويت كأس نبيذ الفراولة في يدها.
حفلٌ باذخٌ يليق بهذا الفصل.
و شباب و آنسات يتعرفون على بعضهم البعض.
و حتّى رائحة الفراولة الحلوة المتصاعدة من الكأس.
داعب نسيمٌ هادئ خصلات شعر مينويت.
“ما أجمله. جميل للجميع… ما عداي.”
أطلقت مينويت زفرةً خافتةً من شدّة الظلم.
“سموّ وليّ العهد! سموّك! أين أنت؟”
سموّ وليّ العهد؟
بسبب الاهتمام الكبير الذي يفوق حدودها و الذي نالته اليوم ، مُحي وليّ العهد من ذهنها منذ زمن.
ثمّ إنّ الوقت كان متأخّرًا جدًّا على حضور وليّ العهد الصغير مثل هذا الحفل.
اصطدم الكأس الذي كانت تمسكه بحاجز الشرفة فأصدر رنّةً صافية ، فانتبهت مينويت فجأةً.
* * *
لم يكن بسبب تلك المرأة.
لكن الويسكي كان مُـرًّا على غير العادة اليوم.
وقف في الشرفة الخالية يُكرّر قبض قبضته التي تؤلمه و بسطها.
و رأى أنّ ظهور إيغان في التوقيت المناسب كان أمرًا حسنًا ، إذ أتاح له مغادرة قاعة الحفل بحجّة استنشاق الهواء.
فهو لم يكن مهتمًّا بالحفل أصلًا.
و إن كان قد وجّه لكمته باندفاع ، إلّا أنّه كان قلقًا بشأن العواقب.
و تذكّر أيّام كونه دوقًا حين كانت الصحف تصفه بكلب إيفيليا المسعور ، فلم يرغب في أن يصبح موضوعًا للصحف مرّةً أخرى.
حمل كأس الويسكي و نظر إلى المشهد في الخارج.
كان يومًا جميلًا.
و لم يكن منظر الأزواج الشباب تحت الشرفة و هم يتهامسون سيّئًا.
فهو موسمٌ كهذا.
نال موافقة والده الذي عارض بشدّة استيراد أحجار المانا ، و بدا أنّ استثمارات النبلاء المتشدّدين في طريقها إلى الحلّ.
و رغم الشروط الصارمة التي قدّمتها مملكة برياتا ، لم تكن هناك مشكلةً كبيرة.
فما الشيء السيء في هذا الربيع حتّى يشعر بهذا الضيق؟
“سموّ وليّ العهد!”
اقترب صوت سيسيليا خلف النسيم البارد ثمّ ابتعد.
أخفى أونيكس جسده عند طرف الشرفة و هو يحمل كأس الويسكي.
‘عندما يتجاوز القمر رؤوسنا ، سأعود إلى القاعة و أُلقي كلمة التهنئة ثمّ أغادر.’
تلك كانت خطّة اليوم.
لم يرغب في رقص الفالس المزعج ، و لا في تلبية مطلب سيسيليا المدلّل و ترك شائعةٍ لا داعي لها.
أنهى تبادل المجاملات مع نبلاء سيحملون مستقبل الإمبراطوريّة ، و خطابه المُعَـدّ بلا مشكلة.
شعر أونيكس براحةٍ نادرة و هو مستندٌ خلف العمود يشرب الويسكي.
رفع الكأس و حاول أن يحبس بتلات الزهور المتساقطة داخله.
و بينما يتأمّل البتلات الهابطة بشرود ، بدا الأمر كاستراحةٍ يُفرغ فيها رأسه بعد زمنٍ طويل.
كانت أنغام الفالس البعيدة و أثر الويسكي كأنّهما احتُبسا داخل الكأس ، فجعلَا ما حوله هادئًا.
و مع نسيم الليل الدافئ الذي لامس أنفه ، شعر أونيكس بتغيّر الفصل بوضوح ، ثمّ أعاد الكأس إلى شفتيه.
في تلكَ اللحظة___
تراجعت آنسةٌ إلى الخلف و انتهى بها الأمر إلى تحطيم هدوء أونيكس المُرضيّ.
التعليقات لهذا الفصل " 10"