“لا تفعل. ليس إيفان، لا. بل اصطحبنِي بعيدًا عن هنا.”
“لا يُمكنني ذلك.”
تبعَ الرّفض الحاسم تفسيرٌ هادئ.
“إذا اصطحبتكِ خارجًا وسط هذا الحشد، قد تنتشر قصصٌ مُزعِجةٌ وغير سارّةٍ قد تؤذي مشاعركِ.”
على الرّغم من أنني أعلم أن هذا من قبيل الاهتمام بي، شعرتُ بانزعاج. لماذا؟ لماذا أشعر بهذا الشّعور؟ هل لأن حالتي الجسديّة ليست جيّدةً فقط؟
“سأصطحب سموّها.”
ظهر إيغور من بين الرّؤية الضبابيّة. يا إلهي، لماذا يوجد كلّ هؤلاء الناس؟
“سأتولّى مسؤوليّة سموّها بالكامل.”
رأيتُ حركته وهو يُحاوِل دعمي، وكأنّه اتّخذ قرارًا ما.
أعرف نوايا إيغور الحسنة. لكن، رُبّما بسبب حالتي السيّئة؟ شعرتُ أن لطفه مُزعِج… وغير مرغوبٍ فيه.
“أنا لستُ شخصًا يجب أن تتحمّلوا مسؤوليّته.”
مسؤوليّة؟
‘أنا، الأميرة؟ مَن يجرؤ؟’
هل بدوتُ مثيرةً للشّفقة أو ضعيفةً لهذه الدّرجة ليظهر مثل هذا الخداع؟ لا، ليس من الصّواب تحويل لطف الآخرين بهذه الطّريقة. المسؤوليّة التي يتحدّث عنها إيغور رُبّما تحمل معنى أعمق.
لكن الوضع الحالي لا يسمح بوزن هذا المعنى. الوضع الذي أنا فيه… الوضع… بعد الرّقصة مع إيفان… إيفان… نعم، إيفان!
“تعال معي، فالنتين! لدي شيءٌ يجب أن أقوله لكَ.”
ابتلعتُ ريقي ورفعتُ رأسي الذي كان منحنيًا. لن يُضطرّ أحدٌ لتحمّل مسؤوليّتي.
“…أرجوكَ. يجب أن تكون أنتَ، فالنتين.”
لم أعد أستطيع تحمّل البقاء في منتصف هذا المسرح، فهربتُ من قاعة الرّقص كما لو كنتُ أفر. ‘المتمرّدون مختبئون…’، ‘احذرِي الهجوم…’، كانت التّحذيرات التي تلقّيتُها منذ يومين تتردّد في أُذني، لكن الآن، لا يُهمّني، يجب أن أنجو أوّلاً قبل أن أحذر، أليس كذلك؟
هربتُ من النّظرات التي كانت تُطلق عليّ كالسّهام.
كانت السّماء خارج النّافذة مظلمة، حتّى ضوء القمر كان محجوبًا بالغيوم، مثل ضِفّةٍ بحيرةٍ مُغطّاةٍ بضباب الفجر، قاتمةٍ وكئيبة.
دون أن أجد وقتًا للنّظر خلفي، جثوتُ تحت قوسٍ في الجدار، مُحدّقةً في الفراغ. من أجل الحرّاس الذين يحمونني من بعيد، لم أستطع الابتعاد أكثر من هذا.
أولاً، هدّأتُ قلبِي الذي كان يوشك على القفز من حلقي.
لهذه النّوبات، الانتظار هو العلاج الوحيد. اليوم، لا أجرؤ على العودة إلى قاعة الرّقص، وأشعر بالخجل كما لو كنتُ قد بدوتُ حمقاء…
“كلّ شيءٍ على ما يرام.”
“…”
“كلّ شيءٍ على ما يرام. هناك أشياءٌ أكثر أهميّةً وقيمةً في العالم من ماء الوجه. حتّى أنا، بغبائي، نسيتُ هذه الحقيقة للحظة. مع التّقدّم في العمر، تزداد الأفكار الجانبيّة، وأشعر دائمًا أنني أفتقد الأشياء المُهمّة.”
عندما التفتُّ، ظهر شعرٌ فضّيٌّ لامعٌ في الظّلام. كان فالنتين بجانبي بالفعل. بدا أن نوبة الذّعر قد هدأت بشكلٍ كبير، حيث كنتُ أرى تعابير وجهه الهادئة بوضوح.
‘لماذا تحسّنت حالتي بهذه السّرعة؟ عادةً ما يستغرق الأمر عشر دقائقٍ على الأقل. غريب.’
حقًا غريب. هل لأن هذه اليد الكبيرة والصّلبة تُغطّي يدي؟
هل وجود فالنتين بجانبِي يجعلني أشعر بتحسّن؟ إذا كان الأمر كذلك حقًا…
“فالنتين.”
“نعم.”
“أعتقد أن إيفان قد تحالف مع دوق ليبرتان. انصحنِي ماذا أفعل.”
كما توقّعتُ، بدا فالنتين مصدومًا للغاية. عندما تقابلَت عيناي مع عينيه المفتوحتين على مصراعيهما، شعرتُ وكأنّني وجّهتُ له ضربةً قويّة، لكن رغم أن عقلي المُكتئب أضاء قليلاً، ظَلَّ مكتئبًا.
بعد فترة صمت، كانت أوّل كلمةٍ نطق بها فالنتين.
“السّماء الليليّة رائعة. هل تودّين المشي قليلاً؟”
هل هو جاد؟
رفعتُ رأسي بقوّةٍ ونظرتُ إلى النّافذة، لكن لم أرَ سماءً ليليّةً رائعةً على الإطلاق. هل هو لا يُصدّقني؟ ألقيتُ نظرةً مُتشكّكةً على فالنتين.
“حسنًا. لكن امسِك بيدي كما كُنّا نفعل في الماضي.”
ارتفع حاجبا فالنتين الأنيقان بشكلٍ ملحوظ. على الرّغم من تعبيره الذي يقول إنّني أطلب أشياءً مُزعِجة، لم يأتِ ردّ الرّفض لسببٍ ما. لكنّه نهض وبمجرّد أن وقف، أدار ظهره لي.
انتظر لحظة. هل كان طلبي مُزعِجًا لهذه الدرجة ليتجاهله بهذا الوضوح؟ ومتى كنتَ تتفوّه بكلماتٍ معسولةٍ تدّعي فيها أنني عزيزةٌ عليكَ!
بينما كنتُ أعضّ شفتي للسّيطرة على مشاعري المتقلّبة، توقّف فالنتين بعد خطوتين ووضع يديه خلف ظهره.
ثم حرّك أصابعه قليلاً نحوي.
‘…ما هذا؟’
تذكّرتُ فجأةً مشهدًا منذ خمس سنواتٍ عندما كُنّا نستكشف السّوق معًا. أيها الأحمق فالنتين. أنا لم أعد طفلة، أنا سيّدةٌ ناضجةٌ الآن!
قاومتُ زاوية فمي التي ترتجف دون كبرياء وقمتُ. عندما أمسكتُ يده بقوّة، بدأ فالنتين، كما لو كان ينتظر، يقودني ويمشي في الاتجاه المُعاكِس لقاعة الرّقص. نحو جسرٍ طويلٍ يعبر قناةً واسعةً حيث بدأت زهور النرجس تذبل.
بلّلتُ شفتي الجافّة بلساني وبدأتُ الكلام بحذر.
“فالنتين، ما رأيكَ في إيفان؟ أنتَ تنتمي إلى هورغان أو شيءٍ من هذا القبيل، أليس كذلك؟ ألم تلاحظ أيّ شيءٍ مشبوهٍ بشأنه؟”
نظر فالنتين إلى وجهي وقال بهدوء.
“لم أُلاحِظ شيئًا. ما الدليل الذي استندتِ إليه للوصول إلى هذا الاستنتاج؟”
“الدليل… لا يوجد، فقط شعور. شعورٌ لا يُمكن تجاهله.”
“فهمتُ. هل شعرتِ بالدوار في قاعة الرّقص بسبب هذا الأمر؟”
عندما نظرتُ إليه دون كلام، نقر إصبعه الطويل على ظهر يدي بلطف، كما لو كان يهدئ طفلاً.
“منذ متى وأنتِ تعانين مِن هذا؟”
“…تقصد نوبات الذّعر؟ حسنًا، أ… لا، هذا ليس المهم الآن. إذن، لَم تَشُكَّ في إيفان ولو قليلاً؟ حقًا؟”
“نعم.”
هكذا إذن. بينما كان عقلي يبدأ في التّشوّش مرّةً أخرى، توقّف فالنتين فجأة، وترك يدي وقال.
“الإجابة التي أعطيتُها للتّو كانت كذبة.”
“ماذا؟”
نظرتُ إليه بعيونٍ مندهشة، لكنّه نظر إلى القناة المُظلِمة بتعبيرٍ غير مبالٍ.
“هل تعرفين لماذا أحضرتكِ إلى هذا الجسر؟”
“…لأنّه هادئ؟”
“لا. لأنّه المكان المثالي لإطلاق النّار على رأسكِ والتّخلّص من جثتكِ.”
“…ما الذي تقوله فجأة؟”
ماذا يعني حقًا؟
التفتَ فالنتين، مُحدّقًا في وجهي بنبرةٍ خاليةٍ من التقلّبات.
“بعد قتلكِ، سأعود إلى قاعة الرّقص وأصرخ أمام الجميع. سأقول إن الأميرة لاريسا قُتلت برصاص جاسوسٍ متمرّدٍ تسلّل سِرًّا.”
التعليقات لهذا الفصل " 74"