4 - 4
الليل نزل على القصر أثقل من أي ليلة سبقت. لم يكن الظلام مخيفًا بحد ذاته، لكن الصمت الذي رافقه كان مختلفًا… صمت يسبق العاصفة، صمت يشبه اللحظة التي يتوقف فيها القلب قبل أن يخفق بقوة أكبر.
منذ حادثة السهم، لم يعد أحد يتعامل مع عودة أوليفيا كحادثة غريبة فقط… بل كتهديد حقيقي. الحراس تضاعفوا في الممرات، الأبواب أُغلقت بإحكام، والملك أصدر أوامر صارمة بعدم خروج أي شخص دون إذن.
لكن الخطر لا يحتاج بابًا مفتوحًا.
كانت أوليفيا جالسة على طرف سريرها، السهم موضوع على الطاولة أمامها. أعادت قراءة الكلمة المكتوبة على قطعة القماش للمرة العاشرة: “تأخرتِ.”
لم تكن تهديدًا مباشرًا. لم تكن وعيدًا. كانت أقرب إلى… تذكير.
تذكير بشيء لم يُحسم.
أغمضت عينيها للحظة، وتسللت الذاكرة إليها دون استئذان.
صوت رجل في العتمة. خطوات ثقيلة على الأرض الحجرية. رائحة دخان. يد قوية تمسك بذراعها. لم يكن منقذًا لطيفًا، ولم يكن قاتلًا أيضًا. كان شيئًا بين الاثنين. عرض عليها الحياة… مقابل الصمت. مقابل أن تختفي. مقابل أن لا تعود.
لكنها عادت.
طرقات خفيفة على الباب قطعت شرودها.
هذه المرة لم تنتظر. “ادخل.”
دخل آيدن، لكن ملامحه لم تكن كما اعتادت عليها خلال الأيام الماضية. لم يكن غاضبًا ولا متشككًا. كان متوترًا.
أغلق الباب خلفه وقال دون مقدمات: “الشرفة الشمالية. وجدوا آثار أقدام.”
رفعت نظرها إليه. “آثار لمن؟”
“ليست لحارس. ليست لخادم. شخص يعرف القصر جيدًا.”
وقفت ببطء. “إذن هو لم يأتِ من الخارج.”
“هذا ما أخشاه.”
ساد صمت قصير بينهما. الفكرة كانت واضحة دون أن تُقال: الخطر ليس خارج الأسوار… بل داخلها.
اقترب من الطاولة، نظر إلى السهم. “هل تعرفينه؟”
لم تجب فورًا. نظرت إلى القطعة القماشية مرة أخرى.
“أعرف من يستطيع كتابتها.”
“ومن؟”
رفعت عينيها إليه. “شخص ظننتُ أنه لن يجرؤ على الاقتراب مرة أخرى.”
اقترب خطوة. “هل هو من أنقذك؟”
السؤال أصابها في نقطة لم ترد لمسها.
“الإنقاذ كلمة كبيرة.” قالت بهدوء. “لنقل إنه… أجّل موتي.”
نظرات آيدن اشتدت. “ولماذا يفعل ذلك؟”
ابتسمت ابتسامة باهتة. “لكل شخص أسبابه.”
“وأنتِ؟ ما سبب عودتك؟”
لأول مرة، لم تهرب من السؤال.
“لأنني تعبت من الهروب.”
كلماتها لم تكن درامية، لم تكن مرتفعة، لكنها خرجت بثقل سبع سنوات كاملة.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بصوت أخفض: “لو كنتِ في خطر… كان يجب أن تخبريني منذ البداية.”
“وأخبرك ماذا؟ أنني لا أعرف إن كنتَ تقف معي أم ضدي؟”
تصلب.
“تشكين بي إلى هذا الحد؟”
“أنا لا أستثني أحدًا.”
أدار وجهه للحظة، وكأنه يقاوم شيئًا داخله. ثم عاد ينظر إليها. “لو أردتُ إيذاءك… لما كنتِ هنا الآن.”
الكلمات خرجت صادقة أكثر مما توقع هو نفسه.
اقتربت منه خطوة، المسافة بينهما صارت ضئيلة. “هذا ما يخيفني.”
قبل أن يفهم قصدها، دوى صوت قوي في الممر. صرخة… ثم ارتطام.
انفتح الباب فجأة، وأحد الحراس اندفع إلى الداخل وهو يلهث. “سيدي! أحد المستشارين… سقط من الدرج الشرقي!”
تبادلت أوليفيا وآيدن النظرات، ثم تحركا فورًا.
الدرج كان مزدحمًا بالحراس. المستشار الأكبر ملقى في الأسفل، ينزف من رأسه، لكنه ما زال يتنفس. لم يكن سقوطًا عاديًا. الدرابزين الخشبي مكسور بطريقة توحي بدفعة قوية.
ركعت أوليفيا بجانبه رغم اعتراض البعض. انحنت قربه، وهمست: “من فعل هذا؟”
فتح عينيه بصعوبة، نظر حوله بارتباك… ثم ثبت عينيه عليها.
“عاد…” همس بالكاد.
“من عاد؟”
ارتجفت شفتاه. “الرجل… ذو الختم الفضي…”
تجمدت للحظة.
قبل أن تكمل سؤاله، فقد وعيه.
همسات انتشرت كالنار. الختم الفضي لم يكن مجرد نقش. كان رمزًا لجماعة قديمة اختفت منذ سنوات… أو هكذا ظن الجميع.
وقف آيدن ببطء، نظر إليها. “هذا ليس حادثًا.”
“لا.” قالت بهدوء قاتم. “إنه إعلان.”
“إعلان ماذا؟”
رفعت نظرها نحو الأعلى، نحو الظلال الممتدة على الجدران العالية. “أنه لم ينتهِ بعد.”
عادا إلى الممر الطويل بصمت ثقيل. القصر الذي بدا فخمًا وآمنًا قبل أيام صار يبدو كمتاهة حجرية تخبئ في زواياها أسرارًا قاتلة.
عند أحد الأعمدة، توقفت فجأة.
شعور مألوف تسلل إليها… إحساس بأنها مراقَبة.
التفتت ببطء.
في نهاية الممر، عند التقاطع المؤدي إلى الجناح القديم المهجور… رأت ظلًا يتحرك.
لم يكن خادمًا. لم يكن حارسًا.
كان واقفًا بثبات، كأنه ينتظر أن تراه.
تقدمت خطوة دون تفكير.
“أوليفيا.” صوت آيدن خلفها كان تحذيرًا.
لكنها لم تتوقف.
الظل تحرك ببطء نحو الظلام الأعمق، كأنه يدعوها للحاق به.
تسارعت أنفاسها. هذا الإحساس… تعرفه. هذا الحضور… مألوف.
همست دون وعي: “أنت…”
وفجأة، انطفأت المشاعل القريبة، وغرق الممر في ظلام شبه كامل.
صوت خطوات واحدة فقط سُمعت… ليست خطواتها.
ثم صوت قريب جدًا من أذنها، دافئ وهادئ بشكل مرعب:
“اشتقتِ إليّ؟”
تجمد جسدها بالكامل.
القلب خفق بعنف، ليس خوفًا فقط… بل لأن الصوت كان من الماضي. من تلك الليلة. من الرجل الذي حملها بين الحياة والموت.
وقبل أن تستطيع الرد…
عاد الضوء فجأة.
لكن الممر كان فارغًا.
لا ظل.
لا أثر.
فقط صدى صوته يتردد في أذنيها.
وقف آيدن أمامها مباشرة، أمسك كتفيها. “ماذا حدث؟ من كان هنا؟”
نظرت إليه ببطء، وعيناها هذه المرة لم تكونا باردتين.
“لقد وجدني.”
انقبض فكه. “من؟”
همست بالكاد:
“الشخص الذي كان يجب أن يتركني أموت.”
وساد صمت ثقيل، أدرك فيه الاثنان أن القصر لم يعد ساحة شكوك فقط…
بل صار ساحة مواجهة قادمة، مواجهة لن يخرج منها الجميع سالمين.
التعليقات لهذا الفصل " 4"