“فقدان إحدى السّاقين. أمرٌ مؤلمٌ حقًّا. سمعتُ أنكَ تعاني من آلامٍ وهميّةٍ منذ فترةٍ طويلة، هل لا زلتَ تعاني منها؟ آه، ليس لديّ نيّةٌ للومكَ. اللجوء إلى الخمر لنسيان الألم أمرٌ شائع.”
ضحك الدوق نيكيتين بمرحٍ وهو يجلس على الكرسي، مُحدّقًا في باب غرفة الاستقبال المُغلَق بإحكام، ثم سأل بصوتٍ خفيض.
“لذا، يا فالنتين. إذا كان هناك ‘شيء’ يمتلك تأثيرًا أفضل من الخمر، ألا تعتقد أن ذلك سيكون مثيرًا للاهتمام؟”
“…شيء؟”
“لا تنفر. ليس ذلك النّوع الرّخيص الذي تفكّر فيه. نحن نُسمّيه المخلّص. إنه ثمينٌ ونادر، وتأثيره يدوم طويلًا. حتّى الفيكونت بيدرو بدأ يستعين بالمخلّص مؤخّرًا. لقد عاد للظهور في الحفلات والتجمّعات منذ فترة.”
كانت سلوكيّات الدوق نيكيتين، وهو يُشعل سيجارته، تبدو مرتاحةً للغاية. جلس فالنتين على الكرسي المقابل بتعبيرٍ غير مريح، لكنّه كان متحمّسًا داخليًّا.
المخلّص.
لا شك فيما يُشير إليه هذا التّعبير. لا يوجد وسيلةٌ أفضل لتداول الأموال المجهولة المصدر.
إذا كان شخصٌ بمكانة ربّ عائلة نيكيتين يقترح ذلك، فلن يكون مجرّد وسيلةٍ لتبادل الأموال، بل غالبًا لتوسيع النّفوذ والثّروة من خلال تجنيد الأشخاص والعلاقات.
‘لا شك. صاحب هذا الدّواء هو الأمير إيفان.’
إذن، هل يعني ذلك أن الدوق نيكيتين قد تحالف مع الأمير إيفان؟ سأل فالنتين دون إخفاء وجهه المشوب بالشك.
“كيف يُمكن الحصول عليه؟”
ردًّا على ذلك، أصبح تعبير الدوق نيكيتين وكلامه أكثر استرخاءً.
“كما قلتُ… إنّه باهظ الثمن ومطلوبٌ بشدّة، لذا يُباع في المزادات. لكن أحيانًا، نحتفظ ببعض المجموعات لأشخاصٍ نبلاء مثلكَ.”
“…”
“ليس الجميع يستخدم المخلّص. في هذه التجمّعات الاجتماعيّة البسيطة، هناك مَن يستعيدون حيويتهم فقط من خلال الاستمتاع بألعاب الطّاولة. هناك العديد من الأشخاص مثلكَ. أشخاصٌ متشابهون يتغلّبون على الصّعاب معًا.”
بدت مهارة الدوق نيكيتين في استمالة الآخرين واضحة.
‘القمار أيضًا متورّط.’
بالنّسبة لشخصٍ يُعاني من الضّغط النفسي والاكتئاب، قد يتأثّر بتعاطف الدوق نيكيتين.
“سأُفكّر في الأمر.”
“جـ- جيّد! ليس المخلّص فقط. إذا احتجتَ إلى مساعدة، تواصل معي في أيّ وقت. لا يوجد شيءٌ أكثر إرضاءً من مساعدة ابن صديقٍ عزيز.”
أن يستخدم كلمة ‘عزيز’ بينما ينصب فخًا للسّقوط في الهاوية. ابتلع فالنتين سخريته. مع ذكرى إبادة عائلته لا تزال واضحةً جدًا، إذا كان الدوق نيكيتين قد ساهم في شحذ ذلك السيف، فلن يغفر له أبدًا.
نهض الدوق بخفّة، وترك تحذيرًا واحدًا قبل مغادرة غرفة الاستقبال.
“آه، فقط للعلم، دع المخلّص سِرًّا بيننا. والدكَ… هو من النّوع المتحفّظ، قد يَشُكُّ في نواياي الحسنة.”
بعد أيّام، وصل رجلٌ من الدوق نيكيتين.
قدّم الرّجل، الذي بدا كمدير منزل، دعوةً لفالنتين تحتوي على تاريخ ووقت المزاد، وعنوان مكان المزاد، والتعليمات التي يجب اتباعها. فقط بعد أن أحرق الرسالة أمام عينيه، تمكّن فالنتين من أن يكون بمفرده مرّةً أخرى.
وفي يوم المزاد أخيرًا.
ارتدى فالنتين بدلةً سوداء، كما يتطلّب رمز اللباس، وكرّر التعليمات المكتوبة في الرّسالة حتّى اللحظة الأخيرة قبل مغادرة القصر.
من بينها، بشكلٍ خاصّ.
<بما أن سموّ الأمير إيفان سيكون حاضرًا، يجب عليكَ بالتّأكيد الالتزام بالآداب.>
كان من حُسن حظّه أن الأمير إيفان خفّف حذره وتحوّل إلى الإغراء.
على الرّغم من أن النهج النشط كان مُريبًا إلى حدٍّ ما، فإن القول المأثور يقول إنكَ إذا أردتَ اصطياد ثورٍ غاضب، يجب أن تمسك بقرنيه. عزم فالنتين أمره وتوجّه إلى مكان المزاد.
كان العنوان يُشير إلى منزلٍ مستقلٍّ قريبٍ من الأحياء الفقيرة في ماخاتشكالا. كان المكان في زقاقٍ تفوح منه رائحة القمامة، لذا اضطرّ للنّزول من العربة وسحب ساقه المعطّلة للمشي.
بعد بضع خطواتٍ صعبة، أدرك فجأةً أن الجو حوله هادئٌ بشكلٍ غريب.
“…”
تذكّر فالنتين الدّعوة المدفونة بين الزّهور العطرة.
حتّى لو كانت صفقةً تتم في الخفاء، فإن النّبلاء يهتمون بالمظاهر. كيف يُمكن أن يُعقد مزادٌ لدواءٍ ثمينٍ كهذا في مثل هذا الزقاق الرّث؟
استدار للعودة.
رَكَضَ فالنتين بأقصى ما يستطيع بساقه العرجاء. كان يلهث، لكن ساقيه كانتا لا تزالان بطيئتين. تساقط العرق البارِد على جبهته، لكن ساقيه ظلّتا بطيئتين.
“سحقًا!”
في اللحظة التي عَضَّ فيها شفتيه بعصبيّة، ضربت ضربةٌ مدوّيةٌ مؤخرة رأسه.
…آه.
بعد ذلك، أصبحت حواسّه ضبابيّة، وكأن العالم بأسره غارقٌ تحت الماء، مكتومًا.
مكتومٌ بلا حدود.
ومكتومٌ مرّةً أخرى…
بينما كان يُسحب ككيس، سمع رجلًا يُحيّيه في أذنه.
“مرحبًا، فالنتين.”
كان صوت الدوق ليبرتان.
“كما هو متوقّع، تبدو بحالةٍ جيّدة. على عكس الإشاعات، أعلم جيّدًا أنّكَ كنتَ تعيش حياةً صحيّةً في قصركَ. كانت تصل رسالةٌ كلّ أسبوع من قصر دميتريف.”
فتح فالنتين عينيه بصعوبة. شيءٌ رطبٌ يتدفّق على جبهته أعاق رؤيته، فلم يستطع رؤية وجه الرّجل بوضوح.
“همم. كانت الدّعوة هي الفرصة الأخيرة التي منحتكَ إياها. فرصةٌ للهروب بأقصى سرعة. لكنّكَ جئتَ بحماس… ولاءكَ لفاسيلي مثيرٌ للإعجاب؟ يُثير الغيرة.”
كانت الدّعوة فخًا.
شتم فالنتين نفسه لإدراكه ذلك متأخّرًا، وأطلق أنينًا مُشبّعًا بالألم. مصدر الألم الحارِق لم يكن مؤخرة رأسه المضروبة، بل كاحله الملتوي. ذلك الكاحل البطيء، العديم الفائدة…
“ظننتُ أنكَ أصبحت أكثر حكمة. أن تعبث حول سموّه إيفان بساقٍ عرجاء، أيها الرجل الذي لا يستطيع حتّى التّحكّم بجسده.”
“…”
“ذكرياتي معكَ لم تكن سيّئة… للأسف. لو تظاهرتَ بالجهل، لكان عمركَ أطول مما هو عليه الآن.”
“…”
“آه، لا تقلق بشأن عائلتكَ. سأُرسِل الدوق دميتريف، قريبكَ الوحيد، إلى جانبكَ قريبًا. لن يستغرق الأمر وقتًا طويلًا.”
“…لماذا.”
“همم؟ ماذا قلتَ؟”
“لماذا تفعل هذا…”
تبع ذلك صمتٌ طويل. عَضَّ فالنتين على أسنانه، مُحاوِلًا التّمسّك بعقله الذي بدأ يتشتّت بسرعة. في نهاية وعيه، اجتاحه النّدم متأخّرًا.
هل كان هذا الوضع لا يُمكن قلبه؟
هل المُستقبل شيءٌ لا يُمكنني تغييره بمفردي؟
إذن… إذن، إذا، حقًا، إذا أُعطيتُ فرصةً أخرى.
إذا حصلتُ على فرصةٍ لعكس كلّ شيء.
“حسنًا، يا فالنتين. ألا يرغب كلّ والدٍ في أن يعتلي ابنه العرش؟”
إذا أمكن ذلك…
* * *
بعد أن أنهى قِصّته، سألني فالنتين.
“ما رأيكِ، يا سموّكِ؟ هل تشعرين الآن أنّكِ قادرةٌ على إصدار حكمٍ صحيحٍ بشأني وبشأن سموّه إيفان؟”
التعليقات لهذا الفصل " 79"