1 - الآنسة النبيلة المجنونة
كثرةُ المصادفات ليست مصادفة.
و إذا كان الطرف الآخر وسيمًا، فذلك قدر بلا شكّ، هكذا كانت قناعة يو آي.
و بصرف النظر عن وسامته، كانت لدى يو آي أسبابٌ أخرى عدّة تجعلها ترى أنّ عليها الإمساك بهذا الرجل.
أعادت تذكير نفسها مجدّدًا بسبب حياتها الثانية.
سبب ولادتها من جديد هو تغيير النوع الأدبي.
إن كان نوع حياتها السابقة روايةَ مكاتبٍ مُرهِقة، فإنّ نوع حياتها هذه المرّة هو الرومانسية.
و إن وُضع عليها ملصق 19+ الأحمر، فذلك سيكون أكمل وأجمل.
لكن… زواج سياسيّ؟
حسنًا، لنتجاوز ذلك أيضًا.
أليس الزواج السياسيّ هو المسار الطبيعيّ أصلًا عند التجسد أو العودة بالزمن؟
لكن المشكلة أنّ الطرف الآخر وليّ عهدٍ صغير، بالكاد يبدو في الثالثة عشرة من عمره.
أليس هذا كثيرًا فعلًا؟
لذلك، لا بدّ لها في هذا الحفل الراقص الذي لم تُدعَ إليه أصلًا أن تصطاد شريكًا عاطفيًّا.
و في وضعٍ كهذا، حيث تتصدّر الصحف أخبارها بوصفها امرأةً خائنة رفضت عرض الزواج الإمبراطوريّ، لم يعد هناك ما لا تستطيع يو آي فعله.
هاق.
نعم، لا يمكنها أن تموت في هذه الحياة أيضًا دون أن تخوض علاقةً عاطفيّة حقيقيّة و لو لمرّة.
و قد عزمت يو آي، التي اشتدّت ثمالتها، على الاقتراب منه بقرارٍ حاسم، كما لو كانت تختار بطل الرواية.
“جميل…”.
في هواء ليلةٍ ربيعيّة ما زال يحمل برودةً خفيفة، تردّد صوت يو آي صافـيًا.
هل رجال هذا العالم وسيمون هكذا عادةً؟
ابتسمت يو آي لا شعوريًّا و هي تنظر إلى وجه الرجل الوسيم الواقف أمامها، ثمّ هزّت رأسها بقوّة.
لا، مستحيل.
صحيح أنّها لم تمضِ فترة طويلة منذ دخلت جسد مينويت، لكنّها لم ترَ رجلًا يشبهه في أيّ مكان.
بدأت يو آي تستعرض في ذهنها وجوه الرجال القلائل الذين قابلتهم منذُ قدومها إلى هذا العالم.
العمّ إيرفين سائق العربة، و العمّ كاين البستاني، و بقيّة الخدم أيضًا—
آسفة.
مهما رمشت بعينيها، لم ترَ قطّ رجلًا بهذه الوسامة التي تشبه لوحةً مرسومة.
نظرت يو آي إلى الرجل الوسيم أمامها بإعجابٍ، كما لو أنّها اكتشفت فصيلةً جديدة من البشر.
كان الرجل يمتلك بشرةً بيضاء متألّقة تحت ضوء القمر في الشرفة.
بشرةٌ ناعمة تكاد تعكس الضوء، زادت ملامحه الحادّة جمالًا و كأنّها مرسومة بعناية.
“نحن… سبق أن التقينا، أليس كذلك؟ أعني، نحن في الماضي في مقهى…”.
و مع انتشار حرارة الكحول في جسدها، خرجت من فم يو آي كلماتٌ لم تكن تقصدها.
و بينما كانت تتخبّط بارتباكٍ مندهشةً ممّا قالته، التقت بنظرتين رماديّتين داكنتين تحدّقان فيها بلا تصديق.
شعر داكن يحمل زرقة السماء الليليّة، و عينان رماديّتان مائلتان إلى الذهبيّ، كأنّهما احتفظتا بضوء القمر.
تناسقٌ مثاليّ، كأنّ أحدهم رسمه بعناية.
شعرت يو آي فجأةً بأنفاسها تنقطع أمام هالته الباردة و الأنيقة.
“لا… هذا ليس ما أعنيه”.
حين أخفضت يو آي رأسها قليلًا هربًا من نظرته، اشتدّ تأثير الخمر أكثر.
لقد خُدِعـت.
ذلك الكوكتيل الورديّ الجميل ذو رائحة الفراولة كان أقوى ممّا توقّعت.
و بالطبع، هي تتحمّل ذنبًا أكبر، لأنها شربت كأسًا تلو الآخر بلا تفكير، بدل أن تحذر من شرابٍ يخفي درجته القويّة خلف رائحةٍ لطيفة.
هاق.
قطّب الرجل حاجبيه في موقفٍ لم يكن يرغب أن يتورط فيه.
لكن في عينيّ يو آي الثملتين، لم يكن لذلك أيّ أهميّة، إذ لم ترَ سوى شفتيه الرطبتين.
كم ستكون تلك الشفاه الجميلة خطيرة؟
“تفضّلي بالخروج معي، يا آنسة”.
امتزج صوته المنخفض مع هواء الليل الحلو، و انتشر فوق أرضيّة الشرفة.
حتى صوته وسيم.
و بصوت الرجل، رفعت يو آي يدها إلى وجهه كأنّها مسحورة.
و عندما لامست أصابعها الرفيعة الباردة بشرته، تجاوزت دهشته حدّ المفاجأة إلى الارتباك.
“هذا يكفي. مهما كنتِ آنسةً نبيلة، فلن أتحمّل هذا القدر من الوقاحة”.
و في اللّحظة التي أبعد فيها يدها عن وجهه، دوى صوت من طرف الشرفة.
“صاحب السموّ وليّ العهد أونيكس! صاحب السموّ!”.
“وليّ العهد! قيل إنّك خرجت من هذا الاتجاه”.
ثمّ تبع ذلك صوت امرأةٍ في منتصف العمر.
وليّ العهد؟
ارتعبت يو آي من الأصوات التي تنادي وليّ العهد، و دفعته أكثر بين أعمدة الرخام.
لقد تهرّبت من وليّ العهد حتّى الآن، و لا يمكنه أن يمسك بها في هذه اللحظة.
و مع اقتراب جسديهما بين الأعمدة الضيّقة، نسيت تمامًا الأصوات التي كانت تبحث عنه.
“ما هذا بالضبط؟ ألا تعرفين مَنٔ أنا حقًّا، يا آنسة لوفاين؟”
اهتزّ صوته.
كان منخفضًا و مشحونًا بعجلةٍ غامضة.
كأنّه ينادي اسمها مطالبًا إيّاها بأن تستعيد رشدها.
رفعت يو آي عينيها بدهشةٍ عند سماع كلامه.
“هل… تعرفني؟”
“مينويت لوفاين”.
يا إلهي.
أن تكون على معرفةٍ برجلٍ بهذه الوسامة!
ارتبكت يو آي أمام قوله إنّه يعرفها، و أخذت تفكّر طويلًا فيما يجب أن تقوله.
عزمت على أن تُخرج جوابًا لا تفوح منه رائحة الخمر قدر الإمكان.
لكن تطريز ملابسه الذي يترنّح أمام عينيها كان يجعل رأسها يدور بلا رحمة.
“سموّك! سموّ وليّ العهد! أين أنت؟”.
اقتربت الأصوات أكثر.
و في هذه المرّة، أخفى أونيكس جسده أعمق خلف العمود.
و لو تُرك الأمر هكذا، فمن المؤكّد أنّها ستتحوّل إلى موضوع نميمة معه، لذا لم ينسَ أن يجرّ هذا “الشيء” الذي يكاد يمشي على أربع.
و بينما جذب خصرها بقوّة، انحنى خصرها الممتلئ إلى الخلف كقصبةٍ في مهبّ الريح.
“……!”
بين التراجع،
و جذب المرأة،
و الانتباه إلى تنّورتها الواسعة.
كانت مهمّةً تُربك حتى أمهر بهلوان، فاختلّ توازنه في النهاية و سقط إلى الخلف.
“آه! الصحف! لقد رأيتني في خبرٍ صحفيّ، أليس كذلك؟”.
قالت يو آي، و قد انتهى بها الأمر جالسةً فوق خصره، و هي تنظر إليه من فوق تنّورتها الواسعة، بوجهٍ يوحي بأنّها اكتشفت أمرًا عظيمًا.
و خلال ارتباكه، ابتعدت أصوات الخدم الذين كانوا يبحثون عن وليّ العهد إلى الجهة الأخرى.
و بعد أن اختفت الأصوات، لم يرغب الرجل في البقاء متشابكًا معها في وضعيّةٍ محرجة، فقال بصوتٍ بارد:
“انزلي الآن”.
عينا الرجل الذي تخلّص من الوضع الخطر، تخلّصتا من الارتباك، و لم يبقَ فيهما سوى البرودة.
صحيح أنّ وجهه المرتبك كان جميلًا، لكن هذه النظرة الباردة أيضًا—
كانت يو آي تمجّد وسامته في قلبها، و هي تنظر إلى عينيه اللتين تحملان شيئًا من الازدراء.
حتى و هي ثملة، بدا أنّها تريد أن تحفظ كلّ تعبيرٍ من تعابير وجهه في ذاكرتها، فكانت عيناها تتّقدان و هي تحدّق به.
“لقد رأيتَ خبر زواجي في الصحف، أليس كذلك؟ لكن… ماذا لو انتشرت شائعة بأنّني أواعد رجلًا آخر؟ عندها… سيختفي ذلكَ الخبر، أليس كذلك؟”.
كانت مينويت، المغمورة تمامًا بتأثير الكوكتيل الحلو، تسرد ما في قلبها بوجهٍ أحمر ككوكتيل الفراولة.
“آنسة؟”
نعم.
فلأُصبح آنسةً فاسدة إذًا.
لم تفهم لماذا كانت أفكارها تنجرف في هذا الاتّجاه، لكن مع هبوب نسيمٍ ربيعيّ لطيف نحوها، تخيّلت مستقبلًا فوضويًّا مع الرجل أمامها.
“لا… أنا حقًّا… لا أريد الزواج من سموّ وليّ العهد”.
نظر الرجل إليها بدهشةٍ، و هي تتحدّث بصوتٍ مرتجف.
شفاهها، كأنّها في حلم، أطلقت أنفاسًا حارّة ببطء.
“أنا… لا أريد وليّ العهد… أريدكَ أنـتَ…”.
ما دامت ثملة،
و قد وُلدت من جديد،
فليكن.
و حين فاحت رائحة الويسكي من وجهه الجميل، أطلقت يو آي آخر خيوط عقلها.
“علاقة عاطفيّة…”.
سأقبّل هذا الرجل.
و عندما جذبت وجهه إليها، امتزجت رائحة الويسكي الساخنة مع رائحة الفراولة في الهواء.
و على عكس يو آي التي كانت تهتف في قلبها بأنّ موتها لم يكن عبثًا، تشوّه وجه الرجل بشدّة.
في هذا الحفل الراقص الذي يعلن بداية موسم الظهور الاجتماعيّ.
الشخص الذي كان يجب أن يبارك مستقبل الآنسات و النبلاء اليافعين.
الشخص الذي يبحث عنه رجل شابّ و امرأةٌ في منتصف العمر بلهفة.
وليّ عهد إمبراطوريّة بيسك، أونيكس ترومالين.
آنسة مجنونة.
لقد وقع في شباك آنسةٍ مجنونة.
* * *
“رئيسة الفريق! مبارك لكِ الترقية! لولا موعدي الغراميّ لبقينا نعمل ليلًا معًا”
“لا بأس. شكرًا لكِ، السيّدة جونغ.”.
جلست يو آي على الكرسيّ و هي تودّع الموظّفة المغادرة.
“يا إلهي! حتى في يوم ترقيتكِ تعملين ليلًا؟ يقولون إنّ الإعصار سيشتدّ الليلة…”.
قالت أصغر عضوةٍ في الفريق بتهويل، مع دويّ الرعد الذي هزّ المبنى.
“نعم. اذهبي الآن. لماذا ما زلتِ هنا؟”
“نعم. قال لي حبيبي إنّه سيأتي ليصطحبني، لذا أنا أنتظره”
و أنتِ أيضًا!؟… لماذا الجميع يذهبون في مواعيد غراميّة؟
رسمت يو آي ابتسامة متكلّفة و هي تلوّح لهم، كأنّها تضع إيموجيّ وجهٍ مبتسم فوق رأسها.
لبّت توقّعات والديها، التحقت بجامعةٍ جيّدة، ثمّ بشركةٍ كبرى.
و في العمل، حققت تطويرًا ذاتيّا، مشاريع، إطلاقات، ثمّ مشاريع من جديد.
و عندما أفاقت من حياتها المغمورة بالعمل، كانت قد ترقّت.
بل أصبحت أصغر رئيسة فريق.
إجازات تخلّت عنها، و علاقات ضاعت، مقابل هذا المنصب—
كان ثمنه شبابًا تبخّر في غمضة عين.
و مع رؤية أفراد الفريق يخرجون في مواعيد غراميّة رغمَ هذا الطقس، شعرت يو آي بمرارةٍ أشدّ.
‘بعد انتهاء هذا الإطلاق، سأستخدم إجازتي التي ادّخرتها حقًّا. و سأذهب إلى بعض مواعيد التعارف المؤجّلة أيضًا.’
عدّت يو آي أيّام إجازتها المتبقّية في ذهنها، و حدّقت في الساعة خلف الشاشة.
“حسنًا. سأعود قبل منتصف الليل تمامًا.”.
قرّبت يو آي وجهها من الشاشة و بدأت تُدير برنامج التصميم بسرعة.
و بعد فترة، تباطأت يدها، و انجرف نظرها إلى الفراغ.
كان العقرب القصير عند الرقم سبعة قبل قليل، و ها هو يقترب من الاثني عشر.
و في تلك اللحظة.
هاه؟
ما هذا؟
هل ينهار السقف؟
قفزت يو آي من الكرسيّ لا إراديًّا حين سقط حجرٌ على لوحة المفاتيح، و ترافق ذلك مع رعدٍ مدوٍّ.
ثمّ دوى صوتٌ هائل مرّةً أخرى، و غرقت عيناها في الظلام.
ما هذا؟ هل أموت هكذا في يوم ترقيتي؟
دون أن أخوض علاقةً عاطفيّة حقيقيّة واحدة؟
* * *
كان المشهد أمامها ضبابيًّا.
و حين شدّت بصرها لترى بوضوح، أخذت الأصوات الطنّانة تجعل رأسها كأنّه سينفجر.
انهار المبنى أثناء العمل الليليّ.
ذلك كلّ ما كانت تعرفه.
هل هذا مستشفى؟
“آه…”.
و مع تمايز الأصوات شيئًا فشيئًا، تأوّهت يو آي من ألمٍ يكاد يشقّ رأسها.
بدأت الأقمشة الفاخرة المطرّزة بخيوطٍ ذهبيّة تتّضح أمام عينيها.
أعمدةٌ خشبيّة أنيقة، و سقف مملوء برسومٍ زهريّة فاخرة، منظر يخطف الأنفاس.
إن كان هذا المكان بهذه الروعة، فهل هو النعيم؟
كم ستكون تكلفة مظلّةٍ مصنوعة بهذا القدر من التطريز؟
دارت عينا يو آي بشرود، فاقدةً التركيز.
“مينويت! صغيرتي!”
“آنستي، هل استعدتِ وعيكِ؟”
و حين نظرت نحو مصدر الصوت، رأت امرأةً في منتصف العمر، جميلة، تفيض عيناها بالدموع و تمسك يدها بإحكام.
“مَنٔ أنتم؟”
تبادلت المرأة النظرات المصدومة مع رجل يقف بجانبها.
“لقد توقّف قلبها، لكنها استيقظت بمعجزة… يبدو أنّها فقدت ذاكرتها مؤقّتًا.”.
“يا إلهي ، شكرًا لك”
و بينما كانت المرأة تصلّي شاكرةً، أمسكت يو آي رأسها المتألّم و نظرت إلى الوجوه الضبابيّة خلفها.
كانت تتوقّع أن تلمس شعرها الأسود القصير، لكن ما انساب بين أصابعها كان شعرًا أشقرَ غزيرًا.
‘هل هذا نعيم باهظ الثمن؟’
و بعد زفرةٍ ساخنة، فقدت وعيها مجدّدًا.
بينما لا تزال تقبض على بطّانيّةٍ فاخرة مطرّزة بخيوطٍ ذهبيّة و جواهر صغيرة.
Chapters
Comments
- 5 - ذلكَ الرّجل منذ 7 ساعات
- 4 - رفض الاقتراح منذ 7 ساعات
- 3 - وليّ العهد + الزواج = دخل بلا مقابل؟ منذ 7 ساعات
- 2 - مقال اليوم منذ 7 ساعات
- 1 - الآنسة النبيلة المجنونة منذ 7 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"